بقلم خالص جلبي
المحرر: بعد جولة الجزء الأول من هذه الدراسة في الخلفية الفكرية والتاريخية للإسبتداد تلتها جولة أكثر عمقا في نماذج الإنسان الاجتماعي وعلاقته بإرادة العبودية وكيفية عمل إلية الطغيان، يتعرض المفكر خالص جلبي إلى الطبيعة البشرية للطغيان والعلاقة بينها وبين المعرفة والسلطة
الطبيعة البشرية والطغيان
لا يُوثق بالإنسان، لأنّ في جبلته الاستعداد للطغيان مع كلّ امتلاك، ما لم توجد ضوابط ومراقبة، ولا يعوّل عليه لأنه خلق هلوعاً جزوعاً منوعاً. وبقدر التعطش للسلطة بقدر الفراغ والنقص الداخلي عنده، والسلطة بدون مراقبة ومحاسبة تفسد، وقليل من السلطة تعني قليلاً من الفساد، وسلطة مطلقة تعني فساداً مطلقاً، وإنّ الإنسان لظلوم كفّار. وهذه الحقيقة اهتدى إليها (اتيين دي لابواسييه 1530 ـ 1562 م) قبل 440 سنة في علم الاجتماع والفلسفة السياسية: إنّه (لبؤس ما بعده بؤس أن يخضع المرء لسيّد واحد يستحيل الوثوق بطيبته مادام السوء في مقدوره متى أراد، فإن تعدّد السادة تعدّد البؤس بقدر ما نملك منهم). والقرآن يضرب المثل في هذا بين رجلين: (ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً)، وهذه الحقيقة موجودة في (الفيزياء) كما هي في علم (الاجتماع)، فإذا ضغط الغاز تحولت الكمية الهائلة منه إلى قطرات من سائل، وإذا سمح لجزيئات بسيطة من عطر أن تخرج من عنق زجاجة فعلت كما فعل جني المصباح فانتشرت في جنبات الغرفة جميعاً مهما كانت الصالة رحبة.
وكذلك في امتلاك مفاتيح القوة الاجتماعية، فأيّ شخص منا يجلس في داخله الفرعون (رمسيس الثاني) الذي حكم تسعين سنة وقتل من الناس ما لا يحصيه عدد، وتزوج عشرات النساء وأنجب أكثر من مائة طفل، وزوّر أسماء الفراعنة الذين سبقوه فمسح أسماءهم وكتب اسمه على النصب والتماثيل.
وما يضبطنا هو قانون انتشار الغازات نفسه، فكلما انفسح المجال أمامها انتشرت، وكذلك في وضع اليد على السلطان، ويمكن لأيّ فرّاش أو خادم في أيّة دائرة أن يتحول إلى فرعون بشرط واحد هو امتلاكه مفاتيح القوة بدون كوابح، ويمكن لأيّ مدير في أيّة دائرة أن ينقلب إلى طاغية يذيق الموظفين أشد البلاء والعنت بشرط واحد هو امتلاكه مفاتيح القوة بدون مراقبة ومحاسبة. ويمكن لأيّ شرطي أن يصبح ديكتاتوراً، وكلّ ما يحتاجه هو وضع يده على السلاح والجيش.
ولا يمنح الإنسان الاعتدال والمجتمع العدل إلا (المعارضة)، ولذلك كانت المعارضة شرطاً للاتزان. وهذا المرض أيّ تحول البشر إلى صنفين آلهة وعبيد أو بتعبير القرآن مستكبرين ومستضعفين هو اختلال في رافعة القوة في المجتمع، ويمكن أن يتسرب هذا المرض بجراثيمه الفكرية إلى كلّ طبقات المجتمع ومستوياته حتى في علاقة الرجل بعائلته فيعامل امرأته مثل عبدة وأولاده كرقيق، ولا يمكن لأحد أن يعترض عليه، فكلماته لا معقب لها، وإذا أراد بهم سوءاً فلا مردّ له، وما لهم من دونه من والٍ.
من هنا كانت المعارضة أساسية لإرساء العدل الاجتماعي، وهي تهب الصحة النفسية لكلّ الأطراف، وهي ضرورية للأمّة، وتصبّ في مصلحة الحاكم وتحافظ على كلّ الأطراف، ولم يكن غريباً أن أفرد القرآن سورة كاملة باسم (المؤمن).
إنها رواية عن رجل رفض السكوت على الجريمة، وكان في الظلّ يكتم إيمانه في أجواء مشبعة بالرعب ورجال الأمن والجواسيس، فشعر أنّ الأمان ليس في الصمت بل بالجهر والإعلان في اللحظة المناسبة، فقال أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ في هذه الرواية يبرز معنى الحكمة فليست أن يتسربل صاحبها بقميص (السرية) ليقوم بانقلاب ناجح يطيح بالحاكم في ساعة الصفر. بل النطق بالكلمة المسؤولة والصحيحة في الوقت المناسب ولو كانت مكلفة، وهي ستخرج في النهاية بضريبة أخفّ بكثير من الخرس الاجتماعي، والقرآن يسجل أنّ الله وقاه من سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب. وخُسف بالمجتمع الفرعوني في ظلمات التاريخ.
إنّ العدل مفهوم وجودي لأنه التوازن بين أطراف القوة، وهذا ينطبق على قوانين الميكانيك وتيارات النفس وحركة المجتمع. فالسيارة التي لا تملك فرامل تمشي باتجاه الحوادث، والنفس التي لا تنمي ملكة النقد الذاتي تصاب بالكبر، ولن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. والمجتمع الذي لا يوجد فيه معارضة ميت. وهو أقرب إلى عالم القبور حيث الأمن والسكون بدون أيّة حركة، وهل رأينا الأموات يقومون من قبورهم ليمارسوا نشاطاً سياسياً؟ إنهم أموات غير أحياء وما يشعرون أيّان يبعثون؟ تستقيم حركة السيارة بين (دعسة البنزين) و(الفرامل)، وتعمل العضوية على ترشيد أيّة حركة من أيّ إصبع بتمرير أوامر الحركة بمنظمات خاصة في قاعدة الدماغ، وتعطلها أو عجزها يقود إلى مرض باركنسون، فيمشي الإنسان مكبّاً على وجهه مترنحاً مهتز الأوصال.
وتعيش الروح بصحة نفسية مع ممارسة النقد الذاتي، وتنضج النفس بدخول مرحلة (النفس اللوّامة) بتشغيل آليات المراجعة، بحيث تتحول إلى جهاز يعمل تلقائياً من عالم الوعي واللاوعي أكثر من صحوات غير منتظمة للضمير.
وقد انتبه الغرب إلى مؤسسات المعارضة فاعتبرها قطعة أساسية من جهاز الحكم، فالحزب الذي يصل إلى الحكم يفرمل بحزب المعارضة، فيراقبه ويعارضه إذا أخطأ، ويعصيه في المعصية ويطيعه في الطاعة، ويكشف أخطاءه، فلا تأخذه في الله لومة لائم.
أمّا عندنا في العالم العربي فقد انقلبت النسب وانعكست الصورة، كمن يبني طرقات سريعة باتجاه واحد، وسيارات بدون فرامل، وعقلاً بدون نقد، ونقلاً بدون عقل. لا غرابة أن رسا مصيرنا في أسفل سافلين في استعصاء خبيث للثقافة ومواصلة في خط الانحدار في رحلة موجعة نحو القاع.
إنّ المفكر (أحمد أمين) انتبه مبكراً إلى هذه الظاهرة القاتلة في مسيرة الحضارة الإسلامية. عندما انفرد بالساحة الفكر الوثوقي الدغمائي النصوصي ممّا يذكر بظاهرة الكتبة والفريسيين التي واجهت المسيح عليه السلام في المجتمع اليهودي، وتمنى بقاء الخطين معاً يعدل كلّ منهما الآخر، وألا ينفرد بالساحة حزب المحافظين على الحزب التحرري العقلاني، والمسلمون يظنون أنهم استثناء للقانون، والله يقول فلمَ يعذبكم بذنوبكم؟ ولذا فإنهم لايستفيدون من كنوز القرآن، لأنهم يشعرون أنّ الحديث عن الآباء هو آباء قريش وليس آباءهم.
عندها استقر الأمر للعقل الكسيح وطحن التيار العقلاني من المعتزلة وسواهم، بحيث أنّ التشكيك بعقيدة أيّ إنسان حتى اليوم يكفيها أن تنتسب لهذا الخط الفكري.
وهكذا فالمعتزلة والاتجاه العقلاني في خانات التفكير تمّت هرطقتهم وتحطيمهم وإفناء كلّ تراثهم العقلي من نوعية العقل الجبار (النظّام)، وبقي في الساحة عقل بدون مراجعة، ونقل بدون عقل، وسيارات تمشي بدون فرامل، وهذا هو الأساس للاستبداد السياسي. لأنها نسخة من الاستبداد الفكري، ولأنها الوجه الثاني لعملة عدم التفكير، وتوقف المراجعة وممارسة النقد الذاتي وكسر قيود التقليد والانعتاق من أفكار الآباء، ومحاولة التحرر إلى فضاء التفكير الرحب والإبداع بدون خوف ومساءلة.
إنّ الغرب بنى سيارات تمشي بتوازن بين طاقة البنزين وعزم الكوابح، وقبل ذلك أنتج عقلاً يطرح الأسئلة بدون خوف، يغرم بالمعرفة وارتياد المجهول وكسر المسلّمات، وأقام مؤسسات سياسية لاعوج فيها ولا أمتاً، في توازن بين محافظين وعمال، بعد أن حطّم سلطان الجبت والطاغوت الممثلة في الكنيسة والإقطاع، وبذلك وُلد مجتمعٌ أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، محرّر إلى حد كبير من علاقات الاستضعاف والاستكبار.
أمّا نحن في العالم العربي فقد كتب علينا أن نعيش في قرية يلبس أهلها لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. الإنسان العربي خائف من المستقبل، يرجف من أجهزة المخابرات، لا يأمن السلطة. وإذا أوقفه الشرطي يسأله عن رخصة السير خفق قلبه وعلت وجهه صفرة. كلّ هذا بسبب خلل رافعة القوة في المجتمع وتحوله إلى مستكبرين ومستضعفين.
وكلّ هذا الاستبداد السياسي خلفه الاستبداد العقلي، ولا حرية سياسية بدون حرية عقلية وبدون حدود. أمّا نحن فنريد عقلاً محدداً بالمسطرة من عيار النانوغرام، يمشي بأجزاء من الملمتر في مقاسات مجهرية، محدد الأبعاد الفراغية، فهناك سقف للتفكير، وأمام القفز حواجز لا نهاية لها تمنع أي حصان رشيق.
فهذه هي أمّ المصائب، ويبقى السؤال هل إلى خروج من سبيل؟ كيف نكسر أغلال العقل ونحرره من الأصفاد؟
تروي القصة أّنّ رجلاً طلب من النجار أن يصنع له باباً، ثم جاءه في يوم والنجار غائب، فحمل الباب وانطلق به، ولمّا عاد النجار لم يجد الباب فركض خلف الرجل فوجده يمشي به خارج البلدة. فما كان منه إلا أن بدأ يقرع الباب قائلاً افتح الباب أقول لك افتح، والسارق يحكم إغلاق الباب، وكلّ الفلاة مفتوحة بينهما.
المعرفة والسلطة
لايمكن لأمّة أن تُستعبد لولا استعدادها على نحو خفي للعبودية
يطرح (اتيين دي لابواسييه) في مقالته عن (العبودية المختارة) هذا السؤال المحير: (شيء واحد لا أدري كيف تركت الطبيعة الناس بلا قوة على الرغبة فيه وهو (الحرية) التي هي الخير الأعظم وضياعها تتبعه النكبات تترى وما يبقى بعده تفسده العبودية وتفقده رونقه).
لماذا تسقط الأمم في قبضة الديكتاتورية؟ وكيف تصاب مجتمعات شتى بهذا المرض الخبيث في التاريخ بحيث يشترك في توصيفه كلٌّ من (الكواكبي) و(لابواسييه) بأقبح النعوت، أمّا الكواكبي فيصف الاستبداد في كتابه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) أنه لو كان رجلاً وأراد التعريف بنفسه لقال: (أنا الشر وأبي الظلم وأمي الإساءة وأخي الغدر وأختي المسكنة وعمي الضرر وخالي الذل وابني الفقر وابنتي البطالة ووطني الخراب وعشيرتي الجهالة).
وأمّا (لابواسييه) فيصف الديكتاتورية: (ما هذا يا ربّي؟ كيف نسمّي ذلك؟ أيّ رذيلة تعيسة أن نرى عدداً لا حصر لهم من الناس يحتملون السلب والنهب وضروب القسوة لا من عسكر أجنبي بل من واحد لا هو بهرقل ولا شمشون. إنّ لكل رذيلة حداً تأبى طبيعتها تجاوزه. فأيّ مسخ من مسوخ الرذيلة هذه لا يستحق حتى اسم الجبن ولا يجد كلمة تكفي قبحه، والذي تنكر الطبيعة صنعه، وتأبى اللغة تسميته؟).
نحن نعرف من علم البيولوجيا أنّ الكائنات تمرض كما تنهار الدول وتنقرض الحضارات فلا تسمع لهم ركزاً. ولكن ما هو المرض تحديداً؟ وكيف يحدث؟ هل هو بسبب هجوم عنصر خارجي أم هو تعبير عن انهيار داخلي؟ هل هو أمر طبيعي أن تخسر الشعوب حريتها؟
يقول السياسيون إنّ الطغيان يحصل بـ(تسلط الفرد) على الأمّة بسلاح الخوف، ولا يفسرون لنا كيف يمكن لبشر فرد أن ينجح في بناء آلة رعب بحجم ديناصور لاحم.
ويرى المثقفون أنّ (القوة) هي التي تقرر مصير الأمّة، فلا يمكن (لعين أن تقاوم مخرزاً) ولا لعصفور أن يواجه مسدساً، كما جاء في شعر نزار قباني ـ رحمه الله ـ، ولكنّ القرآن يعكس هذا المفهوم فيلوم الضحية وليس الجلاد، وينفرد بمصطلح (ظلم النفس) فما يقع للناس هو بما (كسبت أيديهم) وما ربك بظلام للعبيد، ويلوم (المثقف) الذي يجب أن (يبيّن) الأفكار للناس ولا يقعد في جيب الحاكم، ويعتبر أنّ (الأفكار) هي التي تغير المجتمع وليس تغيير الحكام، لأنّ الطغيان سوف يستبدل بطغيان أشد، وعندما خسرنا الحياة الراشدة وحكمنا السيف تغيرت سيوف كثيرة على رقابنا، ولكن الحياة الراشدة لم تعد قط. ولا يفرِّخ مجتمع طاغية إلا بالاستعداد الخفي، ولا تخرج الدمامل إلا في جسم منهك بمرض السكّر أو الإيدز.
وبالمقابل فإنّ تغيير الواقع يتمّ بتغيير رصيد ما بالنفوس، وإنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، والأمراض الاجتماعية في النهاية تحملها (وحدات) من الأفكار كما حملت الأمراض (الوحدات) الإمراضية من جرثوم وفيروس. ولا يمكن لطفل أن يقود جملاً لولا أنّ الطفل يحمل من الوعي ما يفقده الجمل، ولا يمكن لأمّة أن تُستعبد لولا استعدادها على نحو خفي للعبودية، ولا يمكن لدكتاتور أن يقعد على رقبة شعب واع. ولا تحط النسور إلا على الجثث. فهذا مفتاح جوهري في فهم المشاكل، ويترتب عليه أمر هام، وهو تحديد منطقة الحفر في طبقات آركيولوجيا المعرفة على حد تعبير (فوكو) الفيلسوف الفرنسي.
الغصن يتهاوى إلى الأرض في فصل الخريف بتفسخ الارتباط مع الشجرة الأم، وينفجر المرض بانهيار الجهاز المناعي، وتمرض النفس بعبادة الذات الفانية، وتتداعى الدول بالتفكك الداخلي، ولم يظهر الخرّاج الصهيوني لولا المرض العربي، وتتلاشى الحضارات من صفحة التاريخ بالانتحار الداخلي، كما ذهب إلى ذلك حجّة التاريخ (توينبي) في كتابه (دراسة التاريخ).
لقد تحدّث (لابواسييه) في رسالته القيّمة عن كيفية السقوط في وهدة العبودية، فأشار إلى أربع أفكار رئيسة: (سلطان العادة) وكيف أنها تتحكم في السلوك على ثلاث مراحل، وكيفية (تغير محتويات النفس) مع الوقت وانقلاب الأوضاع لتصل إلى درجة من البؤس لا يصدقها أكثر المتشائمين؛ فالحصان البرّي يجمح براكبه، والمروّض يتباهى بسرجه ويفلسف بؤس العبودية. وأنّ (أصناف الطغاة) ثلاثة، وأخيراً أنّ المجتمعات تنساق إلى العبودية بثلاث طرق: فأمّا الطغاة فهم على أنواع، فمنهم من يمتلك الشعب عن طريق (الانتخاب المزوّر) والبعض الآخر بـ (قوة السلاح)، والبعض الثالث بـ (الوراثة المحصورة في سلالتهم)، وعندما يريد المقارنة بينهم يرى بعض (الاختلاف)، ولكنه لا يرى (اختياراً) بينهم، بسبب طرق الوصول إلى الحكم وأسلوبه: (فمن انتخبهم الشعب بالتزوير يعاملونه كأنه ثور يجب تذليله، والغزاة كأنه فريستهم، والوارثون كأنه قطيع من العبيد امتلكوه امتلاكاً طبيعياً).
أمّا الوقوع في قبضة العبودية فهي بدورها ذات ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب (فهو يقيناً لاينساق إلى العبودية إلا عن أحد سبيلين إمّا مكرهاً أو مخدوعاً)، (مكرهاً) بسلاح أجنبي أو (طائفة) من مجتمعه، وأمّا (الخديعة) فكما حصل مع أهل صقلية عندما استبدلوا الرمضاء بالنار فرفعوا (ديونيسيوس) إلى سدة الحكم لإنقاذ البلد فتسمّى: (باسم القائد ثم الملك ثم الملك المطلق)، ثم ليأخذ اسم الطاغية في التاريخ . وأمّا (تغير السلوك التدريجي) فمن نشأ في الاستعباد يشبه من اعتاد شرب السموم فلا يؤثر فيه لدغ الثعابين، أو يشبه أهل المناطق الاسكندنافية العليا فمن ولد في الظلام لأشهر طويلة يُفاجأ بسطوع ضوء الشمس، ويظن كما يحصل لحيوان (الخلد) أنّ الظلام هو أصل الأشياء، أو كما اعتادت الشعوب العربية على (الأحكام العرفية)، فهي لا تعرف ما هي (الحالة الدستورية)، وكلّ هامش خلاص ينفحه الحاكم بما في ذلك منحة (الديموقراطية) تأخذها الشعوب على أنّها هبة تتصدّق بها يد عليا.
وكما يقول (مكيافيللي) في كتابه (الأمير) إنّ على الحاكم أن يعطيهم (الرحمة) بالقطّارة، أمّا (العذاب) فيجب أن يصب من فوق رؤسهم كالحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد، بمعنى أنّ الناس متى سقطت في فخ العبودية صعب عليها جداً الخلاص من شركه. قد يعرف الجيل الأول مرارته أمّا من ولد فيه فالأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون، اعتادوا عليه، يعتبرون أنّ نظام الحياة يمشي هكذا، كما في بطء ضربات القلب عند السلاحف أو برودة الماء عند السمك. كذلك ترى المجتمعات أنّ (الطغيان) هو من طبيعة الأشياء.
يقول (لابواسييه): (لنقل إذن إنّ ما درج الإنسان عليه وتعوّده يجري عنده بمثابة الشيء الطبيعي، ومنه كانت (العادة) أول أسباب العبودية، كشأن الجياد الشوامس تعضّ الرسن بالنواجذ في البدء ثم تلهو به أخيراً، وبعد أن كانت لا تكاد تستقر تحت السرج إذا هي الآن تتحلى برحالها وتركبها الخيلاء وهي تتبختر في دروزها، تقول إنها كانت منذ البدء ملكاً لمالكها، وإنّ آباءها عاشت كذلك، وتظن أنها ملزمة باحتمال الجور، وتضرب الأمثلة لتقتنع بهذا الالتزام، وبمرور الزمن تدعم هي نفسها امتلاك طغاتها إياها). وهنا نفهم معنى الهجرة في الإسلام، ونفهم المغزى العميق من قصة أصحاب الكهف الذين هربوا إلى كهف بارد، وضنوا بكلبهم أن يبقى في مجتمع تبخرت منه الضمانات. والمجتمعات الوثنية لا تحمل أيّة ضمانة لأيّ إنسان أو حيوان أو شيء في أيّ زمان أو مكان، أو قصة موسى وهو يعبر ببني إسرائيل البحر فانفلق فكان كلّ فرق كالطود العظيم.
إنها نفض اليد من وسط محنط ميت وإعلان ولادة مجتمع جديد. إنّ إبراهيم كان مشروع أمّة، كذلك الحال في فتية الكهف، أو عبور بني اسرائيل إلى سيناء كي تكون مدفناً جماعياً لهم لجيل كامل خلال أربعين سنة يتيهون في الأرض؛ فيخرج من أصلابهم جيل جديد لا يعرف إلا الصحراء والحرية. إنّ بني اسرائيل الذين خرجوا من أرض فرعون لا يصلحون لحمل رسالة موسى، بل لا بدّ من جيل جديد لا يعرف الطغيان، ولا يستطيع العيش في ظروف الدكتاتورية. أمراض المجتمع العربي الإسلامي هي (عشرة كاملة) يأتي في رأس القائمة (تقديس الآباء)، أو ما كرّره القرآن بتعبير إنّا وجدنا آباءنا على أمّة وإنا على آثارهم مهتدون، بالإضافة إلى (2) تأليه القوة، (3) واحتقار العلم، و(4) تبرئة الذات واتهام الآخرين، و(5) إجازة الغدر، و(6) الظنّ أنّ النص يغني عن الواقع أو مرض انفكاك النظرية عن الممارسة والتاريخ، و(7) الاهتمام بفضائل الجهاد بدون معرفة بشروطه، وهو الخرّاج الذي فجّر كلّ مشاكل العنف في المجتمع العربي، و(8) رفض المسلمين للديموقراطية مع أنها أقرب إلى الرشد من كلّ ما عليه واقع المسلمين السياسي اليوم، و(9) وتمكن العقل الخوارقي الأسطوري في حياتنا وانحسار العقل العلمي، و(10) الظنّ أنّ الأحكام لا تتغير بتغير الأزمان، أي كأنّ العدل لا يمكن أن ينمو أكثر فأكثر. ويتعلق المرض الأول أي (سلطان العادة) بهذه الحزمة من الأمراض كسبب أساسي في رسوخ شجرة الطغيان.
ويختصر (لابواسييه) الخلاص من الطغيان بوصفة بسيطة واضحة، ليس بقتله بل بعدم طاعته: (اعقدوا العزم ألا تخدموا لتصبحوا أحراراً، فما أسألكم مصادمته بل محض الامتناع عن مساندته، فترونه كتمثال هائل سحبت قاعدته فهوى على الأرض بقوة وزنه وحدها وانكسر). ويتكلم القرآن بالمنطق نفسه عن جدلية الطغيان بتعبير الكلمة الطيبة والخبيثة؛ فيشبه الاثنتين بشجرتين، وعلى ما يبدو فإنّ هذا يصلح تفسيراً لماذا تكبر شجرة الديكتاتورية فيصل سعفها الى أعلى من شجرة نخلة باسقة طلعها كأنه رؤوس الشياطين، ولكنه نمو يحمل إمكانية سقوطها تحت ثقلها الخاص، فهي في النهاية تجتث من فوق الأرض ما لها من قرار، وبكلّ أسف فإنّ هذه الوصفة النبوية لم يستفد منها أحد، لا الإسلاميون ولاغيرهم، بل تبنّى الجميع مذهب الخوارج في قتل الحاكم بالسيف، أو مذهب الثورة الفرنسية في فصل رأس المستبد على مقصلة. تقول الرواية إنّ الطبع يغلب التطبع، ولكنّ مشرِّع إسبرطة (ليكورج) أثبت عكس هذا بالتجربة، حيث عمد إلى تربية كلبين خرجا من بطن واحدة جعل الأول يسمن في المطابخ والثاني يجري في الحقول، حتى إذا كبرا بما فيه الكفاية جاء بهما إلى السوق ثم وضع أمامهما وعاء من الحساء بجانب أرنب وأطلق الكلبين فإذا أحدهما يلعق الوعاء كسولاً رخواً وأمّا الثاني فيضرب في البراري يلاحق الأرنب المذعور. قال ليكورج يعلق على المنظر المثير: ومع هذا فهما أخوان. إنّ التربية قد تهبط بالإنسان إلى أسفل سافلين، فتمسخ الإنسان إلى شكل القردة والخنازير، أو قد ترتفع به إلى أعلى عليّيين، فتسجد له الملائكة أجمعون. وإنّ رصيد السلطة هو من الجهل أو المعرفة، ولم يكن للشيطان سلطان على الناس إلا من اتبعه من الغاوين
***
خالص جلبي – كاتب ومفكر سوري، يحمل إجازة دكتور في الطب البشري والدراسات العليا (جراحة عامة) جامعة دمشق. نال إجازة بكالوريوس في الشريعة الإسلامية ـ جامعة دمشق. يؤلف ويكتب في مجال تنوير وتحرير العقل الإسلامي ونبذ العنف. صدر له العديد من الكتب منها (النقد الذاتي) (بناء ثقافة السلم). (الإيدز طاعون العصر) (عندما بزغت الشمس مرتين))مخطط الانحدار وإعادة البناء) (سيكولوجية العنف واستراتيجية العمل السلمي).
***
هذا الجزء الثاني من مقال نشر في مجلة يتفكرون، العدد الثامن، 2016، إصدارات مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.
______________
بوابة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث