بقلم د. محمد بالروين

الدرويش، كمصطلح عام، هو الانسان العابد، الزاهد في الدنيا واهلها لرغبته فيما عند الله خيرا وأبقى. وبمعني آخر هو المتقرب الى الله، والفقير المتقشف عن اقتناع وإيمان. ولعل من أهم الصفات التى تميزه عن غيره: البساطة، والعفوية، والتسليم، والثقة، وقلة المعرفة، وافتقار التجربة، ونكران الذات.

الدروشة السياسية

اذا كان مصطلح الدرويش في معناه العام (وخصوصا التصوفي) هو مصطلج أيجابي ومفيد في بعض الأحيان، فإن مصطلح الدروشة ذي البعد السياسي هو مصطلح سلبي وضار للدولة والمجتمع في أغلب الاوقات. وهنا يمكن القول ان الدرويش السياسي هو انسان ذو رؤية سطحية وبسيطة عن العالم السياسي، ويعتقد بعدم الحاجة للعلم والتخصص في السياسة ولا ضرورة لمعرفة المحيط الذى يعيش فيه.

وهو في العادة لا يرغب في مناقشة مواقفه السياسية ولا حتى مواقف الآخرين، ويسارع دائما بالتأييد المطلق لقياداته وأنصاره دون قيد ولا شرط، ودون تقييم او معرفة لما قدموه من برامج وأفكار، وهو علي أستعداد للذهاب الي اكثر من ذلك بإستخدام كل الوسائل المتاحه له كالشائعات والأكاديب، وتوجيه الاتهامات لكل من يخالفه وتخوينه دون حُجة ولا ذليل، حتى لو كان هذا الدليل موضوعياً ويهدف لمصلحته هو.

ومن هؤلاء الدراويش من يتصرف بمنطق أنه على صواب دائما، وان ما يعتقده هو عين الحقيقة وما عدا ذلك هو الباطل، ليس هذا فحسب بل يذهب إلى حد وصف كل مخالفيه في الرأي بالردة السياسية وبتخوين وشيطنة كل ما يقومون به.

والدروشة السياسية تتكون من عناصر عديدة أهمها: غياب المعرفة السياسية، وقلت التجربة، وانتشار الحواجز الوهمية التي صنعتها النخب السياسية، والخطب السياسية الرنانة، وحمل شعارات ووعود جوفاء.

بمعنى آخر، الدروشة السياسية تعنى قابلية الشخص الذي يتعاطى السياسة لتغييب عقله وتعطيله، وعدم مقدرته على التدبّر والتفكر وتمحيص الآراء قبل تصديقها، وهذا الامر يقوده في أغلب الاحيان لوقوعه ضحية لمن يحاول ان يستغله باسم الوطنية اوالدين او التحرر.

وهي أيضا ظاهرة لا يقتصر وجودها علي مجتمع ولا شعب ولا دين ولا ثقافة بعينها وانما توجد في كل الأيدولوجيات والثقافات جميعاً، سواء علي مستوى الجماهير أوعلي مستوى ما يُصطلح على تسميتهم بالنخبة.

فالى جانب إنتشار الدروشة في التصوف الاسلامي، علي سبيل المثال، هناك دروشة في اليسار الماركسي، فاليسار يعبر عن الدروشة في أدبياته الثورية بمصطلح نكران الذاتويعتبرها نموذج من نماذج الفناء الكلي في الهدف الأسمى والإخلاص له إلى حد تجاهل مصالح الذات بمختلف أنواعها وأصنافها تجاهلا كليا، (أنظر: صالح، الحوار، 2016).

مخاطر الدروشة السياسية

1. التوظيف:

الحقيقة المؤلمة انه ما أكثر الدراويش الذين تم توظيفهم لإنجاح أجندات سياسية ليس لهم فيها ناقة ولا جمل. فعلي سبيل المثال قامت الولايات المتحدة بعد احدات 11 سبتمبر بمحاولات حقيقية وجادة لتحويل التصوف من الدروشة في الزاويا الى اللعبة السياسية، فقد اوصت ـ مثلا ـ لجنة الكونغرس الامريكية الخاصة بالحريات الدينية بضرورة التوجه لتشجيع حركات التصوف ورعت وزارة الدفاع الامريكية مؤتمرا حول «فهم الصوفية والدور الذي ستلعبه في رسم السياسات الامريكية» وقد عقد في مركز نيكسون (2003)، ومنذ ذلك الوقت شهد العالم عشرات المؤتمرات والندوات حول التصوف، ولديّ قائمة طويلة من هذه المؤتمرات، تؤكد بأن البحث عن التصوف كبديل لمواجهة حركات الاسلام السياسي قد حسم نهائيا لمصلحة تشجيع التصوف واعتماده كحل للتطرف، (أنظر: حسين الرواشدة، 2009).

ويوصف المفكر اليساري الماركسي صاحب هذه الدروشة بــ الرفيق المغفل، وهو الرفيق الذي يعمل بكامل وعيه وإخلاصه وتفانيه، دون أن يحتاط لعمله هذا، من أن يوظف لصالح مشروع مضاد. باختصار هو الرفيق الساذج، وقد يكون فردا في الحزب، أو من خارج الحزب، ولا يهم أيا كان، بقدر ما تهم غفلته وسذاجته، (أنظر: صالح، الحوار، 2016).

اما المثال الآخر علي توظيف الدراويش سياسيا هو قيام الرئيس أنور السادات من أجل شرعنة حُكمه وتقويته، بتسريب أشاعة مفادها أن حرب أكتوبر 73 كان انتصارا صوفيا، وإن أهم أسباب أخذ الرئيس محمد أنور السادات قرار الحرب هو الشيخ الجليل عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر وأحد أقطاب الصوفية، الذي أخبر الرئيس السادات بأنه رأى رؤية تتضمن سير رسول الله بالطريق ومن خلفه جنود مصر، وهذه الرؤية دفعت الرئيس السادات لاتخاذ قرار الحرب، والذي كلل بالانتصار بفضل بشارة أحد أولياء الله الصالحين. أليس هذا أكبر دليل علي توظيف مشاعر الدراويش سياسيا من أجل مصالح شخصية.

2. التشويه:

اما الخطر الثاني لإنتشار الدراويش السياسيين هو توظيفهم من قِبل البلاعيط (الذين سيطروا علي المشهد السياسي هذه الايام) لتشويه خصومهم. كل هذا دفع بالدراويش في الوطن لإٌصطفاف وراء التكثلات والأحزاب السياسية المختلفة مما نتج عنه أستقطاب حاد بين جميع التيارات السياسية وخصوصا الأسلاميين والعلمانيينوالاخوان والسلفيينوالفدراليين والوحدويين.” فما ان تتحدث مع أي مواطن حتى يبدأ لك حديثه بتخوين وشيطنة الفريق الذى يختلف معه ويعتبره أسوا من أي عدو آخر! فهل يمكن ان نبنى وطن بهذه العقلية!

3. الخداع:

اما الخطر الثالث فيمكن تلخيصه بما ذكره الاستاذ أحمد القيسي، وهو أحد أهم رسل الماركسية، وروادها الاوائل في الساحة الارترية، وأحد أبرز مؤسسي حزب الشعب، في قوات التحرير الشعبية، إذ يقول وهو يتحدث عن نكران الذات في رفاق له أوفياء، قضوا نحبهم: (وكان أعضاؤه الحقيقيون يعني الحزب نموذجا يصعب تكراره بسهولة، نموذجا انسانيا، واخلاقيا، وتضحية، ولكن الحزب شأنه شأن تنظيم الجبهة الشعبية، شأن الشعب الارتري، كان ضحية، وخدع كما خدع الاخرون، بل الأسوأ من ذلك أن التصفية، والاغتيالات، والاعتقالات، ركزت على من تبقى من الرموز وكوادر الحزب، (أنظر: صالح، الحوار، 2016).

الخاتمة

لعله من نافلة القول ان الدروشة الصوفية هي شئ جميل من الناحية الانسانية والأخلاقية، والتى تعني العبادة والصفا والتقشف والزهد في هذه الدنيا واهلها، والرغبة فيما عند الله خير وابقى، وبمعني آخر هي التقرب الى الله والخوف منه. أما في عالم السياسة وتصارع المصالح، فالدروشة هي نوع من الغباء والسذاجة. وهنا أتفق مع الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الذي يرى بأن الدروشة السياسية أسوأ أنواع تغييب الوعى والعقل والمنطق على الإطلاقوانها تحول النظام السياسى إلى نظام قائم على الولاء بدلاً من الكفاءة، والنفاق والكذب بدلاً من المصارحة والنقد والتصويب والتقويم، (أنظر: إمام أحمـد، أخبار الوطن، 2016).

وأخيرا يمكن القول وبإختصار شديد ان ما يعيشه شعبنا الليبي هذه الايام في ساحته السياسية هو وللاسف الشديد مجرد دروشة سياسية لا تقوم علي معرفة، ولا تملك تجربة، وتفتقر لخبرة وحنكة سياسية.

المُحزن ان ما نُشاهده هذه الايام في وطنى هو إنتشار ثقافة الدروشة السياسية التى أنتجت الكثير من الدراويش الذين أصبحوا ضحية (نتيجة لبساطتهم وقلة تجربتهم وثقتهم العماء) لمجموعة من البلاعيط الذين لا هَم لهم الا مصالحهم الخاصة والآنية الضارة بالوطن والمواطن.

وكنتيجة لذلك يصبح الحديث عن الدولة المدنية وسيادة القانون والتداول السلمي علي السلطة فى ظل وجود هذه الطبقة من الدراويش هو مجرد خيال وكذب علي الذقون ووهم وتضليل للسواد الاعظم من الجماهير، وسيؤكد الأوهام ويزيد الوعود الكاذبة ويجمد العمل الحقيقي لتحلّ محلّه الأماني والأحلام. ومن جهة أخرى سوف يقود لزيادة نفوذ وسيطرة طبقة البلاعيط في الساحة السياسية.

وختاما لابد ان نعى ونُدرك الحقيقة الثابته عبر التاريخ الا وهي: ان مستقبل الامم يصنعه العلم والعمل والاصرار، لا الجهل والدروشة والبلعطة، وان العدل هو أساس المُلك.

فهل نحن فعلا نسعى لقيام دولة أساسها العدل، وسلاحها العلم، وأداتها العمل

أدعو الله ان يكون ذلك.

والله المستعان.

***

الدكتور محمد بالروين ـ عضو هيئة صياغة الدستور الليبية

المراجع:

  • حسين الرواشدة، من الدروشة في الزوايا الى اللعب بالسياسة؟!” الدستور

  • جلال الدين محمد صالح، ليس بالمواثيق وحدها تضمن حقوقكالحوار

  • إمام أحمد، دراويش السلطة: التوسل على عتبة القصر.. وطلب البركة والنفوذ تحت جناح الحاكم،

_______________

ليبيا المستقبل

مواد ذات علاقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *