عبدالله الكبير

تؤكد كل الدراسات العلمية قدرة الإنسان على التحكم في ذاكرته، فيطمس الذكريات السيئة بالتجاهل والنسيان، ويعزز من حضور الذكريات السعيدة بالتذكر والاستحضار، ويميل الدماغ إلى تفضيل الذكريات الإيجابية، ويعززها خلال النوم.
آليات التعزيز والإخفاء تكرس الذاكرة الانتقائية. كما تلعب حواس الإنسان دورا مهما في حجم المساحة التي يشغلها الحدث أو الموقف في الذاكرة، فبحاسة السمع يستعيد المرء ذكريات ارتبطت بأغنية معينة، ورائحة الطعام تستدعي للذاكرة ولائم ووجبات شهية في مناسبات قديمة.
عمليات التعزيز والطمس تؤدي مع الزمن إلى احتفاظ الإنسان بكل الذكريات الجميلة، ونسيان الذكريات المؤلمة، لذلك يحتاج الناس إلى تذكيرهم بمناسبات تستحق الإحياء، رغم ما تثيره من حزن، لارتباطها بموقف وطني وقعت فيه تضحية أو ظلم أو كارثة، بينما لا يحتاجون تذكيرهم بموعد الأحداث السعيدة لأنهم ينتظرونها ويستعدون للاحتفال بها.
بهذه الذاكرة الانتقائية يتذكر أنصار النظام السابق، والمتعاطفون معه، ومعهم قطاعات واسعة غاضبة ومستأة ومحبطة من الأوضاع التي أعقبت ثورة فبراير، السعر المخفض للخبز الأبيض في العهد السابق، ويلقون في كل جدال عن الماضي والحاضر، بورقة العشر فردات بربع دينار، باعتبارها ورقة رابحة قادرة على حسم الجدل لمصلحتهم، إذ عجزت فبراير عن الاستمرار في تقديم الخبز بهذا السعر، بل تضاعف سعره حتى أصبح الدينار بالكاد يشتري أربع فردات، وفي الوقت نفسه لا يتذكرون التالي:
-
حرب تشاد العبثية.
-
تحويل المدارس إلى ثكنات عسكرية.
-
تحطيم القطاع الخاص الوطني وتأميم الصناعات الخاصة.
-
تحويل القطاعات المؤهلة للعمل والإنتاج إلى موظفين يتقاضون مرتبات هزيلة من الدولة، من دون إنتاج حقيقي يدعم الاقتصاد الوطني.
-
حفلات الإعدام الوحشية في الجامعات والملاعب الرياضية، ونقلها مباشرة على التلفزيون في ساعة الإفطار بشهر رمضان.
-
مصادرة الأملاك الخاصة.
-
إهدار المليارات على تكديس السلاح
-
وإهمال البنية التحتية.
-
وغيرها من الكوارث والجرائم.
ولكن، بما أن باب المقارنة قد فتح، فلنفتحه على مصراعيه لنقارن الأسعار بين زمن العشرة بربع مع الزمن الأسبق، زمن المملكة قبل أن ترتفع أسعار النفط لتتضاعف العائدات في منتصف السبعينيات من القرن الماضي.
-
كان سعر أربع فردات بخمس قروش،
-
وسعر كيلو لحم الخروف المحلي ب 18 قرش،
-
وسعر كيلو الموز بربع دينار،
-
والنعجة بدينار ونصف،
ونظرا لحالة الفقر العام قدمت الحكومة التمر والحليب بالمجان لأطفال المدارس، ووضعت الخطط الثلاثية والخماسية للبنية التحتية والوحدات السكنية، ومايزال الكثير منها قائم حتى اليوم في بعض المدن.
ثمانية عشر عاما هي عمر النظام الملكي وضعت فيها قواعد الدولة ومؤسساتها لتنطلق في رحلة النمو والازدهار، قطعها الإنقلاب العسكري البغيض في سبتمبر 1969.
نظام سياسي استمر أكثر من أربعين سنة، وتوفرت له ثروة طائلة من عائدات النفط، يختزل في “انجاز” وحيد هو دعم سعر الخبز الأبيض.
الخبز وجبة رئيسية في سلة الطعام الليبي، والاحتفاء به، وتخزين الشعير مكونه الرئيسي عادة تكونت عبر القرون، بسبب المجاعات الدورية، فتراكمت خبرة التخزين تحسبا واستعدادا للمجاعة التالية. فالشعير والتمر والخبز حاليا ضمانة عدم الجوع.
كل الشعوب التي تعرضت للمجاعات لجأت إلى تخزين الحبوب، الشعير في ليبيا، القمح في البلدان المنتجة له، الأرز في آسيا، الذرة في أمريكا اللاتينية.
إذا ناقشنا موضوع دعم الخبز الأبيض علميا سنجد أن النظام كرس عادة غذائية غير حميدة، فالخبز الأبيض به مستويات عالية من الكربوهيدرات المعالجة وغير المفيدة، ويفتقر للبروتين والألياف والمعادن والفيتامينات، لأنه يصنع من حبوب غير كاملة، تمت معالجتها بشكل افقدها عناصر غذائية مهمة، ويسبب مشاكل في الهضم، ويزيد من نسبة دهون البطن، ويرفع مستويات السكر في الدم، ويضاعف الشعور بالجوع خلال اليوم، والإفراط فيه يسبب السمنة، ومن ثم لا يصح مطلقا اعتباره انجازا خارقا.
ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
كان بوسع النظام السابق أن يصنع المعجزات بالإمكانيات والظروف التي توفرت له، لكنه فضل تبديد هذه الإمكانيات في مطاردة أوهام الزعامة والعظمة، وتخلى عن مسؤولياته تجاه الشعب والدولة، وها نحن نحصد في تيه هذه السنوات تركته الكارثية.
______________
