المدعو وليد فارس مستشار السياسة الخارجية لحملة انتخاب ترمب ، وهو لبناني مسيحي (ماروني) متحصل على درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية من جامعة ميامي بالولايات المتحدة. وهو يحمل الجنسية الأمريكية ويعتبر من العناصر اليمينية المتطرفة ضد الحركات الإسلامية.
قام المدعو فارس مؤخرا بنشر تغريدة توترية نصها “هناك معلومات تشير الى وجود محاولة لإسقاط الحكومة التونسية التي يرأسها يوسف الشاهد، وذلك بالتعاون بين الاسلاميين في تونس وليبيا… في حال تأكدت المعلومات، فإن هذا الامر يمثل تحدّيًا حقيقيًّا للحكومة العلمانية والمعتدلين في هذا البلد وشمال أفريقيا وللولايات المتحدة الاميركية نفسها.”
عند تفكك هذه التغريدة الملغومة نجد التالي:
ـ أن لديه معلومات وليس مجرد أخبار أو توقعات، والإيحاء بأنه معلوماته “صحيحة” حيث أنه على صلة بمصادر معلوماتية استخبارية أمريكية
ـ وأن تلك المعلومات تشير إلى أن هناك محاولة لإسقاط الحكومة التونسية، والغموض هنا مقصود حول طبيعة المحاولة (أهي عسكرية، أم سياسية، أم قانونية!!!)
ـ وأن المتآمرين في هذه المحاولة هم الإسلاميون في تونس وليبيا، ومصطلح “الإسلاميون” يشمل كل التوجهات والجماعات والحركات التي تنسب للإسلام بما فيها وبشكل خاص المعتدلة منها كالنهضة في تونس والعدالة والبناء في ليبيا!!
ـ وأن الحكومة التونسية مستهدفة لكونها حكومة علمانية وأعضاؤها معتدلين
ـ وأن هؤلاء الاسلاميين يمثلون تحدي ليس فقط لتونس بل لشمال أفريقيا ولأمريكا (وربما هذا هو بيت القصيد من التغريدة المفضوحة)
هذا الدعي لم يستوعب الدرس جيدا، من الحرب الأهلية اللبنانية. وكان له دور “متميز” في “الحرب النفسية” ضمن قيادات “القوات اللبنانية” بقيادة سمير جعجع، وقد صعد نجمه كخبير في حركات الاسلام السياسي بعد هجمات سبتمبر وكان يجوب الولايات المتحدة طولا وعرضا للتعريف بالخطر الذي يشكله الإسلاميون لكونهم كما يصفهم بأهم حركات إرهابية تستهدف المصالح الأميركية في الداخل والخارج. وقد كانت مواقفه في غاية التطرف من الإسلام . والمسلمين منذ كان طالبا
إذن يمكننا من خلفيته أن نستنتج أن هدفه من التغريدة، ليس مصلحة تونس أو ليبيا أو شعبيهما، وأنه يريد أن يضع العصي في دولاب التجربة التونسية في التحول الديمقراطي ويظن أنه بتلك التغريدة يمكنه أن يورط تونس في حرب أهلية بين الإسلاميين والعلمانيين .
وما أن قام بعض الشباب التوانسة بالتعليق على التغريدة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبعضهم كان منفعلا، انبرى بعض الـ “الكتاب” والـ «محللين» والـ «خبراء» «الليبراليين» لتحليل أثر التغريدة على الشارع التونسي “المهزوز” ، وعلى المجتمع التونسي “الهش“كما وصفته بعض الأقلام، ونعرض هنا نموذج منها:
***
تغريدة المستشار وهشاشة الأوضاع العربية
بقلم محمد الحدّاد ـ الحياة
أثارت تغريدة صغيرة نشرها وليد فارس، الذي عمل مستشاراً في الحملة الانتخابية لدونالد ترامب، موجة عارمة من التعليقات والتحليلات والردود، في تونس وليبيا بخاصة، بسبب تلميحه إلى إمكانية تحالف إسلاميّي البلدين لإسقاط الحكومة التونسية الحالية وإقامة دولة دينية.
وليد فارس نشر بعد أيام تغريدة جديدة عبّر فيها عن استغرابه الشديد لردود الأفعال التي صدرت بعد تدوينته الأولى، نافياً العديد من التأويلات التي استنتجت منها.
كان يمكن لهذه الواقعة أن تروى على سبيل المزاح لولا أنها تؤشر في العمق إلى مدى هشاشة الأوضاع العربية، حتى أنّ تغريدة بسطرين يمكن أن تتحوّل إلى حدث وتهزّ بلداً بأكمله:
أولاً، استحكمت نظرية المؤامرة في العقل العربي إلى درجة أن أصبحت المحرك الأكبر لهذا العقل في التعامل مع كل ما يحيط به.
فخلفية السيل من التحاليل المترتبة على التغريدة الصغيرة الإصرار على ربط كل الأحداث بعوامل خارجية، وقراءة كلّ شيء بمنطق المؤامرة، ولو كان بسيطاً وغير معبّر.
أنّ وجود إسلاميين في تونس وليبيا يسعون إلى إقامة حكم إسلامي أمر معلوم ومفروغ منه، وكذلك وجود تحالفات وتقاطعات بينهم، ماذا أضافت تدوينة المستشار؟ البعض رآها إنذاراً بوقوع هذا الحدث، والإسلاميون رأوها بداية موجة تأليب عليهم واستعداء في شأنهم تعكس التوجهات الجديدة للإدارة الأميركية.
كأنّ التغريدة هي التي ستحوّل مجرّد احتمال نظري إلى حدث قريب وأن الولايات المتحدة تكشف عن سياساتها عبر «تويتر». كان الأجدى طرح السؤال منذ مدّة: ماذا يريد الإسلاميون في تونس وفي ليبيا وهل يمكن أن يتحالفوا على مشروع مشترك في بلدين يشهدان مصيرين متعارضين؟ ومهما كانت الافتراضات التي يمكن أن ينتهي إليها هذا السؤال المشروع فإنّ تغريدة المستشار لا تضيف إليها شيئاً، ما دمنا نتحدث عن مجرد احتمالات.
كان محزناً أن نرى «محللين» و «خبراء» يتسابقون في تحليل ما وراء الحدث وما بين الكلمات، مثل الكهنة الذين كانوا يزعمون فكّ الطلاسم.
لقد تحوّل التحليل السياسي إلى ما يشبه نبوءات نوستراداموس، وليس الأمر بالمستغرب في ظلّ تردّي الأوضاع العربية وفائض إنتاج الأدعياء في كلّ الميادين، وتقلص التفكير الرصين والموضوعي لحساب التسابق المحموم في استغلال الفقاعات الإعلامية قصد الظهور والشهرة.
ثانياً، من خصائص نظرية المؤامرة أنها تحجب العوامل الذاتية في تفسير الأحداث لمصلحة المؤامرات المفترضة.
تغريدة فارس تزامنت مع توسع رقعة الاحتجاجات الاجتماعية في العديد من المناطق التونسية، بما يذكر بحدث 2010-2011 الذي دعي آنذاك بثورة الياسمين. فجأة تحوّلت الأنظار عن الاحتجاجات إلى تحليل السياسات الأميركية في المنطقة. مع أنّه لا غرابة في تلك الاحتجاجات لأنّ أوضاع الذين صنعوا الثورة لم تتغيّر منذ السنوات الست والحكومات السبع المتعاقبة منذ الثورة.
طبيعي حينئذ أن تعود احتجاجات العاطلين من العمل وسكّان المناطق البائسة والأحياء الشعبية وكل الذين لم يغنموا إلاّ الوعود والأماني، ولا حاجة لفهم ذلك إلى الأيديولوجيا أو تحليل التغيرات الحقيقية أو المفترضة للسياسة الأميركية.
ثالثاً، إذا كانت تغريدة قادرة على أن تهزّ بلداً، فذلك مؤشر على هشاشته، أو على الأقل محدودية ما يدعى بالنموذج التونسي في العلاقة بين الإسلاميين والديموقراطيين، فهو لم يلغ التوجس المتبادل، عدا أنه قائم على خلط خطير بين التعايش والتحالف. فالتعايش أمر مطلوب باعتبار كل وطن متاحاً لجميع أبنائه ما لم يخرجوا على قوانينه ويتوسلوا العنف والإرهاب، أمّا التحالف فقد يصبح مكبلا للعمل السياسي إذا لم يقم على رؤية مشتركة حول إصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتردّى إلى حيلة لاقتسام مغانم السلطة.
استفاد الفصيل الأكبر من الإسلاميين التونسيين من سياسة التحالفات:
تحالفوا مع اليسار ضدّ النظام السابق فوصلوا إلى السلطة وبقي اليسار خارجها،
تحالفوا مع حزبين لتشكيل حكم «الترويكا» فانهار الحزبان وحافظوا هم على قوتهم،
تحالفوا أخيراً مع الحزب الذي ربح الانتخابات ضدّهم سنة 2014 فانفجر الحزب ولم يبق منه شيء بينما قوي حزبهم.
وفي النهاية، واصلوا الحضور في السلطة على مدى الحكومات الأربع منذ 2011 والحكومة التكنوقراطية الفاصلة بينهما التي كان لهم دور رئيسي في تشكيلها.
كان على خصومهم أن يستنتجوا أنّ انتهازيتهم عندما اقترنت بالغباء السياسي لم تفتح لهم الطريق إلى السلطة، بدل أن يقنعوا أنفسهم أنهم كانوا ضحايا أوباما وأنّ ترامب سيصحّح الوضع وينقذهم.
فالإدارة الأميركية منذ سنوات، وقبل مجيء ترامب، تتجه نحو شرق آسيا حيث الأسواق الاستهلاكية الضخمة، ورؤوس الأموال الخيالية، وحيث أيضاً التهديد الجدّي لكوريا الشمالية، وتدرك أن نجاحها الأكبر يتمثل في الضغط على الصين وترويضها للمساهمة في التخلص من كوريا الشمالية وتعديل سياساتها الاقتصادية بما يخدم مصالح الاقتصاد الأميركي.
أما ما يحصل في العالم العربي فلا يمكن أن يرقى إلى هذه الأهمية الاستراتيجية.
والحلّ الوحيد للمجتمعات العربية أن تخرج عن منطق التدمير الذاتي الذي حشرت فيه نفسها منذ سنوات وتتخلّى عن الأحلام والخطابات الثورجية لتحقيق المعقول ولعقلنة الفعل السياسي.
وفي ظل الفوضى الحالية، ستستوى كل الاحتمالات، ويمكن لتغريدة تطلق في مناخ الفراغ أن تهزّ بلداً وتصبح حدثاً سياسياً بامتياز.
ولكن إلى متى؟ وما هي المكاسب؟ ومن المستفيد في النهاية؟
_______________