عبد الرفيع زعنون

حدود وقيود الوصول إلى المعلومات العمومية بين النصوص والممارسات
تكشف التصنيفات الدولية ذات الصلة بقياس حريات التعبير والولوج إلى شبكة الإنترنت وأنظمة المعلومات أن الدول العربية موضوع الدراسة سجلت مراتب متدنية في مؤشرات النفاذ للمعلومة، إذ تشير المعطيات الأخيرة لتقييم منظمة المادة 19 حول التدفق الحر للمعلومات إلى تصنيفها ضمن دائرة البلدان المقيِّدة للوصول إلى المعلومات، مع عدم تواجد أي دولة عربية ضمن دائرة الولوج المفتوح.
باستثناء الكويت تراجع ترتيب الدول موضوع الدراسة بين أعوام 2019 و2024، إذ لم تسعف التدابير المتخذة في إخراج المنطقة العربية من دائرة تقييد حريات التعبير والإعلام والوصول إلى المعلومات. كما يشير تصنيف منظمة المادة 19 إلى تسجيل بعض التفاوت في درجة تقييد الدول العربية لهذه الحريات، والتي تتراوح بين التقييد المخفَّف مثل لبنان وتونس، والتقييد كالمغرب والأردن والكويت والعراق وليبيا وفلسطين، والتقييد المفرط بالنسبة لبقية الدول العربية.
ومن خلال المقارنة بين تطور مؤشرات هذا التصنيف، يبدو أن جميع الدول العربية ظلت تراوح دائرة التقييد طيلة الفترة الفاصلة بين أعوام 2010 و2025 باستثناء تونس التي خرجت من حالة الأزمة ابتداء من عام 2011.
يَرجع هذا الوضع إلى استمرار قيود تشريعية وإدارية لا حصر لها تواجه طالبي المعلومات. ففي المغرب، لا يزال التجاوب مع الطلبات دون المستوى المطلوب، إذ غالبًا ما يتم الرد عليها خارج الآجال المحددة، مع ضعف جودة الأجوبة إما بسبب تقديم بيانات نمطية و«روبوتية» لا تلبي حاجة طالبيها، أو إيراد معطيات خامة وغير قابلة للاستثمار.
ورغم الضمانات المهمة التي جاء بها التشريع التونسي؛ فإن الممارسة لا تزال محدودة في ظل ضعف تفاعل الهياكل الإدارية مع الطلبات، فضلًا عن تأخر بت هيئة النفاذ للمعلومة في الطعون المقدمة لها على نحو يفقدها قيمتها، خاصة بالنسبة للصحفيين الذين من المفترض كونهم جسرًا لتعزيز ولوج الجمهور إلى البيانات العمومية.
وتبرز هنا مفارقة بشأن محدودية ولوج الإعلاميين إلى المعلومة مقارنةً بالدول التي تسجل مراتب متقدمة بتصنيفات حرية المعلومات كإسبانيا؛ التي يتقدم الصحفيون فيها بقرابة 75% من الطلبات.
وفي الكويت، أفرز المسح الذي نفذه فرع منظمة الشفافية الدولية، لقياس مدى تجاوب الجهات الحكومية مع متطلبات الإفصاح عن المعلومات، عن كون الالتزام الحكومي بحق الاطلاع لا يتجاوز 10%.
وفي الأردن لا يزال الجهاز الإداري أكثر تشبثًا بثقافة الحجب، إذ لم تستجب سوى 30% من الإدارات العمومية لتعميم رئيس مجلس الوزراء بشأن تزويد المجلس بإحصاءات حول طلبات الحصول على المعلومات المقدمة لها.
كما يعاني النشر التفاعلي بالأردن من الوضع نفسه، إذ أبرزت دراسة استطلاعية أن قرابة نصف المؤسسات الرسمية تتجاهل الرد على طلبات الحصول على المعلومات، ناهيك عن كون الطلبات الناجحة تظل قليلة للغاية، فأغلب الإجابات عبارة عن إحالات على روابط لمواقع ودراسات متاحة للجميع، مع افتقارها إلى الدقة والجِدَّة المطلوبتين لتلبية حاجة طالب المعلومة.
ونشير أيضا لعدم احترام الآجال الزمنية لمعالجة الطلبات، إذ تراجع متوسط مدة الإجابة من اثنين وستين يومًا في عام 2020 إلى ثمانية وستين يومًا في عام ،2023 وهو ما يتعارض مع المدة القانونية المحددة بعشرين يوما، وغيرها من المؤشرات التي تكشف عن البون الشاسع بين التشريعات والممارسات في تفعيل سياسة الإفصاح عن المعلومات بالأردن أمام وطأة المساطر الإجرائية.
في السياق نفسه، تُثار معضلة تجاوب الدوائر الرسمية مع الشكاوى والطعون الخاصة بنظام الوصول إلى المعلومات، ففي الأردن، يظل دور مجلس المعلومات محدودًا في متابعة الشكاوى المقدمة من طالبي الحصول على المعلومات بسبب هيمنة السلطة التنفيذية على تركيبته التنظيمية، الأمر الذي حدَّ من أي إسهام فعلي للمجلس في التعامل الفعال مع الطعون الواردة من المنتفعين في مواجهة الإدارات الحاجبة للمعلومات.
وفي المغرب، أظهرت تجربة فريق جمعية «سمسم–مشاركة مواطنة» لاختبار مدى تجاوب الهيئات العامة مع طعون طالبي المعلومات أن معظم الإدارات والمؤسسات العامة تهمل الشكاوى الخاصة بالطعن في قرارات عدم تسليم المعلومات المطلوبة.
بينما الوضع في الكويت أكثر صعوبة في ظل تمتع الهيئات الرسمية المخاطبة بتفعيل حق الاطلاع بسلطة تقديرية واسعة في رفض الطلبات، فضلًا عن غياب هيئة رقابية ومستقلة تنصف طالبي المعلومات في مواجهة إحجام وتعنت الهياكل الإدارية.
ويثير هذا الأمر مدى هشاشة الإطار المؤسساتي لإنفاذ الحق في النفاذ إلى المعلومة؛ فجل هيئات الإشراف والمراقبة غير مستقلة، باستثناء تونس التي قدمت تجربة نموذجية في حكامة تدبير الولوج إلى المعلومات بتأسيس هيئة مستقلة منتخبة من جانب البرلمان، إلا أن انحسار المد الديمقراطي سرعان ما أضعف استقلاليتها.
وفي الأردن، أثرت محدودية الاستقلال الإداري لمجلس المعلومات، وتبعيته العملية لوزارة الثقافة، على فعالية دوره في دعم تنفيذ قانون الوصول إلى المعلومات وفي دفع الهيئات العامة إلى الالتزام بأحكامه.
ورغم أن القانون المغربي قد نص على استقلالية لجنة الحصول على المعلومات؛ إلا أنها تظل لجنة «حكومية» في آخر المطاف في مواجهة ضعف الملاءمة مع القانون الدولي الذي يشترط الاستقلال الإداري لهيئات مراقبة حقوق الإنسان، كما أن أغلبية أعضاء اللجنة يتم تعيينهم من جانب رئيس الحكومة بما في ذلك الممثل الوحيد للمجتمع المدني.
ونتيجة لذلك، تم تقييد أدوار الوساطة والمراقبة التي تمارسها اللجنة في ظل عدم تمتيعها بصلاحيات التحقيق وفرض العقوبات على الإدارات المتخاذلة في النشر التلقائي للمعلومات الاستباقية أو غير المتجاوبة مع طالبي المعلومات.
ومن مؤشرات ذلك، عدم إصدار اللجنة –منذ إنشائها في مارس 2019– لأي تقرير سنوي يبرز الأنشطة التي تمارسها في سبيل تمكين الحق في الحصول على الـمعلومات حسبما نصت المادة 22 من القانون 31.13.
الوضع نفسه بالأردن؛ إذ لم يصدر مجلس المعلومات أي تقارير دورية لفحص مدى استجابة المؤسسات الحكومية لتقييم المعلومات وإبراز الجهود التي يبذلها المجلس للترويج للقانون.
بينما درجت لجنة النفاذ إلى المعلومة في تونس على نشر تقارير سنوية وشهرية بموقعها الإلكتروني، إلا أن هذه التقارير لا تتضمن التدابير التي تبذلها الهيئة لتنفيذ العقوبات في حق الأجهزة التي تعرقل الوصول إلى المعلومات؛ بالرغم من امتلاكها صلاحيات شبه قضائية.
إلى جانب الإشكالات الإدارية، ثمة عوامل هيكلية تفسر الحصيلة المتواضعة لأنظمة الوصول إلى المعلومات، لعل أبرزها سياقات النشأة التي ارتبطت بالتماهي مع شروط الانخراط في بعض الشراكات الدولية.
إذ جاء إقرار قانون الوصول إلى المعلومات بالمغرب في سياق تجميع النقط المطلوبة لبلوغ عتبة الانضمام لمبادرة الحكومة المفتوحة، ويفسر هذا قبول المغرب بشراكة الحكومة المفتوحة في أبريل من عام 2018 بعد أقل من شهر على إصدار القانون رقم 31.13.
الأمر نفسه تقريبًا ينسحب على تونس؛ إذ شكّل هاجس انفتاح البيانات الحكومية شرطًا أساسيًا لاستمرار عضوية تونس في مبادرة الحكومة المفتوحة، ولتطوير فرص الشراكة مع المؤسسات المالية الدولية التي أصبحت تشترط الإفصاح المتقدم عن المعطيات الأساسية للسياسات العامة.
في الحالة الأردنية، اندرج وضع تشريع خاص بحرية المعلومات ضمن مساعي الوفاء بشروط الشراكة المالية مع بعض الدول الغربية، خاصة في ظل تزايد الضغوط الأمريكية على الأردن بشأن حرية التعبير، إذ تم الشروع في إعداد مسودة قانون لتنظيم حرية تداول المعلومات بشكل مباشر في أعقاب إلقاء الملك عبد الله الثاني لخطابه أمام الكونغرس الأمريكي في 2006، وعلى حد تعبير الباحث الأردني يحيي شقير –الذي ساهم في صياغة المسودة– فإن إصدار القانون رقم 47 اندرج ضمن مساعي استكمال أوراق اعتماد السفير الأردني لدى الولايات المتحدة الأمريكية ولم يكن استجابة لحاجة وطنية.
أما الكويت فقد سعت من خلال تقنينها للحق في المعلومة إلى تحسين وضعها بالمؤشرات الدولية ذات الصلة بالحريات والنزاهة، إذ تم نشر القانون رقم 12 لسنة 2020 بالجريدة الرسمية بعد قرابة شهر من التوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صادق عليها مجلس الأمة الكويتي في 5 أغسطس 2020، وفي سياق تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للنزاهة ومحاربة الفساد التي تم إعدادها في يناير 2019 بدعم من الأمم المتحدة.
إضافة إلى ذلك، تجاهلت غالبية التجارب العربية ضمانات التفعيل، خاصة العامل البشري في ظل عدم كفاية أعداد الموظفين المكلفين بتلقي طلبات الحصول على المعلومات والرد عليها. ففي الكويت لم تُصدر غالبية الإدارات قرارات تعيين الأشخاص المختصين بتلقي طلبات الاطلاع؛ رغم كونها ركنًا رئيسيًا في مسطرة الحصول على المعلومات.
وفي الأردن، لم تبادر معظم المؤسسات إلى توفير منسقي المعلومات الذين أناط بهم المشرع مرافقة الراغبين في الحصول على المعلومات، وإن وجد هؤلاء في بعض المؤسسات فبدون توصيف وظيفي أو صلاحيات واضحة تلزمهم بذلك.
فيما تلجأ غالبية الدوائر الحكومية بدلًا من ذلك إلى إثقال كاهل موظفي العلاقات العامة بمهمة مواكبة طالبي المعلومات ما يحول دون إسهامهم الإيجابي في تكريس حق الاطلاع على المعلومات.
ورغم إرساء المغرب لشبكة واسعة للأشخاص المكلفين باستقبال ومعالجة الطلبات؛ فإن دورهم في تدعيم الولوج إلى المعلومات يبقى محدودًا أمام محدودية تمكينهم من التكوين والتدريب اللازمين. من جهة أخرى، لم تهتم غالبية التجارب بتوفير البيئة الإدارية المواكِبة لديناميات الشفافية في ظل ثقافة تنظيمية منغلقة تُمجِّد التكتم واحتكار المعلومة.
وكذا ضعف الاهتمام بسد الفجوات التي تحد من الولوج المتكافئ إلى «الداتا» العمومية، فالفجوة الرقمية تكرس من الناحية العملية عجز البعض عن الحصول على المعلومات المتاحة على المواقع الإلكترونية الحكومية، وهو وضع ينسحب حتى على الدول التي وفرت ميزانيات ضخمة لتسريع التحول الرقمي، كالكويت، إذ لا يزال المواطنون يجدون صعوبات جمة في النفاذ إلى المعلومات بسبب عدم كفاية أو عدم تناسب التطبيقات المعلوماتية المعدة لهذا الغرض.
ونشير أيضا إلى الفجوة المؤسساتية أمام التباين بين القطاعات الحكومية في إتاحة ما بحوزتها من البيانات، ففي مقابل المؤسسات المركزية الأكثر انفتاحًا تعد الوحدات المحلية الأشد انغلاقًا. ففي المغرب لا تحترم معظم البلديات الحد الأدنى من المعلومات الواجب الإفصاح عنها بشكل استباقي.
ورغم كون البلديات بتونس تعتبر أكثر انفتاحًا وأكثر تجاوبًا من طلبات النفاذ إلى المعلومات مقارنةً بالإدارات المركزية؛ فإن ضعف الموارد المالية والبشرية المتاحة ووطأة التدبير المركزي لمنظومة الوصول إلى المعلومات يسهم في تكريس ثقافة التعتيم وانغلاق الإدارة، إذ يرخي ضعف انفتاح القطاعات الحكومية بظلاله على إشاعة مناخ حجب المعلومة بكامل الجهاز الإداري.
…
يتبع
______________