بقلم عبدالباسط غبارة
تعيش ليبيا حالة إحتقان مستمر وصراع مسلح على أكثر من جبهة، إذ يتصارع المسلحون والساسة على السيطرة على الأرض، والمشهد السياسي.
وهو ما يتهدد الأراضي الليبية بخطر حرب أهلية أوأن تكون مرتعًا للجماعات الجهادية والتكفيرية المتشددة،خاصة مع غياب دولة مركزية قوية في ليبيا وانتشار السلاح بشكل كبير.
ونتيجة للأوضاع المتفجرة في البلاد، تتسارع مساعي العديد من الدول، لحل الأزمة الليبية وخاصة من الدول المتضررة من الفوضي في ليبيا، حيث تتضح الرغبة الدولية في سد حالة الفراغ السياسي في ليبيا، وذلك بالعمل على التقريب بين وجهات النظر للأطراف المختلفة، وتعزيز مسار التحول الديمقراطي والاتفاق على شكل العملية السياسية والدولة.
تعاون عربي
وفي سياق حل الصراع السياسي و العسكري في ليبيا ،حرصت المبادرة التونسية على جمع دول الجوار الثلاث مصر والجزائر وتونس،على طاولة حوار واحدة مع الأطراف الليبية ،بعيدا عن الحل العسكري الذي قد يزيد من تأزيم الأوضاع.
وجاء البيان المشترك في ختام اجتماعات دول الجوار الليبي بالعاصمة تونس، للتأكيد على الحل السياسي الشامل في ليبيا، آخذا في الاعتبار المبادئ الرئيسية التي تم التوافق عليها في الاجتماعات الوزارية العشر لدول الجوار المنعقدة بالقاهرة مؤخرا والخرطوم والجزائر وتونس ونيامي.
كما حث البيان على مواصلة السعي الحثيث إلى تحقيق المصالحة الشاملة في ليبيا دون إقصاء في إطار الحوار الليبي– الليبي بمساعدة من الدول الثلاث وبرعاية من الأمم المتحدة، والتمسك بسيادة الدولة الليبية ووحدة ترابها وبالحل السياسي كحل وحيد للأزمة الليبية على قاعدة الاتفاق السياسي الموقع في 17 ديسمبر 2015، وباعتباره إطارا مرجعيا والاتفاق على مساندة المقترحات التوافقية للأطراف الليبية قصد التوصل إلى صياغة تكميلية وتعديلات مكن من تطبيقه.
وتأتي هذه التحركات تجسيدا للمبادرة التي أعلن عنها الرئيس التونسي للحل السياسي عبر الحوار الشامل والمصالحة الوطنية في ليبيا.
وينتظر أن تحتضن الجزائر الاجتماع القادم لدول جوار ليبيا، مثلما اتفق على ذلك، وزراء خارجية دول جوار ليبيا المجتمعون بالقاهرة، بمشاركة وزير الشؤون المغاربية والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية عبد القادر مساهل.
ويبدو أن الدول الثلاث أقتنعت بأن استمرار الصراع في ليبيا والانقسامات بين الأطراف الفاعلة في المشهد الليبي ستدفع إلى المزيد من الفوضى والعنف والتفتت، في بلد يعاني منذ ما يقارب الست سنوات من داء الفوضى الذي انتشر في المناطق الغنية بالنفط وذات الأهمية الاستراتيجية ، ليبقى الحل السياسي هو الأنسب لحل هذا الصراع.
دور روسي
أصبحت روسيا حلقة وصل بين أطراف الأزمة الليبية في ضوء الزيارات المتكررة في الآونة الأخيرة لمسؤولين ليبيين، بعضهم من حكومة الوفاق الوطني وآخرون من برلمان طبرق، ناهيك عن تردد المشير خليفة حفتر إلى موسكو ولقاءاته مع المسؤولين الروس على أعلى المستويات.
وهو ما يرجح امكانية لعب روسيا لدور الوساطة للتقريب بين أطراف الأزمة الليبية، وهذا ما أكده رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فائز السراج مؤخرا.
وقال السراج في تصريحات لصحافيين على هامش اجتماع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في جنيف، الاثنين 27 فبراير 2017، “نحن نؤمن أن روسيا ممكن أن تلعب دوراً إيجابياً في الأزمة الليبية“. مضيفا: “نعرف أن روسيا تملك علاقات طيبة مع عدد من القوى السياسية في ليبيا، ونتوقع أن تلعب موسكو دوراً إيجابياً“. وتأتي هذه التصريحات قبل أيام من توجهه إلى موسكو لإجراء محادثات مع القيادة الروسية.
وكان نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوجدانوف، قال إنه “من المقرر أن يصل فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي بحكومة الوفاق الوطني إلى موسكو خلال أيام“، وذلك بحسب ما نقلته وكالة إنترفاكس الروسية للأنباء ،الاثنين 27 فبراير 2017.
وأضافت الوكالة: “يُنظر إلى الزيارة على أنها خطوة لإنهاء الطريق المسدود في البلاد بين الحكومة في طرابلس والقائد العسكري خليفة حفتر الذي تدعمه فصائل متمركزة في شرق البلاد الغنية بالنفط“.
وقد سبق وصرح السراج لوكالة أنباء رويترز في 19 فبراير بقوله إنه “يأمل أن تعمل موسكو كوسيط بينه وبين حفتر“.
وفي الوقت الذي تعلن فيه موسكو عن دعمها للسلطات الشرعية في البلاد، من خلال دعم البرلمان الليبي والمشير خليفة حفتر فانها تبقي قنوات اتصالاتها مفتوحة مع حكومة الوفاق الوطني نظرا للدعم الذي تحظى به من قبل الأمم المتحدة، رغم فشل هذه الحكومة في الحصول على تأييد البرلمان حتى الآن.
وفي الوقت الذي تبدي فيه بعض الدول الغربية خاصة إيطاليا ومالطا خشيتها من الدور الروسي في ليبيا، يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية وفي ظل التقارب بين ادارة الرئيس الأمركي الجديد دونالد ترامب والكرملين، لا تعارض التدخل الروسي بل تشجعه.
وهذا ما كشفه قائد القوات الأميركية في أفريقيا “أفريكوم” توماس وولدهاوسر، الذي أكد في تصريحات لفويس أوف أمريكا، إن الولايات المتحدة لا تعارض مشاركة روسيا في التوصل إلى حل للأزمة الليبية، مشيراً إلى أهمية التعاون بين قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر وحكومة الوفاق الوطني في طرابلس.
وقال وولدهاوسر، إن السبيل الوحيد لاستعادة السلام في ليبيا، يكمن في توحيد الفصائل المتنافسة، مضيفاً أن الهدف يكمن “في إقناع المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، والمشير خليفة حفتر بالجلوس معاً والتفاوض، وحل الخلافات العالقة بينهما“.
وأضاف القائد العسكري الأمريكي أن قوىً دوليةً وإقليمية قادرة على دعم هذا الخيار، مؤكداً أن:”مصر وروسيا تسعيان لجمع الأطراف معاً، وفي النهاية تطلب التسوية السياسية مشاركة خليفة حفتر، وفائز السراج“.
وبسؤاله عن الدور الروسي الجديد في ليبيا قال وولدهاوسر: “الواضح أن روسيا تريد المشاركة الفاعلة في محاولات حل الأزمات السياسية في ليبيا، خاصةً في ظل مصالحها الاقتصادية” مضيفاً أنه شخصياً “يُرحب بذلك“.
انفراج ممكن
.رغم التعقيدات التي يتّسم بها الشأن الليبي، والمطبّات العديدة التي تعيق المسار التوافقي في البلاد، فإن البعض يؤكد أن انفراج الأزمة لن يطول. وفي هذا السياق، أكد مبعوث جامعة الدول العربية إلى ليبيا صلاح الدين الجمالي، خلال إستضافته في برنامج سجال، الأحد 24 فبراير 2017، عبر قناة ليبيا، بأن حالة التعقيد المستمرة بالمشهد الليبي لا تعني إستحالة إيجاد الحلول في ظل رغبة الجميع بتوحيد ليبيا أرضاً وشعباً وتوحيد الحكومات الثلاث فيها وأعادة اللحمة للشعب والهدوء والإستقرار.
أوضح الجمالي بأن حكومة الوفاق يقع على عاتقها مهمة توحيد البلاد ووضع برنامج وهيئة سياسية متطورة وعصرية وترك المسيرة بعد ذلك لمن يختاره الشعب مشيراً في الوقت ذاته إلى أن لقاءاته الأخيرة التي عقدها في ليبيا وتونس مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج ورئيس مجلس الدولة عبد الرحمن السويحلي ورئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح وقائد الجيش المشير خليفة حفتر أظهرت رغبة الجميع وحرصهم على لم الشمل وإن لم يتفقوا بعد على الآلية التي سيتم من خلالها ذلك فيما يقع هذا الدور على الأجهزة والأجسام المختلفة في البلاد والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والإتحاد الإفريقي.
وتتفاءل عدة أطراف بجولات الحوار الليبي في ظل التحركات الدبلوماسية للدول المعنية بالشأن الليبي، وكان رئيس المجلس الأعلى للدولة بليبيا عبد الرحمن السويحلي أكد في تصريح إعلامي عقب لقائه مع رئيس مجلس نواب الشعب محمد الناصر بقصر باردو، الخميس 23 فيفري، أن انفراج الأزمة الليبية ” قريب جدا وأن المبادرة التونسية دليل واضح على ذلك“.
وأبرز السويحلي استعداد جميع الأطراف الليبية والدولية المهتمة بالشأن الليبي اليوم للقيام بما يجب فعله من أجل الوصول إلى حل نهائي للأزمة.
مفيدا بأن “الحوار الليبي/الليبي ما زال متواصلا في ليبيا أو خارجها تحت رعاية دولية أو إقليمية“، ومشددا على أن الحوار لم يتوقف يوما “لكننا نريد أن نحوله إلى عمل فعلي يخرجنا مما نحن فيه اليوم“، حسب تعبيره.
ورغم الاجتماعات والمبادرات والتي أثمرت في ديسمبر 2015 توقيع اتفاق الصخيرات برعاية أممية ودعم دولي، انبثقت بموجبه حكومة الوفاق التي باشرت مهام عملها من طرابلس أواخر مارس الماضي، إلا أن الصراع لا زال محتدما بين الفرقاء الليبيين.
وفي ظل حالة من الانقسام السياسي والتوتر العسكري، يبقى نجاح أي مبادرات أو وساطات رهين تحقيق حالة من الإجماع لدى الليبيين وتوافق القوى السياسية على تدشين مسار السلام والمصالحة لبناء دولة مستقرة.
عبدالباسط غبارة ـ كاتب وصحافي من تونس
________________