بقلم محمد بعيو

استشاط البعض غضباً من دعوتي لتوفير مظلة أمان دولية مؤقتة للعاصمة طرابلس، من خلال قوة شرطية مسلحة يتم تكوينها بقرار من الأمم المتحدة بطلب رسمي أو شعبي ليبي،

تتولى تأمين المدينة الأكبر، وجمع السلاح غير الشرعي بالرضى أو بالإكراه إن اقتضى الأمر،

وتنهي ظاهرة المعسكرات والسجون غير الشرعية،

وتعيد الشباب المدنيين المنخرطين في الميليشيات إلى حياتهم الطبيعية فتحميهم من مصير مظلم ومستقبل أسود،

وتوفر الظروف المناسبة لعودة التعبير الشعبي المدني بكافة وسائله،

وتُؤمّن المناخ الآمن المناسب لعمل النيابة والقضاء والشرطة وأجهزة الضبط وتنفيذ القانون،

وتحقق قدراً من الاستقرار يؤدي إلى دوران عجلة الاقتصاد والعمل والإنتاج،

وتنهي ظواهر الإجرام والتعدي على الأرواح والممتلكات التي تحولت من ممارسات فردية إلى جريمة منظمة،

وتساعد على عودة المهجرين الكثيرين في داخل الوطن وخارجه إلى بيوتهم وأعمالهم،

وتُمكّن مؤسسات الإدارة العامة بجميع مستوياتها من العمل وتقديم الخدمات،

والأهم من ذلك كله تضع حداً لاقتتال الجماعات المسلحة داخل الأحياء السكنية والشوارع وترويع المدنيين وتدمير بيوتهم وممتلكاتهم، واجتياح مدن لمدن وقبائل لقبائل، كما حدث يومي الخميس والجمعة وكما يحدث ولأتفه الأسباب منذ خريف 2011، وما سيبقى يحدث ويتكرر سنوات طويلة قادمة إذا لم يوضع حد نهائي له بأيدي المنظمة الدولية، التي منحت الغطاء للتدخل العسكري فخربت تحت دعاوى حماية المدنيين ونشر الديمقراطية الاستقرار، لا بأيدي المرتعشين المرتهنين المزدوجين التافهين الذي استلموا الديار، فأحرقوها بالنار، ووعدوا الشعب الليبي بالاستقرار والازدهار فإذا بالوعد وعيد إذا بالواقع الخراب والدمار.

سِتُّ سنواتٍ مضت

ذهب فيها الليبيون إلى الانتخابات مرتين واهمين أنهم يمارسون الديمقراطية،

وتكونت خلالها سلطات مدنية سياسية بدأت واحدة وانتهت بعد عامين إلى اثنتين ثم ثلاث وستصبح إذا استمر الحال ستين لكل واحدة معسكراتها وسرقاتها وجرائمها وربما جوازاتها،

وتم فيها إهدار جميع الثروات النقدية والعينية وبما يتجاوز الـ 300 مليار دينار دون أن يعلو بناء أو يُزال ركام،

وانهارت فيها العملة الوطنية حتى صار الدينار أنفع في إيقاد الأفران منه في الشراء من الأفران،

وانقسمت البلاد وتشرد العباد وتحكم الأوغاد،

ولم تتأسس فيها على مستوى الوطن مدرسة ولا مزرعة ولا مصنع ولا مركز شرطة،

وازداد البؤس وتفشى الفساد والإجرام والإرهاب، ولو استدرجتني عواصف الألم على مدارج القلم لكتبت وثيقة اتهام حقيقي بحق هؤلاء الحكام الفاسدين والمتحكمين المجرمين من آلاف الصفحات.

لكنني أكتفي بالقول:- إن بوادر العدم تزحف محمولة على أجنحة العبث، لتنهي إذا استمر الحال آخر علامات الوجود لوطن كان في إمكانه أن يكون أحسن إن لم يكن، الأحسن فجعله السيئون الآبقون أسوأ ما يكون بين الدول والأوطان.

سنواتٌ ستة كان في الإمكان لولا

فساد العقول،

وسوء المقاصد،

وعفن الأذهان،

وتخبط الوافدين والطارئين،

وتطاحن الأجندات،

وتنافس العواصم،

واستشراس المتدخلين واستشراء الخيانة،

واستسلام أشباه رجال الانتقالي وأشباح التنفيذي لابتزاز حمد بن خليفة حين قال إن الثوار لا يُلقون سلاحهم،

وفوق ذلك كله سلبية الشعب وخيانة النخب،

وحروب القبائل،

وأوهام التمكين في عقول أغبياء الإخوان المتأسلمين،

أن تتكون المؤسسة العسكرية الوطنية الموحدة،

وأن تعود كافة مؤسسات الأمن والقانون،

وأن يعود المدنيون المسمّون ثوار إلى حياتهم الطبيعية، حتى إذا حدثت الحرب الأهلية الثانية صيف 2014 انتهينا إلى سلطتين تمتلكان الأختام ولا تملكان القدرة على الفعل والتأثير،

وانتهت المهزلة بقدوم سلطة الأمر الواقع الثالثة غير الثابتة مجلس السراج الرئاسي البائس، الذي دخل تحت حماية الميليشيات لينتهي بالعاصمة وبنفسه

رهائن لديها، وخدماً لها، وميداناً لصراعاتها المسلحة،

التي تشعلها شرارة اختطاف،

وتطفئها مؤقتاً اتفاقات الأعراف،

لتدور عجلة الحرب من جديد كل بضعة أيام أو أسابيع لأتفه سبب،

ويستمر أهل طرابلس وساكنوها وقوداً للغزوات والنزوات.

إدراكاً لكل ما تقدم ولكثيرغيره يتسع له المقام ويضيق به المقال،

وكي لا ننحدر إلى حروب جديدة ومآسي جديدة، لا مناص من طلب الحماية الدولية وليس الوصاية كما هو الواقع اليوم،

لكنها حماية مضبوطة ومشروطة،

ومحددة مكاناً وزماناً ومهاما،

تنتهي وتغادر بعد أن تنهي مهمة إحلال الأمن،

وتسليم المهمة إلى القوى الشرعية ليس في العاصمة وحدها بل في كل مناطق غرب وجنوب الوطن،

لتلتحم المؤسسات الوطنية بعدها مع الجيش في شرق الوطن دون حرب ولا كسر عظم،

فتتوحد المؤسسة العسكرية،

وتتأسس من خلال التفاوض السلطة التنفيذية الموحدة والإدارة العامة الواحدة،

ونُصدر الدستور،

ونذهب إلى انتخابات حرة نزيهة لتأسيس السلطة الشرعية،

دون إكراه وابتزاز من السلاح الميليشياوي،

ودون ضغط من المال الفاسد والنفوذ الأفسد.

أما إذا

توفرت الإرادة الوطنية الجامعة،

وتحقق الإجماع بين المنقسمين المتصارعين الآن الآن وليس غداً،

وتحقق الاتفاق السياسي الحقيقي الواقعي العادل الذي لا يقصي أحداً،

فيمكن أن تُخلق حاضنة شعبية قوية يتم تحت مظلتها توحيد الجيش واستدعاء وتقوية مؤسسات الأمن والقانون على امتداد الوطن،

وحينها لا يكون ثمة داعٍ ولا مبرر لطلب الحماية،

التي هي كأس مُرة أجبرتنا على الشرب منها مرارة موت الأمان،

وحنظل الظلم،

وسموم الطغيان.

***

محمد بعيو ـ كاتب وصحافي ليبي

__________________

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *