هذه مداخلة مفيدة طرحها كاتبها تحت عنوان “هل لنا من رأسمالية اجتماعية في ليبيا؟ ولأهمية المداخلة رأينا نشرها كاملة للتوثيق ولتعميم الفائدة
***
لا أشك في حسن نية الدكتور فتحي بن شتوان ولا في وطنيته، وشخصيا – وللتاريخ – أشهد له بالشجاعة وصفاء الحس الوطني، عندما شاءت الصدفة وحسن حظ قطاع النفط والاقتصاد الليبي عموما، أن يأتي وزيرا للطاقة، خلفا لعبد الله البدري، الذي كان قد تنازل لشركة سوناطراك الجزائرية عن الاستثمار الليبي في حقل غدامس النفطي، بالرغم من أن الخزانة الليبية قد دعمته لتوها بمبلغ 70 مليون دولار! فلم يتأخر الدكتور فتحي عن دعم و تبني موقف الادارة العامة للتعاون الدولي بوزارة الخارجية، لجهة معارضتنا لقرار وزير النفط السابق (عبد الله البدري) والعمل على إلغائه، حيث كان كل من رئيس مجلس الادارة ومدير عام المصرف الليبي الخارجي (محمد لياس) والامين المساعد للتعاون الدولي بالوزارة (محمد سيالة) مؤيدين لقرار التصفية، تضامنا مع موقف وزير النفط (عبد الله البدري)!
وكنتُ من موقعي و مسؤوليتي في الإدارة العامة للتعاون الدولي – و بدعم من الزميل السفير جمال برق – ضد قرار التصفية (احتفظ بنسخ من الوثائق ذات الصلة)، فما كان من الدكتور فتحي إلا الانحياز لاستعادة الحق الليبي في حقل غدامس النفطي شراكةً مع سوناطراك
و من ثم أستطيع الآن أن أتفهم هذه المبادرة (الوطنية) التي يتقدم بها الدكتور فتحي بن شتوان، كخارطة طريق لمعالجة الآثار التدميرية للصراع (اللاوطني) على السلطة منذ خمس سنوات من (فوضى الربيع العربي الخلاقة) التي أتت على الأخضر واليابس في بلادنا.
وإنه لجهد كبير بذله الدكتور فتحي في إعداد مقترحه – أو بالأحرى برنامجه الشامل – لتجاوز الأزمة بالغة التعقيد ومتعددة الأوجه، التي تعصف بالوطن، وتغذيها صراعات مصالح و نفوذ قوى دولية كبرى، ليست الصراعات المحلية – في جانب منها – غير انعكاسات ثانوية لها.
والمقترح في خطوطه الرئيسة و برؤيته الفكرية وأدواته التحليلية الإطارية، هو – في تقديري – أقرب إلى ما يمكن وصفه بأطروحة يوتوبيا ليبرالية، تحتاج في ترجمتها (واقعيا) إلى جيل كامل وربما جيلين من الزمن ومن رجال إدارة الدولة – و لا أقول الحكام – الأكفاء و الملائكة.
وما يثير الانتباه في المقترح هو التركيز على دور القطاع الخاص في خطط التنمية، بالرغم من أن كل تجارب التنمية – في دول ما يسمى العالم الثالث – قد أثبتت أن القطاع الخاص، ليس عاجزا فقط عن النهوض بأي دور حقيقي في إنجاز خطط التنمية بل كان دائما عبئا عليها و نقطة ضعف بنيوي فيها.
أما فكرة المِلكية الجماعية، فهي إعادة طرح لفكرة توسيع قاعدة المِلكية التي روج لها النظام السابق، والتي غالبا ما تلجأ اليها حكومات النظم الراسمالية (حكومة تاتشر في بريطانيا مثلا) للخروج من أزماتها الهيكلية الدورية، الأمر الذي لا يمكن في ظروف الواقع الليبي شديد التخلف اقتصاديا واجتماعيا – مع عجز القطاع الخاص بطبيعته عن تحقيق التراكم الراسمالي اللازم للتنمية – إلا أن يؤدي إلى إعادة إنتاج اقتصاد التخلف، بما يصاحبه من تشوهات اجتماعية.
خاصة وأنهم في التطبيق، سيأخذون بما ورد في المقترح من “تشجيع القطاع .الخاص” دون شرط إرتباط ذلك بـ “تعزيز الموارد المالية التي تتطلبها التنمية”
و فيما يميل المقترح الى تبني سياسات إلغاء الدعم الحكومي، فهو لا يقدم بديلا (واضحا) لهيكل الأجور والمعاشات غير المتوازن في القطاع العام، و لا يهتم بنظام الاستخدام الجائر – ساري العمل به في القطاع الخاص – الذي هو أقرب الى نظام العبودية و السخرة، بعقود إذعان فاحشة الاجحاف بحق المستخدَمين (بفتح الدال) ويتجاهل المقترح أن التعليم في فرنسا والمانيا والدول الاسكندنافية (الراسمالية) مجاني في كل مراحله (فهو في ليبيا حق، وليس منة من أحد)، وأن مظلة الضمان الاجتماعي أوسع كثيرا في أوروبا الرأسمالية – نموذج الاقتداء – مما هي في هذا المقترح؛ فضلا عن أنه من المعيب أن يكون في ليبيا فقراء أصلا، مع أن تعداد سكانها أقل من عدد الطلبة في الجزائر، ويتجاوز عددهم تسعة ملايين طالب (وبالمناسبة : التعليم في الجزائر مجاني، مع نقل عام طلابي شبه مجاني، و تغذية مدرسية مجانية، و أقسام داخلية ثلاثة نجوم، ومنح مالية لطلاب الجامعات)، و الحق أنه لا وجه للمقارنة مع الجزائر في أي من مجالات الخدمات العامة و تخطيط النمو بما في ذلك الإسكان العام.
وعودة الى سياسات الاستخدام، يشير المقترح بشكل غامض و ملتبس الى “المرونة في الأجور والانتقال من نشاط إلى آخر والمرونة في العلاقة بين العاملين وأصحاب العمل وممارسات التشغيل والإيقاف عن العمل“، ما يمكن تفسيره بالاحالة الى مبدأ (سوق العمل) في الراسمالية التقليدية، حيث يغدو الانسان مجرد سلعة خاضعة لقانون العرض و الطلب.
و صحيح تماما أنه ليس ثمة من معطيات إحصائية دقيقة، فيما يتعلق بالقوى العاملة وتوزيعها بين الفئات العمرية من الشباب، على أن نسبة البطالة بين الشباب – بما في ذلك خريجو التعليم الجامعي من الجنسين – تتجاوز 30%، وقد تتجاوز تقديريا سقف 60%، أخذا في الاعتبار (التزوير المتعمد) في تعبئة وتفريغ استمارات مشروع الاستبيان الوطني، بكل مراحله.
وصحيح أيضا أن جزءً كبيرا من القوى العاملة يشارك “في أنشطة ذات قيمة منخفضة وأن إنتاجيتها متدنية جدا.. و لا يوجد اهتمام بتدريبها وخاصة التدريب المحلي المتخصص في مواقع العمل“، لكن الأنكى من ذلك هو أن الدولة، قد تخلت نهائيا منذ نحو عقدين – وتكرس ذلك خلال العشرية الاخيرة من النظام السابق، في إطار رؤية مشروع ليبيا الغد – عن دورها الضامن في توفير فرص ومواطن العمل للشباب، ثم إن شركات القطاع العام (جميع شركات الاتصالات نموذجا) تشترط للتوظيف توفر خبرات عملية سابقة، وهو ما ليس متوفرا للخريجين من كل التخصصات بمن فيهم المهندسين، فضلا عن إنتفاء أن يكون لديها أي اهتمام بخطط التدريب لرفع الكفاءة الإنتاجية.
و إذا كان ترتيب ليبيا في مؤشرات إستقرار الاقتصاد الكلي، قد تراجع من المرتبة السابعة عام 2010 الى المرتبة 73 عام 2013، كما تراجع ترتيبها على كل المؤشرات الدولية، إلى الحضيض في كل القوائم بجوار الصومال.
وفيما يورد الدكتور فتحي أن نسبة التضخم قد ارتفعت – تأثرا بالاحداث – من 2.5% الى 6.1%؛ فإن تقرير البنك الدولي، الصادر في اكتوبر الفائت، يفيد بأن معدلات التضخم قد ارتفعت خلال النصف الأول من العام 2016 إلى 24%.
و في كل الأحوال، وبصرف النظر عن نقاط الاختلاف مع مقترح الدكتور فتحي بن شتوان، الذي لا شك في انطلاقه من موقف وطني، بقصد تدارك إصلاح ما يمكن إصلاحه، مما أفسده نظام الميليشيات .. في المجالات كافة وعلى كل مستويات الأداء العام لاجهزة الدولة؛ وصولا بالتدريج للانتقال بليبيا من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد إنتاجي مولد للثروة، بالاستخدام الرشيد للموارد المالية المتاحة، وخاصة منها عائدات الاستثمار في قطاع الطاقة؛ فإن المقترح – مع مرونة التطبيق و القابلية للإثراء بتجارب الامم المتقدمة – يمكن له الإيفاء باستحقاقات الخروج بالبلاد من أزمتها الراهنة، فيما لو توفرت الإرادة
وختاما للمداخلة و بكل التقدير و الاحترام: حيث إن المقترح قد غمز من قناة الأيديولوجيا، مع أنه ليس بمعزل عنها، في أخذه بمعطيات النظرية الكينزية، فهل لنا نحن الأغلبية الشعبية (الساحقة عدديا / المسحوقة اقتصاديا واجتماعيا) من ملايين المفقَرين الليبيين، أن نتطلع في وطننا الى ما تضمنه نظم (الراسمالية الاجتماعية) لمواطنيها من مكاسب، كحقوق مترتبة عن المواطنة؛ عوضا عن (بذخ أيديولوجيا) تطلعاتنا الاشتراكية، التي غدت حلما بعيد المنال .. بل في حكم المستحيل ؟.
***
هذه المداخلة نشرت كتعليق في 6 فقرات ملحقة بالمقال الأصلي في موقع ليبيا المستقبل بتاريخ 17 ديسمبر 2016.