بقلم إيثان كورين (ترجمة نورالدين السيد الثلثي)

كنت يوم 12 سبتمبر 2012 جالساً مع آخرين، ليبيّين وأمريكيّين، بمكتب مدير مركز بنغازي الطبي. كان الجميع مُثقَلين بالخبر الذي لم يكن يعرفه العالم بعد: هجومٌ على البعثة الأمريكية في بنغازي يؤدّي إلى مقتل سفير الولايات المتحدة وأمريكيّين آخرين.

كنت قد قمت بزياراتٍ إلى بنغازي لما يقرب من عام لمساعدة المركز في تحديد شركاء من بين مؤسساتٍ أمريكية وإتمام شراكةٍ معها لتطوير القدرات في مجال الطب المستعجل في الشرق الليبي.

شعرت في ذلك اليوم واليوم الذي تلاه بأن ذلك الهجوم سيؤدّي إلى ردِّ فعلٍ سلبيٍّ في سياسة الولايات المتحدة تِجاه ليبيا. وعبّرت عن مخاوفي في مقالة لي نُشرت بصحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 13 سبتمبر؛ طرحت فيها: “إن أسوأ الأخطاء التي يمكن أن تقوم بها الولايات المتحدة سيكون إلغاء ليبيا من حساباتها باعتبارها ملاذاً إرهابياً غيرَ قابلٍ للإنقاذ، أو الندمَ لدى السّاسة في واشنطن على التدخل بدعم متمردي ليبيا.” ولكنني لم أكن لأتصوّر مدى تأثير ذلك الهجوم، وتأثير ردّ فعل الإدارة الأمريكية بدرجة أكبر من الهجوم ذاته، على السياسة الداخلية في الولايات المتحدة، وعلى سياسة الولايات المتحدة في المنطقة، ورفاه الشعب الليبي ومستقبله.

من المدهش، رغم كل ما كُتب وأذيع حول الموضوع خلال السنوات الأربع الماضية، أن يظلّ بيانان لا يرقى إليهما الشك بعيدين عن التناول: الأول، أن الهجوم كان مخطّطاً له تخطيطاً جيداً، وأنه لم تكن له علاقة بالفيديو الناري المعادي للمسلمين. والثاني، هو أن الغرض الضمنيّ من وراء الهجوم هو إخراج الولايات المتحدة والغرب من ليبيا لكي تتمكن القوى المتطرفة من تعزيز مكاسبها في بلد لم تستطع فيها تلك القوى أن تربح عبر صندوق الاقتراع. كان الهجوم الكاسح على معسكر البحرية الأمريكية سنة 1983 من طرف تنظيم إرهابي غير معروف وقتها، سابقةً لا يمكن تجاهلها: أدّى ذلك العمل الذي أسفر عن مقتل 241 أمريكيا و58 فرنسياً من قوة حفظ السلام إلى رحيل البعثات الأجنبية، وإلى إيقاف مساعي الوساطة الدولية، الأمر الذي يمكن أن يُقال إنه قد أطال أمد الحرب الأهلية اللبنانية لمدة سنوات.

البيان الأول الذي كان يجب أن يصدر خلال أيامٍ من الهجوم كان له إضافةً إلى المتوفر من المعلومات لدى الدوائر الاستخبارية شهودٌ لا يمكن التشكيك فيهم. من بين أولئك الشهود كان السفير جويدو دي سانكتس القنصل الإيطالي في بنغازي وقتها (وقد كان هو نفسه هدفاً لمحاولة اغتيال في بنغازي في شهر يناير التالي). كان دي سانكتس في انتظار ستيفنز في مطعم مجاور للمجمّع عند وقوع الهجوم؛ وقد لخّص لي بياناً نقلته اليومية الإيطالية لا ستامبا بعد الحادث مباشرةً: “اعتقدت أنه كان لديّ ما يكفي لإبلاغ إي دي إن كرونوس أنه لم يكن هناك ما يوحي بوجود احتجاجٍ ضدّ الفلم يكون قد خرج عن السيطرة، بل كانت هناك عملية عسكرية.”

أظهرتُ للقرّاء في نفس مقالتي يوم 13 سبتمبر تفاصيلَ كافيةً لاستنتاج (قبل أن يصبح ذلك قضيةً) أنه كان لديّ ما يبرّر الاعتقاد بأن الهجوم قد تطوّر بشكلٍ عنيفٍ وسريع. وخلال أسابيع، قام شهود غربيون وصحفيون مستقلون عرب وأمريكيون بتعزيز هذا الانطباعات والتوسّع فيها بقدر كبير من التفصيل. لم يَظهر أيٌّ من هذه المصادر في التقييمات الرئيسية للهجوم حتى يومنا هذا فيما أعلم، ولم يتم استدعاؤهم للشهادة أمام الكونجرس. وقد ترجمتُ ما رأيته مراجعَ رئيسية وبعثتُ بها إلى مسؤولين منتخَبين في الولايات المتحدة ومكتب التحقيقات الفدرالي. بينما كان مكتب التحقيقات الفدرالي منفتحاً أمام المعلومات الجديدة، تمّ إبلاغي بأن تلك التفاصيل غيرُ متوافقة مع المعلومات التي تم جمعها من الموقع بعد الهجوم بأسابيع عديدة. وقد ذُهلت عند قراءتي لخطاب الرئيس أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 25 سبتمبر 2012 حيث أشار إلى المشروع الطبّي الذي كنت وزميلٌ لي قد بادرنا به قبل ذلك بأكثر من عام كواحدٍ من أسباب وجود السفير ستيفنز في بنغازي يوم 11 سبتمبر، بينما كان ستيفنز قد علِم بالمشروع الطبي عن طريقي، ولم يكن بيننا ترتيبٌ لاجتماعٍ قريب في بنغازي. بل كنا قد رتّبنا في الأصل بأن نجتمع يوم 11 سبتمبر في طرابلس. لقد كانت عملية التدقيق في صحة المعلومات من طرف الفريق العامل للرئيس محلّ تساؤلٍ لديّ.

يدعم عمق الارتباك حول الهجوم واستمراره التأكيدَ الذي يتكرر على نحوٍ غير قليل بأن الإدارة تتخوّف من الآثار الانتخابية إذا ما تأكّد أن للهجوم علاقةً بتنظيم القاعدة في أعقاب قتل أسامة بن لادن (الأمر الذي يقوّض ادّعاء الإدارة تحقيق الانتصار في الحرب على الإرهاب). لذلك، يبدو أن البيت الأبيض أراد المحافظة على ’إنكارٍ معقولٍ في ظاهره‘ حول طبيعة الهجوم إلى حين انتهاء انتخابات 2012. وسيكون تحويل النظر هذا مفهوماً في ضوء المناخ السياسي المتوتّر جداً والمحاولات الجادّة لتقويض مكانة كلنتون. ولكنه كان خطاً ذا أبعاد خطيرة، ذلك أن إدارة أوباما، باستمرار موقفها حول هجوم بنغازي، وجدت نفسها عالقةً بروايةٍ غيرِ متّسقة على نحوٍ غريب، ما جعل منها أرضيةً لتنامي الاتهامات ضدّ كلنتون؛ كان بعضها متوقَّعاً والبعض الآخر غيرَ منصف.

استمر الديمقراطيون بعد انتخابات 2012 في الإصرار على أن مسألة بنغازي كانت مسألةَ تصيّدٍ حزبي، الهدف الوحيد منها هو منع كلنتون من الوصول إلى البيت الأبيض. ولكن الهجوم على كلنتون، حتى ضمن هذا السياق، كان يمكن أن يكون أسوأ: توجد مسائل رئيسية، مثل العلاقات بين الولايات المتحدة والإسلاميين الليبيين والسوريين، وماذا بالضبط كان ستيفنز يعمل في بنغازي، وبأوامر مِن مَن؛ تبقى هذه المسائل دون فحصٍ، علناً على الأقل.

كان صباح 12 سبتمبر 2012 اللحظةَ التي كان ينبغي فيها على إدارة أوباما أن تعتدل وتعطي الاهتمام وتصحّح المسار. إلا أن ردّ الفعل المشوّش على الهجوم قاد الإدارةَ، بدلاً من ذلك، إلى الغوص في المزيد من الارتباك فيما يخص عملها في ليبيا. في حديث لم يكن للنشر، في واشنطن في وقت سابق من عام 2012، استعرض لي ستيفنز ما كان يخشى حدوثه إذا ما تخلّت الولايات المتحدة عن بنغازي، حيث أن الفوضى المتنامية كانت أقوى من أن يمكن التعامل معها بالموارد المتاحة. كان ذلك جزءاً من شهادتي أمام اللجنة الخاصة ببنغازي في مجلس النواب. وبدلاً من محاولة فهم البلاد بعد وفاة ستيفنز بشكلٍ أفضل، عيّنت الولايات المتحدة مسؤولين لم تكن عندهم معرفة مباشرة بليبيا يقدّمون النّصح وينفّذون السياسات الخاصة بليبيا. ويبقى السؤال – لماذا؟

تصعب المبالغة في تقدير الضرر الذي لحق بليبيا وببنغازي على وجه الخصوص. لقد أدّى تجاهل السبب والسياق إلى خطأٍ مناسبٍ [مريح] في تشخيص المشكل. تعود مشاكل ليبيا بشكلٍ كبير، من وجهة النظر الجديدة، إلى مشاحناتٍ داخلية، ’قبليةٍ‘ أساساً؛ يمكن التخفيف من حدّتها بحكومة وحدةٍ، مصطنعة، تكوّنها الأمم المتحدة، ويكون فيها صوتٌ للجميع – باستثناء أولئك الذين لهم تأثيرٌ واحترامٌ على الأرض (يبدو الغرب، في الأسابيع القليلة الماضية، أقرب إلى الاعتراف بأن تلك كانت فكرةً سيئة). فكرةُ أن الهجوم كان جزءاً من استراتيجية أكبر مدعومة من الخارج لتفكيك المكاسب الهشّة وفرض حكومة إسلامية على ليبيا لم تكن تُناقش علناً.

شهدت بنغازي، مهد الثورة وعاصمة ليبيا الثقافية المعترف بها لزمن طويل، بداية نهضةٍ في أعقاب التدخل الأطلسي الأمريكي سنة 2011. كان هناك استقرار نسبي لعدة أشهر. وبدأ كثير من الشباب الذين لم يعتادوا مثل تلك الحرية في ذلك الوقت أعمالاً تجارية أو جرائد أو مجلات؛ بعضها ذات جودةٍ عالية. وكان الوضع الأمني قابلاً للتعامل من خلاله إن لم يكن مستقراً تماماً. تم تجاوز تلك الحالة في السنة التالية، وأحدثَ الهجومُ ما كان مطلوباً من ورائه: فتح الأبواب أمام موجة من الاغتيالات استهدفت الأفضل والألمع في المدينة: الناشطين المدنيين والشرطة والمثقفين والصحافيين الذين خاطروا بحياتهم في مناسبات عديدة، كثيراً ما كانت ضمن نشاطات جماهيرية عامة، دفاعاً عن المدينة ضد التطرف. لا توجد سجلاتٌ يُعتمد عليها لعدد الذين قُتلوا في المدينة، ولكن يمكن القول بأنهم يُقدَّرون بالآلاف. لقد تركنا المدينة، التي أنقذناها من اعتداء القذافي عليها، في أيدي القاعدة والتنظيمات المرتبطة بها لأكثر من ثلاث سنوات، بينما يقوِّض من لا يفهمون غير القليل عن ليبيا الأساس المنطقي لذلك التدخل.

لقد كان ظهور ’الدولة الإسلامية‘ في ليبيا حوالي سنة 2015 ناتجاً متوقعاً لهذه السياسة التي تسمح، وليومنا هذا، لمتطرفين معروفين  بتحويل السلاح والأفراد في الاتجاهين بين ليبيا وسوريا. في وقتٍ سابق من هذه السنة، حوّلت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بهدوء اعترافها من الحكومة المنتخَبة والمعترف بها دولياً (نجاحٌ تستطيع كلنتون أن تدّعي عن حقٍّ أن تنسب جزءاً منه لنفسها) إلى مزيجٍ صنعته الأمم المتحدة من عناصر إسلامية غيرِ منتخَبةٍ وميلشياتٍ غيرِ خاضعةٍ للمحاسبة. كان السبب تكتيكياً في ظاهره: بإمكان هذا الجسم العاجز في غير ذلك من الأمور أن يأذن بضرباتٍ جوية ضدّ داعش. ولكن هذه الضربات، كما بدا واضحاً، لم تؤدِّ إلى التخلص من المشكل، وذلك لسببٍ بسيط هو أننا مستمرون في دعم العناصر الخطأ.

كان بإمكان كلنتون أن تتغلب على مسألة بنغازي. بغضّ النظر عما إذا كنا نتفق مع قرار التدخل في ليبيا سنة 2011 (شخصياً، كنت أشعر بأن المسؤولية عن قرار الرئيس، في السياق الأوسع للعلاقات الأمريكية الليبية منذ 2003 والمعارضة القوية داخل المؤسسة العسكرية للولايات المتحدة، كان قراراً شجاعاً) تقع في النهاية على الرئيس. وهكذا كان ردّ الفعل المبكر للولايات المتحدة على ذلك الهجوم. بعض الاتهامات الموجهة ضد كلنتون في مسألة بنغازي كانت، بوضوحٍ، زائفة: وزيرة الخارجية لا تملك سلطةً كاملةً وليست محفظةُ الكونجرس في قبضتها. لا يظهر أن هناك دليلاً على أنه كان في مقدور كلنتون إنقاذ الأمريكيين الأربعة بعدما دخل الهجوم حيّز التنفيذ. إضافةً إلى ذلك، بدا أن حدس كلنتون المبدئي حول ليبيا وسوريا كان صحيحاً (الدعم المبكر والقويّ لـ ’المعتدلين‘ الذين تم تحديدهم مبكراً) وسط التفكير المرتبك في واشنطن.

ولكن إذا كانت هناك مسؤولية على كلنتون المرشّحَة، بالنسبة لمسألة بنغازي، فإنه كان عليها أن توضّح موقفها وأيّ نقاط اختلاف كانت لديها مع الرئيس أوباما – خاصةً إذا ما أرادت أن تنسب لنفسها نجاحاً في السياسة تجاه ليبيا خلال شغلها لمنصب وزيرة الخارجية، مثلما فعلت في المناظرة الأولى لحملة الانتخابات الأولية سنة 2015. هل كانت تعتقد أنه كان يجب عمل المزيد لمساعدة ليبيا وبنغازي مباشرةً بعد التدخل؟ لقد كانت مدافعاً رئيسياً إن لم تكن المدافع الرئيسي على جانب ذلك التدخل. وإذا كان الأمر كذلك، كيف عبّرت عن ذلك الاعتراض؟ هل كانت تتفق مع سياسة الإدارة في دعم الإسلاميين ’المعتدلين’ على حساب غيرالإسلاميين المعتدلين؟ كيف تفسر كلنتون حقيقة أن الولايات المتحدة انتقلت من جانب الذين ساندناهم سنة 2011 إلى خصومهم الأشداء؟ لا نملك، لو أن كلنتون واجهت مسألة بنغازي بشكل مباشر، إلا أن نعتقد أن أشياء كثيرة كانت ستكون مختلفة. إلقاء اللوم في هزيمتها على تدخّل رئيس مكتب المباحث الفدرالية جيمس كومي في اللحظات الأخيرة، حتى وإن كان غير بعيد عن الحقيقة، يُبعدنا عن لبّ الموضوع. لقد تمّ تبديد الشعور بصراحة الوزيرة كلنتون والرئيس أوباما –  لسنواتٍ ودونما حاجة، وذلك في جدلٍ على جانبيْ الطّيف السياسي حول على من يقع اللوم أو لا يقع في مسألة بنغازي، ولماذا. وقليل من ذلك الجدل ما كان على علاقة حقيقية بما يحدث على الأرض.

***

المقال الأصلي نشر بمجلة فوربز بتاريخ 20 نوفمبر 2016

______________

عن ليبيا المستقبل

الكلمات الدالة

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *