بقلم كريم ميزران
منذ ما يقرب من حوالي عشرون عاماً مضت، كتب كارلو ماريا سانتورو، أستاذ في العلاقات الدولية في ميلانو وواحد من أهم خبراء الجغرافيا السياسية، كتابا بعنوان “المخاطرة من الجنوب”، حيث حذر من مركزية ليبيا بالنسبة لاستقرار شمال إفريقيا والدول الأوروبية في الجنوب؛
كان في ذلك الوقت يشير إلى خطورة حاكم ليبيا غريب الأطوار، معمر القذافي، وتلاعبه الخبيث في مجال تجارة والهجرة ودعم الإرهاب والابتزاز الاقتصادي. اليوم، نحن الآن مازلنا نواجه كل هذه التهديدات، حتى بدون القذافي.
اليوم تأتي التهديدات من جنوب حلف شمال الأطلنطي، لكنها لا تأتي من سياسة دولة أو زعيم بعينه، هذه التهديدات مفتتة ومتعددة الأوجه، مما يستلزم تنفيذ استراتيجيات جديدة؛ إن أفضل وسيلة لمواجهة هذه التهديدات الجديدة، والتي تأتي بسبب عدم استقرار واسع المجال في الحدود الجنوبية، هي علاج العوامل الكامنة والمتسببة في عدم الاستقرار. يمكن لحلف شمال الأطلنطي، والذي تحول من التركيز على الدفاع الجماعي إلى الأمن الجماعي، أن يلعب دوراً في عمليات دعم الاستقرار، والتي من المفترض أن تقوم به كيانات أخرى، مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. من الضروري بناء الدولة لإعادة الاستقرار إلى ليبيا، ومن ثم يتم التعامل مع التهديدات الكبرى من المصدر.
الخطر الرئيسي القادم من ليبيا هو أنها من الممكن أن تكون حاضنة للإرهاب، فتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ليست إلا قمة جبل الجليد، وأجزاء كثيرة من البلاد الآن هي تربة خصبة لتأسيس العديد من المنظمات الجهادية، وكل مؤسسة ستكون لها صلاتها العالمية؛ يمكن لهذه الظاهرة بسهولة ضرب استقرار بلد لا يمكن التقليل من شأن أهميته لأمن المنطقة: فالجزائر– التي تشهد ارتفاع معدلات البطالة والسكان من الشباب، كما تشهد أزمة سياسية وعدم استقرار سياسي – هشة للغاية، خاصة وأنها تمر بأزمة سياسية، وتواجه عدم استقرار اقتصادي بسبب ارتفاع معدلات البطالة وتعداد الشباب الكبير.
على وجه الخصوص، الوضع السياسي يثير مخاوف كبيرة بسبب كبر سن الرئيس عبد العزيز بو تفليقة، وحالته الصحية السيئة. إن الوجود الضئيل للجهاديين في الجزائر يمكن أن يتلقى دفعة بسبب عدم الاستقرار في ليبيا، والتي تستطيع أن توفر معسكرات للتدريب وفرص للتجنيد، وموارد مالية من خلال استغلال بعض النشاطات غير القانونية التي انتشرت هناك. كما إن تونس قد تأثرت بشدة بسبب عدم الاستقرار الليبي، إلى جانب أن السيناريو الكابوسي لدول مثل النيجر ومصر، هو أن يتم التعاون بين الإسلاميين المتطرفين في شرق ليبيا والمسلحين المتمركزين في سيناء في مصر.
بالنسبة لأوروبا، نظريا تبدو الخطورة بعيدة، بما إنه لا توجد هجمات إرهابية في القارة لها صلة بليبيا بأي شكل كان، إلا إن ذلك، للأسف، يمكن أن يتغير مالم يتم إيجاد حل للأزمة الليبية.
خطر آخر في الأفق يأتي من تدفق المهاجرين القادمين عبر شواطئ ليبيا متجهين إلى إيطاليا، الهجرة بالأساس مسألة إنسانية، لكن يجب ألا يتم التقليل من شأن أبعادها الأمنية؛ أصبحت العصابات الليبية وشبكات الجريمة المنظمة هي المستفيد الأول من الهجرة غير الشرعية، والتي تتكلف حوالي من 225 – 325 مليون دولار سنويا. الكثير من هذه العصابات تقوم بتهريب المخدرات والكحوليات والتبغ والسلاح عبر المنطقة وأوروبا.
إذا ما وقعت هذه العمليات تحت سيطرة المنظمات الجهادية مثل داعش، أو أنصار الشريعة أو القاعدة، فإن ذلك سيكون طفرة قوية في قدراتهم المالية والعملية. هناك أيضا تهديد من اختراق الإرهابيين عبر الهجرة إلى أوروبا، وفي الوقت الذي فيه إمكانية حدوث ذلك الأمر واردة بشدة، إلا إنه لم يحدث بعد. إذا لم يتم تقليص قوة منظمات الجريمة في ليبيا، فإن الأمر قد يصل قريبا إلى إمكانية قيام هذه المنظمات باستثمار أرباحها غير المشروعة في أوروبا، ومن ثم إفساد النظام العام في هذه الدول.
يمكن للأزمة الاقتصادية الليبية أيضا أن يكون لديها تداعيات أمنية بالنسبة لجنوب حلف شمال الأطلنطي، إن ليبيا هي أكبر دولة إفريقية لديها احتياطي مؤكد من النفط، حيث تقدر هذا الاحتياطي بـ 48.4 مليار برميل؛ استخراج النفط في ليبيا قليل التكلفة، مما يعني هوامش أرباح جيدة لشركات النفط العاملة هناك. حتى عقب الثورة، احتفظت ليبيا بإنتاج 1.7 مليون برميل في اليوم، مساهمة بـ 10% من الواردات الأوروبية للنفط.
عقب أزمة 2014، انهار معدل الإنتاج المذكور، حيث وصل إلى 360 ألف برميلاً في اليوم، حيث ضُربت هجمات عشوائية ومنتشرة البنية التحتية للنفط بقوة. تحتاج أوروبا، خاصة بعد الأزمة الأوكرانية، أن تقلل من اعتمادها على موسكو في الطاقة، ويمكن لليبيا لعب دوراً مهماً لتحقيق هذا الهدف.
بخلاف أمن الطاقة، فإن الأزمة الاقتصادية التي تواجهها ليبيا واحتمال الانهيار الاقتصادي يمكن أن يتسبب في أزمة إنسانية تدفع بالملايين للبحث عن ملجأ، ليس هرباً من العنف فقط، ولكن بحثاً عن الطعام والماء، إذن فالتهديد لدول جنوب أوروبا واضح وضوح الشمس.
هناك سياسات عدة يمكن أن يطبقها حلف شمال الأطلنطي للتعامل مع هذه المخاطر، فهو يحتاج للتعاون مع المنظمات الدولية، خاصة الاتحاد الأوروبي؛ على الرغم من أن التعاون بين المنظمتين قد أثمر عن نتائج ملموسة، ظهرت في نشاط حلف شمال الأطلنطي في بحر إيجة وعملية القوات البحرية الأوروبية صوفيا في وسط البحر المتوسط، إلا إن هذه المجهودات تظل مجرد محاولات غير منسقة، لخنق الهجرة عبر البحر، ولا تعكس جهود تعاون ثابتة.
حين يتعلق الأمر بمنع الأزمة، يمكن للمنظمتين أن تضيفان وزناً بالعمل سوياً، بالتحديد في تقديم التدريب، إذ أن أعضاء الاتحاد الأوروبي يمكنهم تقديم خبراتهم في تدريب الشرطة ومنظمات المجتمع المدني، بينما يستطيع حلف شمال الأطلنطي التركيز على تدريب تقليدي للقوات العسكرية؛ لكنهما حتى الآن تبدوان انهما يفضلا العمل بشكل منفصل (وفي بعض الأحيان لا يعملان على الإطلاق).
في حالة ليبيا، فإن تعاوناً قويا ًكهذا أمر لا يمكن تجنبه كما إنه مطلوب، وعلى ذلك يجب تأسيس مشروع طويل الأمد. على حلف شمال الأطلنطي، الذي أبدى استعداده للعب هذا الدور إذا ما تم تأمين درجة من الاستقرار والأمن، أن يقود دعم إعادة بناء قوات ليبيا المسلحة، ودمج المجموعات المسلحة في قوات الدفاع والأمن في البلاد؛ هذا الدور ليس بالغريب على حلف شمال الأطلنطي، فقد لعبه من قبل في كوسوفو وأفغانستان.
من ناحية أخرى، فإنه على الاتحاد الأوروبي أخذ المبادرة لإعادة بناء وإصلاح الشرطة والمؤسسات المدنية. من الضروري العمل على فض الاشتباك في المناطق التي قد تتداخل فيها المسئوليات، كما هو الحال في مشروع ليبيا طويل المدى لإنشاء “الحرس الوطني” أو في إنشاء قوات الحدود وقوات الدرك. كل ذلك يجب أن يحدث تحت مظلة الأمم المتحدة، وعلى الرغم من أن انتشار الأمم المتحدة المباشر على الأرض ينقصه غطاء الأمم المتحدة القانوني، على شكل قرار لمجلس الأمن، وقد يكون ذلك كافيا لتمكين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلنطي من التنفيذ.
يعلم حلف شمال الأطلنطي ويفهم التحديات على جناحه الشرقي، والتي تنبع من دولة كانت هي الخصم التقليدي للتحالف. ولكن هناك غياب لمثل هذا المستوى من الفهم والتجاوب حتى الآن في الجنوب، حيث تأتي التهديدات إما من فاعلين دون الدولة، مثل داعش، أو تهديدات ليست ذات طابع عسكري مثل الهجرة. بدأ حلف شمال الأطلنطي في زرع بذور لاستراتيجية محتملة، تعتمد على بناء الاستقرار عبر الفاعلين المحليين، ومساعدتهم للتعامل مع الأزمات في مناطقهم، لكن ذلك لم يتم ترجمته بعد لسياسة كاملة. هناك حاجة لمزيد من الخطط التفصيلية والموارد؛ في حالة ليبيا، هذا يعني أن إعادة بناء الدفاع والإصلاح يجب أن يكون هدفا لتحديد التهديدات الأكثر احتمالاً للحدوث فيما يخص الأمن الليبي (خارجياً وداخلياً)، وتدريب قوات ليبيا المسلحة الجديدة للتعامل بالتحديد مع هذه التهديدات.
__________
المجلس الأطلنطي