بقلم : جمال التاغرميني

وكما ورد بالكتب وفي باب القصص والعبر !! يحكي أن هناك (رجلين أحدهما أعمي والاخر أعور) جمعت بينهما ألجيرة والقدر والمعاناة والتقوى والصبر، وطريقهما للمسجد من العشاء للفجر ، وباقي يومهما يقضيانه في النجوى والشكوى مما يعيشانه في هَمّ في هذه البلاد و التسلط عليهما من ألسنة العباد!!

فالأعور مع محنته أنه مضرب للمثل للشؤم يسأل من الله أن يحفظ له عينه وألا يكون أعمي كرفيقه.

والأعمى يلعن حظه الذي جعله مَثل ومَضرب لضلال البصيرة وأن رفيقه لم يكن أعمى مثله.

وذات يوم قاد الأعور الاعمى، وذهبا خارج المدينة للصحراء والقفار ليروحا عن نفسيهما ويتنشقان الهواء العليل ويفرّان من تهكم العباد، ومن رحمة الله بهما والأقدار جعلت إقدامهما تقدوهما لربوه تعثّر بها الأعمى ونبشها الأعور ليعثر بداخلها علي شي عتيق يشبه المصباح فأخبر بذلك صديقه الذي فرح وقال له أدعكه ونظّفه لعله يكون من الذهب أو الفضّة ويكون مصباح سعدنا !!

وبينما الأعور ينفخ في المنقار وينظف قي آثار الغبار وفجاْه ظهر منه دخّان ومع زمجرة سمعها الأعمى وزلزلت لها الجبال ليجدا نفسيهما في حضرة مارد قدماه علي الأرض ورأسه في العنان! وقال لهما بما إنكما كنتما سبب في أطلاق سراحي، أنا الآن في خدمتكما ولكما أمنية واحدة فقط لأحققها لكما فماذا تريدان قبل أن أذهب؟ فما كان من الأعمى الذي سارع من فرحته بالقول وبأعلى صوته ودون أن يترك المجال لرفيقه .. أريد منك أيها المارد أن تطمس العين الباقية لهذا ليكون مثلي!! بدل أن يطلب منه أن يرد له بصره !!

بالفعل تحقق له ما أراد وطُمست عين صديقه لتتحقق لهما المساواة في المعاناة ويضيعان في الصحراء وتكون نهايتهما واحدة.

وتلك القصة الخرافية لو أخذنا منها إسقاط لوجدناها تنطبق في كثير منها علي واقعنا العربي والإسلامي المزري اليوم وبشقيه (الشيعي والسني) وصراعه الطائفي الرخيص وبالأخص بعد ترشح ترامب وأصبح رئيس اقوي قوة في العالم وممن يخشى الكثير غضبها ويريد رضاها ويتمنى أن تكون وسيلته و(مارده) الذي يحقق رغباته وإن لم يستفد منها،ﻻ المهم تشفي غليله من جيرانه وشركائه في المعاناة.

فهذا الشخص الذي خرج بقوه ومخالف لكل التوقعات واستفز الجميع بتصريحاته وأولهم حزبه الجمهوري وكل العالم الحلفاء والخصوم وأدهش كل المراقبين وقلب كل الاستطلاعات، حتى مجتمعه الأمريكي انقسم قسمين بسببه!

ومن هؤلاء من مستهم تصريحاته أيضا وأرعبهم خروجه الصاعق و لم يفيقوا من الصدمة بعد (دول الخليج ) التي راهنت علي خصمه الديمقراطي (هيلري كلينتون ) ووقفت بكل ثقلها في صفها ودعمت حملتها إعلاميا وماليا من باب إبليس نعرقه وتعايشنا معه ولا شيطان لا نعرفهوعلى قول سياسييهم ومحلليهم وشيوخهم ممن علّقوا علي هذا الفوز (إنتصر أبولهب علي حمالة الحطب).

فحكام وملوك وشيوخ تلك البلدان عليهم أن يعدوا أ نفسهم ألآن للأسواء بدل المراهنة علي القدر، وخصوصا بعد خسرانهم المراهنة على كلينتون وخسارتهم لكثير المليارات التي صرفوها لخدمة سياسات أمريكا ألاستراتيجية من حرب أفغانستان الأولى مع السوفييت ودعمهم للجماعات المتطرفة، ومرورا باحتلال العراق ودمار سوريا وليبيا واليمن، وبعد انخفاض أسعار النفط وظهور النفط الصخري وتوقيع الاتفاق النووي مع إيران وفقدان المنطقة لكثير من أهميتها ألاستراتيجية وتغير سياسات أمريكا وتركيزها في السنين القادمة علي مواجهة قوى صاعدة أكبر كروسيا والصين، وزيادة علي ذلك أقرار قانون (جاستا) الذي اختير توقيته قبيل انتخاب (ترامب). فهذا الرجل ومن خلال تصريحاته بخصوصهم وشأن المنطقة التي وصفهم فيها بالبقرة الحلوب والديكتاتوريات الراعية والداعمة للإرهاب، لو طبق منها 20% سوف يكون مصيرهم أسود ومهدد مع شعوبهم وإقليمهم !!

فهم لم يعودوا ذلكم الحلفاء المدلّلين ممن يتمتعون بأموال النفط ويتسلّون بإشعال الفتن وتمويل الحروب في محيطهم وبمسميات مختلفة من حماية العقيدة ودعمهم للجماعات المتطرفة وانتهاءًََ بالديمقراطية، والديكتاتورية، والحرية، وحقوق الإنسان، والشرق الأوسط الجديد، والربيع العربي، والمظلة الامريكية، جعلتهم  بمنأى عن تلك الفتن ولا يطبقون تلك الشعارات علي شعوبهم .

ولكن ومن كل ذلك والذي يعتبر تسلسل طبيعي للإحداث والكثير يعرفه، هناك شي ما ينبغي الوقوف عنده وتأمله ويعتبر مقياس لما آلت اليه أوضاع المنطقة المتردية !! وهو كيفية تعاطي سياسيين وإعلاميين ومحطات دول الخليج مع تلك (الصدمة) التي أضيفت لسجل سياساتهم المعبأة بالإخفاقات وكيفية إيصالها وتبريرها لشعوبهم!! فهم في هذا وللأسف انتهجوا نهج (الأعمى مع الأعور)!! وحتى وإن قلبت علينا أمريكا وجهها فلا تخافوا فإن ايران (الشيعية الرافضي) ستكون معنا في هذه العاصفه فهي أيضا مستها تصريحات (ترامب) و مهددة بنقض اتفاقها النووي وتفعيل حصارها مجددا، وربما حتى الاجتياح لها.

وهذا مايمنّون النفس به ويتضرعون لله لوقوعه ويركزون عليه في أعلامهم ويضعونه رهان المرحلة القادمة، فالمهم عندهم حتى وإن دُمِّرنا تُدَمّر إيران معنا !! بدل أن يحاولوا أصلاح سياساتهم وتعديل مواقفهم مع محيطهم وجيرانهم والحفاظ علي أمنهم القومي معهم قبل فوات الأوان .

وهذا وإن دلّ علي شي فإنه يدلّ على عداء قديم (غطائه الدين) متفشي في هذه المنطقة أحسنت القوي العظمي استغلاله لمزيد الهيمنة والابتزاز كما نري في واقعنا ألآن من إقتتال طائفي وتدمير للموارد وتهجير وقتل لسكان المنطقة، وكذلك غياب الإرادة لدى من يقودون تلك الدول حكاما وسياسيين ونخبة لمحاوله الإصلاح وتقريب وجهات النظر وتجنيب المنطقة مزيدا من الكوارث التي تجعلهم جميعا يفقدون البصر والبصيرة وتبلعهم في الصحراء ويلقون نفس المصير.

بالنسبة لنا في ليبيا ونظرتي الشخصية، بالرغم من أنني كنت من المتوقعين لفوز (ترامب) وجادلت في هذا الكثير، فكما يقال عندنا في أمثالنا الشعبية (العريان في القافلة مطمان) وبعدما خسرنا دولتنا الوطنية وعدنا لطبيعتنا كحياة اسلافنا في زمن الاحتلال التركي مع تغير وسائل العصر فقط، وقُسمت وسُرقت ونُهبت هذه البلاد وانتُهكت وأصبحت مرتع للإرهاب وكل استخبارات العالم، ليس لدينا ما نخشى فقدانه او نتمنى حدوثه من هذا الفوز فقط أن يكون سبب لكل الدول الشقيقة والصديقة التي موّلت وساهمت في نكبتنا وأولهم دول الخليج وتركيا بأن يلتفتوا وينتبهوا لبلدانهم وشعوبهم فالاخطار المحدقة بهم كبيرة ويكفوا شرهم عن سوريا واليمن فالأيام القادمة في ظل وحماية أمريكا سوف تكون عليكم وليست كالأيام التي خلت .

___________

منبر ليبيا

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *