بقلم فريدريك ويري

لاتزال منطقة جنوب ليبيا تعاني من انعدم الاستقرار المُستوطن، وترزح تحت وطأة النزاعات الأهلية، ونقص الخدمات الأساسية، وتفشّي التهريب، وانقسام المؤسسات أو انهيارها.

لطالما ظلّت هذه المنطقة على هامش الحياة السياسية في ليبيا والمشاغل الدولية، لكن لابد من أن يتغير ذلك. لقد أدّى فراغ الحكم في الجنوب، بصورة مطردة، إلى استقطاب أفرقاء سياسيين من شمال ليبيا ودول خارجية. يمارس المتطرفون الذين يبحثون عن ملاذ في الجنوب من جهة والمهاجرون الذين يتمّ تهريبهم عبر المنطقة من جهة أخرى، تأثيراً مباشراً على الأمن في ليبيا، وفي الدول المجاورة مثل تونس، وفي أوروبا.

***

الجزء الثاني

الطوارق

الطوارق مجتمع بدوي تاريخياً، يتألف من رعاة الماشية، ويمتد عبر الصحراء الكبرى والساحل في جنوب ليبيا وأجزاء من الجزائر وبوركينا فاسو ومالي والنيجر. يتحدّث الطوارق لهجة من لهجات اللغة الأمازيغية (أو البربرية) تُعرَف بالـتاماشيق“. اعتباراً من سبعينيات القرن العشرين وتزامناً مع الطفرة النفطية، توجّه جيل أصغر سناً من الطوارق نحو اقتصاد التحويلات العابر للدول الذي يقوم على تحويلات العمال المهاجرين والتهريب.10

بالنسبة إلى عدد كبير من الطوارق من النيجر ومالي المنكوبتَين بالجفاف، بدت ليبيا الغنية بالنفط بمثابة نعيم، وقد شجّعهم القذافي على القدوم شمالاً للعمل.

لكن لدى وصولهم، جنّد عدداً كبيراً منهم في قوة عسكرية صحراوية تُعرَف بـالفيلق الإسلامي، وكان الهدف منها بسط نفوذه في أفريقيا والمشرق.

حارب الطوارق، إلى جانب البنغلاديشيين والإريتريين والموريتانيين والسودانيين، في تشاد ولبنان خلال ثمانينيات القرن العشرين، وقال أحد هؤلاء المحاربين القدامى للمؤلف: “كنا جنوداً بأجر بخس“.11

انضم بعضهم إلى القتال أملاً بأن يعمل القذافي على تمكينهم لدى عودتهم إلى ديارهم في مالي والنيجر. ولاشك في أن الديكتاتور الليبي غذّى هذه الآمال لديهم، عبر استضافة متمردي الطوارق في ليبيا في ما يُسمّى اجتماعات المؤتمر، وإنشاء الجبهة الشعبية لتحرير الصحراء الكبرى العربية الوسطى في العام 1980، مع جناح سياسي ومعسكر للتدريب العسكري على مقربة من بني وليد.12

وجّه البث الإذاعي بلغة التاماشيق نحو الساحل، لكن عندما عاد محاربو الطوارق في الفيلق الإسلامي إلى مالي والنيجر لقيادة الثورات في مطلع التسعينيات، تخلّى عنهم القذافي.

ظلّ الطوارق خلال حكم القذافي شعباً على الهامش، وعانوا من سياساته العروبية، حتى وإن كان يعاملهم كعربٍ فخريين ويدّعي لنفسه نسلاً مشتركاً معهم.

كانت بلداتهم ذات الأوضاع المزرية في الجنوب تعاني من التخلّف الشديد، على الرغم من اكتشاف النفط في الجوار.

التحق شبانهم، الذين كانوا يفتقرون إلى التحصيل العلمي، بالقوى الأمنية النخبوية في نظام القذافي، على غرار اللواء 32 المُعزز بقيادة نجل القذافي خميس، وكتيبة مغاوير الطوارق التي كانت تتألف حصراً من الطوارق في أوباري، فيما انضم آخرون إلى اللجان الثورية.

عندما اندلعت ثورة 2011، انفصل بعض الطوارق عن النظام، على غرار السفير الليبي في مالي، موسى الكوني، الذي أصبح لاحقاً ممثل الطوارق في المجلس الوطني الانتقالي، ومن ثم عضو المجلس الرئاسي في الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس، قبل تقديم استقالته في كانون الثاني/يناير 2017.13

حافظ عدد كبير من الطوارق الآخرين، ولاسيما أولئك المنضوين في الألوية الأمنية، على ولائهم للنظام وحاربوا الثوّار.

بعد الحرب، قام جنود طوارق من الساحل بنهب مستودعات الأسلحة الليبية وتوجّهوا إلى مالي حيث قادوا تمرداً، وساهموا في إنشاء شبه دولة لم تعمّر طويلاً في الشمال تحت اسم أزواد.

عانى ليبيون آخرون من الطوارق من وصمة الوقوف إلى جانب القذافي. لكنهم حافظوا على درجة من الوئام مع جيرانهم التبو.

فقد تعاونت قبيلتا التبو والطوارق، اللتان كانتا أقليتَين في الدولة الليبية الجديدة، وعملتا معاً من أجل انتزاع حقوقهما. فكلتاهما حُرِمتا من الجنسية وعانتا من النقص في التنمية.

وقد نظّم نشطاء من القبيلتين اعتصامات أمام وزارات حكومية في طرابلس، واحتجّوا أمام حقول نفطية للمطالبة بالتوظيف والحصول على بطاقات هوية. وفي إحدى المراحل، أصدر زعماء الطوارق والتبو بياناً مشتركاً هدّدوا فيه بإقامة حكم ذاتي في الجنوب.14

كان الجزء الأكبر من التعاون بين القبيلتَين من ثمار معاهدة أُبرِمَت بين الطوارق والتبو في العام 1894 تحت اسم midi-midi (ومعناه التقريبي الصداقةبلغة التاماشيق). فالقبيلتان خاضتا حرباً في ما بينهما على امتداد سنوات، ولاسيما للسيطرة على مسالك القوافل والمراعي.

أقام اتفاق الصداقةحدوداً بينهما في ليبيا وفي الصحراء جنوباً: فكان الجزء الغربي من الرواق الجبلي الذي يربط النيجر بليبيا، ويُعرَف بممر سلفادور، أرضاً تابعة للطوارق، في حين كان الجزء الشرقي تابعاً للتبو.

وعلى امتداد مئة عام، حافظ اتفاق الصداقةعلى السلام بين القبيلتَين، في مواجهة الجفاف والنزوح، ولاحقاً الديكتاتورية، لكنه تداعى في أعقاب اندلاع النزاع في جنوب ليبيا في العام 2012.

نقاط التفجّر في النزاعات الأهلية في الجنوب

على الرغم من انتشار النزاع والتوترات الاجتماعية على نطاق واسع جداً في الجنوب، لابدّ من التوقف عند مدينتَين على وجه التحديد – سبها وأوباري – نظراً إلى أنهما تستقطبان عادةً التدخل من أفرقاء اجتماعيين وسياسيين آخرين من مختلف أنحاء المنطقة.

تتخبّط كلتا المدينتين في خليط متفجّر من الاضطرابات: فهما مختلطتان إثنياً وقبلياً؛ وتعانيان من مكامن الضعف المؤسسية، ولاسيما في القطاعَين الأمني والقضائي؛ وتقعان على مقربة من مصدرَين أساسيين للدخل الثابت يتمثّلان في مسالك التهريب وحقول النفط. وفضلاً عن ذلك، كانتا هدفاً للتدخل من قوى في الشمال والخارج.

سبها

ترتدي سبها أهمية خاصة بوصفها عاصمة محافظة الجنوب، ومحطة تاريخية على طول طرق الإمدادات بين الشمال والجنوب، كما أنها تحوّلت مؤخراً إلى محطة لتهريب المهاجرين.

لطالما كانت هذه المدينة موضع نزاع. ففي القرن التاسع عشر، كانت سبها مقراً لسلطنة حكمتها قبيلة أولاد سليمان المحلية استمرت اثنَي عشر عاماً، قبل أن يحشد العثمانيون القبائل المنافسة لها ويقوموا بإطاحتها.15

انتهج الإيطاليون استراتيجية مماثلة تقوم على التقسيم والغزو.

وبعد نيل ليبيا استقلالها، تسلّمت قبيلة أولاد سليمان سدّة الحكم من جديد، ومكثت في السلطة حتى انقلاب القذافي. وقد أنهى الديكتاتور حكمهم عبر وضع المؤسسات الأمنية ومصادر الدخل الأساسية، مثل تهريب السجائر، في عهدة قبيلته، القذاذفة.

خسر أولاد سليمان مكانتهم، لكن عند انتهاء ثورة 2011، لاحت لهم فرصة في الأفق عبر الانقلاب على أسيادهم السابقين. كما رأت القبائل غير العربية أن الفرصة سانحة أمامها أيضاً. وفي الأعوام اللاحقة، انهارت المواثيق وهرميات النفوذ غير المعلَنة.

اندلع نزاع مفتوح في سبها في آذار/مارس 2012، وكانت شرارته سرقة سيارة كما أُفيد. فقد أقدم أحد أبناء التبو على قتل مسؤول بارز في شركة الكهرباء ينتمي إلى قبيلة أولاد سليمان وسرقة شاحنته رباعية الدفع.

واتّجه الوضع نحو التصعيد عندما انتهى اجتماع للمصالحة عُقِد في قاعة الشعب التي تعود إلى حقبة القذافي، باندلاع معركة بالأسلحة.

توجّهت ميليشيات من قبيلة أولاد سليمان وقبائل عربية أخرى إلى أحياء التبو في طيوري وإلى هاجارا القريبة. استمرت الصدامات خمسة أيام، وأسفرت عن مقتل 147 شخصاً، معظمهم من التبو، وتدمير أكثر من سبعين منزلاً.16

كانت قوة الشرطة الضعيفة في سبها بلا حول ولا قوة في مواجهة الميليشيات المتناحرة. فعمدت الحكومة الانتقالية في طرابلس إلى نشر القوات الخاصة التي تتخذ من بنغازي مقراً لها، بقيادة العقيد ونيس بوخمادة، لمحاولة فرض النظام.

كان إجراء مؤقتاً فشل في معالجة جذور الصراع. فقد كانت جريمة القتل وما أثارته من رغبة في الانتقام الشرارة التي أشعلت فتيل النزاع، لكنها أخفت وراءها ما هو أعمق من ذلك.

وكان القتال منافسةً بين قبيلتَي أولاد سليمان والتبو، اللتين كانتا متحالفتين سابقاً خلال الثورة، على تجارة التهريب المُربحة في المنطقة وتأمين الرواتب لعناصر ميليشياتهم الشباب. بعد وصول القتال إلى سبها، فرضت القوات الخاصة هدنة مؤقتة.17

لكن مع تدهور الوضع الأمني في بنغازي في مطلع العام 2013، سحب بوخمادة جنوده، ما خلق فراغاً مجدداً. فتقدّم أولاد سليمان لملئه محاولين فرض هيمنتهم على قوة الشرطة الوليدة في المدينة، والسيطرة على التجارة غير الشرعية عبر الحدود.

بحلول مطلع العام 2014، نفذ التبو هجوماً مضاداً، فأقدموا على اغتيال أحد القادة الميليشياويين من قبيلة أولاد سليمان انتقاماً منه على خلفية دوره في الصدامات السابقة، فاندلعت جولة ثانية من القتال.

رصّ القذاذفة صفوفهم مع التبو، فاستولوا على قاعدة تمنهنت الجوية العسكرية، في حين وضع أولاد سليمان يدهم على قلعة إلينا التي تعود إلى الحقبة الإيطالية وتربض على تلة مطلّة على سبها.

انحدرت سبها مجدداً نحو دوّامة العنف، وتحوّلت أحياء بكاملها إلى مناطق خارجة عن سلطة القانون تحكمها ميليشيات وعصابات إجرامية. سجّلت أعداد جرائم القتل والخطف ارتفاعاً شديداً. وأغلقت المدارس أبوابها؛ ولازم الجميع منازلهم، ولقي شبّان مصرعهم في معارك مسلّحة للسيطرة على إحدى محطات الوقود.18

ردّت حكومة طرابلس مجدداً بنشر ائتلاف من الميليشيات، تمثَّل هذه المرة بالقوة الثالثة بقيادة مصراتة. كان تفويض القوة ينص بوضوح على إرساء السلام من جديد في المنطقة، فانتهى بها الأمر بالانحياز بين القبائل المتناحرة في المدينة، وواجهت احتجاجات متكررة طالبت برحيلها. واصطدمت أيضاً بمحدوديات واضحة كبّلت قدرتها على الحؤول دون تفجّر النزاع.

وفي صيف 2016، نفّذت بعض قواتها إعادة انتشار في الشمال للمساعدة في الهجوم الذي قادته مصراتة ضد الدولة الإسلامية في سرت. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2016، اندلع القتال من جديد في سبها بعدما قام قرد مملوك من صاحب متجر ينتمي إلى قبيلة القذاذفة، بسحب الحجاب عن رأس تلميذة من قبيلة أولاد سليمان كانت تمر في المكان، فأقدم أولاد سليمان على الثأر بقتل ثلاثة أشخاص من القذاذفة.19

في غضون أيام، سلكت الحادثة طريقها نحو التصعيد، واندلعت معركة ضارية استُخدِمت فيها الدبابات والأسلحة الطاقمية. والحال أن الجرائم العنيفة لاتزال مشكلة خطيرة حتى الآن؛ ففي العام 2016 وحده، لقي 286 شخصاً مصرعهم وخُطِف 153 آخرين في سبها.20

أوباري

تستمد بلدة أوباري في الجنوب الشرقي من البلاد أهميتها الاستراتيجية من موقعها على مقربة من الحدود بين الجزائر والنيجر ومن حقول نفطية كبرى، وتضم، على غرار سبها، خليطاً من القبائل والإثنيات. معظم السكان هم أفارقة عرب، ما يُسمّى بالأهالي، ويتحدّرون من العبيد في أفريقيا جنوب الصحراء. الطوارق هم ثاني أكبر مجموعة. والتبو أقلية.

ويقول الطوارق إن أوباري تقع حكماً ضمن منطقتهم كما حدّدها اتفاق الصداقة، غير أن التبو يعتبرون أنهم أصحاب حق بالتواجد في البلدة، بالدرجة نفسها كالطوارق. وقد بدأوا بتأكيد هذا المطلب في الأشهر التي أعقبت ثورة 2011، وذلك عبر الشروع في شراء العقارات في أوباري مستخدمين الأموال التي تدفقت عليهم من عائدات التهريب التي وجدوا فيها مصدراً جديداً للكسب.

كما تمكّنوا أيضاً من الوصول إلى حقل الشرارة النفطي القريب، عبر العمل حرّاساً تحت إمرة ميليشيات الزنتان التي كانت تسيطر عليه.21

وقد أثار ذلك حفيظة الطوارق الذين كانوا قد طُرِدوا من بلدة غدامس الحدودية خلال القتال بين المجموعات، وتملّكتهم الخشية من ضربة أخرى تُسدَّد لنفوذهم في المنطقة، وتتمثّل تحديداً في سيطرة التبو على أرض كانوا يعتبرون أنها تقع حكماً ضمن نطاق منطقتهم.

فاقمت الضغوط الإقليمية من الشعور بأن الطوارق يتراجعون أمام التبو. ففي العام 2014، أغلقت الجزائر حدودها مع ليبيا، وفرضت الدوريات الفرنسية في ممر سلفادور في النيجر قيوداً شديدة على حركة الطوارق التقليدية عبر الحدود.

وقد اتّهم هؤلاء القوات الفرنسية المتمركزة في ماداما في النيجر – على بعد مئة كيلومتر (62 ميلاً) فقط من الحدود الليبية – بالتغاضي عن المهرّبين والمقاتلين من قبيلة التبو الذين يعبرون شمالاً. وقال أحد زعماء قبيلة الطوارق للكاتب: “ماداما هي مصدر فتنتنا“.

ذات عصر أحد أيام أيلول/سبتمبر 2014، حاولت قوة أمنية في أوباري توقيف بعض رجال التبو الذين كانوا يبيعون البنزين بطريقة غير شرعية في وسط البلدة، فاتخذت الأمور منحى تصعيدياً، مع قيام أحد الطوارق بإطلاق النار على شخص من التبو، ثم الرد بالمثل. وصلت لجنة من شيوخ القوم وتمكّنت من التوصل إلى هدنة.

في تلك الليلة، حطّت في الشرق قافلة من نحو ستّين مقاتلاً من التبو آتية من بلدة مرزق التي تضم أكثرية من التبو، وقصفت المجمعات التابعة لميليشيا الطوارق في غرب أوباري بنيران المدفعية الثقيلة. وفي الأسبوع التالي، توغّلت ميليشيات التبو في أوباري، وعمدت إلى إحراق منازل الطوارق أثناء تقدّمها. وقد توجّهت ميليشيات الطوارق سريعاً إلى قمة جبل تيندي وباشرت إطلاق النار على أحياء التبو تحتها.

كانت للقتال تداعيات اقتصادية على ليبيا بأسرها. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2014، ساعدت ميليشيات مصراتة الطوارق على انتزاع السيطرة على حقل الشرارة النفطي من التبو الذين كانوا قد تحالفوا مع خصومهم الزنتانيين. فردّت ميليشيات الزنتان في الشمال بإغلاق جزء من خط الأنابيب الذي يربط الشرارة بميناء الزاوية على البحر المتوسط.

تباطأت وتيرة القتال في أوباري وتحوّلت إلى تبادل مرهق ومتواصل لقذائف الهاون ورصاص القنص.

نزحت مئات العائلات؛ ولقي مئات الأشخاص مصرعهم، وتسبّب قصف المدفعية بتدمير أحياء بكاملها، ومدارس، ووسط المدينة. حاولت حكومة طرابلس والحكومة المنافسة في طبرق، مراراً وتكراراً، وقف القتال، مستعينةً بالعديد من الوسطاء القبليين (على الرغم من أن الحكومتين كانتا طرفَين في النزاع) قبل أن تتدخّل حكومة قطر التي وجّهت، بمساعدة جزائرية، دعوات إلى مندوبي التبو والطوارق للتوجّه إلى الدوحة، حيث توصّلوا إلى اتفاق في تشرين الثاني/نوفمبر 2015.22

لايزال سلام هش صامداً في الوقت الراهن في البلدة، ومردّ ذلك إلى ضبط النفس المتبادل الذي تمارسه ألوية الطوارق والتبو هناك، والجهود التي تبذلها كتائب الحسناوي التي انتشرت في المدينة للاضطلاع بمهمة حفظ السلام في شباط/فبراير 2016.

أقام جنود الحسناوي، ومعظمهم من وادي الشاطئ، نقاط تفتيش في مختلف أنحاء أوباري وعند المداخل الأساسية للبلدة، واحتل الحساونة المقر الرئيس للواء تيندي عند الخاصرة الجنوية للمدينة، وكذلك جبل تيندي القريب – والذي يشكّل موقعاً استراتيجياً وممتازاً لمراقبة المدينة.23

كان الإبلال من الأزمة بطيئاً إنما مطّرداً. فمعظم المقاتلين الذين قدموا من خارج أوباري غادروا المنطقة، ما عدا بعض وحدات التبو من القطرون، التي لم تعد إلى مسقط رأسها.

وعلى الرغم من أن المحاورين من التبو والطوارق أجمعوا على الإشادة بالحساونة لقيامهم بالفصل بين الفصائل المسلّحة، إلا أن مهمة حفظ السلام لم تنجح في معالجة التمزّق العميق الذي لحق بالنسيج الاجتماعي في البلدة. ولاتزال عودة العائلات النازحة مصدراً أساسياً للتشنّج.

وكذا الأمر بالنسبة إلى التنافس المتجذّر على الموارد الاقتصادية الشحيحة – مبيعات النفط في السوق السوداء، والتهريب، والإشراف على الحقول النفطية في المنطقة – التي تسبّبت في المقام الأول باندلاع النزاع.

أعلن الموقِّعون على اتفاق السلام للعام 2015 أنه اتفاق صداقةجديد. لكن هناك أيضاً قوى رافضة وانتقامية في صفوف الطوارق تسعى إما إلى الحصول على وطن منفصل أو إلى فرض هيمنة أكبر على التجارة عبر الحدود في الغرب.

قال ناشط من الطوارق للكاتب في مطلع العام 2016: “”عندما نعود إلى أوباري، إن شاء الله، سنعود إلى جبل تيندي“24.

***

فريدريك ويريزميل برنامج الشرق الأوسط يركز في أبحاثه على الشؤون الأمنية، والعلاقات المدنية العسكرية، وسياسات الهوية في شمال أفريقيا والخليج.

***

هوامش

10 للمعلومات عن الطوارق والحركة العابرة للأوطان، انظر: Delphin Perrin, “Tuaregs and Citizenship: The Last Camp of Nomadism,” Middle East Law and Governance 6, no. 3 (2014): 296–326; وأيضاً: Baz Lecocq, “Unemployed Intellectuals in the Sahara: The Teshumara Nationalist Movement and the Revolutions in Tuareg Society,” International Review of Social History 49, no. 12 (2004): 87–109. للمعلومات عن دورهم في التهريب غير الشرعي، انظر: Ines Kohl, “Afrod, le business Touareg avec la frontière : nouvelles conditions et nouveaux défis” [Afrod, Tuareg Business With the Border: New Conditions and Challenges], Politique Africaine 132, no. 4 (2013): 139–59.

11 مقابلة أجراها المؤلف مع شخص من الطوارق كان عضواً في اللواء 32 المعزز، أوباري، ليبيا، آذار/مارس 2016.

12 Baz Lecocq, “Unemployed Intellectuals in the Sahara: The Teshumara Nationalist Movement and the Revolutions in Tuareg Society,” International Review of Social History 49, no. 12 (2004): 102.

13 Deputy Leader of Libya’s U.N.-Backed Government Resigns,” Reuters, January 2, 2017, http://www.reuters.com/article/us-libya-security-politics-idUSKBN14M13A.

14 Rafaa Tabib, “Mobilized Publics in Post-Qadhafi Libya: The Emergence of New Modes of Popular Protest in Tripoli and Ubari,” Mediterranean Politics 21, no. 1 (2016): 6–106.

15 للاطلاع على معلومات عن سبها ودور حكّامها القبليين، انظر: Hạbib Wada al-Hịsnawi, Fezzan Under the Rule of the Awlad Muḥammad: A Study in Political, Economic and Intellectual History (Sabha, Libya: Center for African Research and Study, 1990). وعلى معلومات عن دور أسرة سيف النصر في تاريخ فزان وروابطها مع تشاد، انظر: Faraj Najem, “Tribe, Islam and State in Libya: Analytical Study of the Roots of the Libyan Tribal Society and Interaction Up to the Qaramanli Rule (1711–1835)” (PhD dissertation, University of Westminster, 2004), 224–25.

16 مقابلة أجراها المؤلف مع مسؤولين في البلدية ووجهاء في سبها، شباط/فبراير 2015.

17 مقابلة أجراها المؤلف مع العقيد ونيس بوخمادة، بنغازي، ليبيا، تشرين الثاني/نوفمبر 2013.

18 هذه الرواية مستقاة من مقابلات أجراها المؤلف في سبها في شباط/فبراير 2015 ومن محادثة عبر سكايب مع ناشطَين في سبها، تشرين الثاني/نوفمبر 2016.

19 “Monkey Incident Sparks Clashes in Southern Libyan City of Sabha, 16 Dead,” Reuters, November 20, 2016, http://www.reuters.com/article/us-libya-security-sabha-idUSKBN13F0PD.

20 “أمن سبها: مقتل 286 وخطف 153 شخصاً و624 حادث حرابة خلال العام 2016″، الوسط، 22 كانون الثاني/يناير 2017، http://alwasat.ly/ar/news/libya/130791

21 علاوةً على ذلك، عمل التبو حراساً في حقل آخر في حوض مرزق، الفيل، تحت إمرة ميليشيات الزنتان أيضاً.

22 خاض الطوارق والتبو الذين كانوا يعيشون جنباً إلى جنب في حي طيوري في سبها، قتالاً لفترة وجيزة في صيف 2015.

23 مقابلة أجراها المؤلف مع وجهاء وقادة ألوية من الحساونة، أوباري، ليبيا، شباط/فبراير 2016.

24 مقابلة أجراها المؤلف مع ناشط في الطوارق، أوباري، ليبيا، شباط/فبراير 2016.

__________________________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *