إسماعيل يوسف

برزت مظاهر قلق لدى أنظمة عربية تعادي الإسلاميين والربيع العربي، من قيادة نظام جديد يقوده إسلاميون معتدلون لسوريا، حسبما أظهرت ردود أفعال إعلامية وشبه رسمية في الإمارات والسعودية ومصر، وتقديرات أجنبية.

صحف غربية أكدت أن وجود إسلاميينفي سدة الحكم بسوريا الجديدة، يقلق بعض حكام الخليج ومصر، مثلما أقلق إسرائيل ودفعها لتدمير قدرات سوريا العسكرية في محاولة خلق حالة من الفوضى للنظام الجديد.

طرح ذلك تساؤلات حول احتمالات تدخل هذه الأنظمة في سوريا، لتكرار إجهاضها تجارب الربيع العربي، خاصة في مصر عام 2013، بغرض تشكيل “سوريا جديدة بلا إسلاميين”.

أو نشرها الفوضى هناك، بما لا يسمح بنشوء نظام حكم إسلامي، على غرار مصر عقب ثورة 2011، حين تدخلت أبو ظبي والرياض، عبر عملاء موالين لها في حركات مثل “تمرد” وقادة في الجيش أبرزهم عبد الفتاح السيسي للتمهيد لانقلاب العسكر عام 2013.

ولطمأنة دول الخليج وتلافي نوايا تدخلها مبكرا، عقد مسؤولون في حكومة الثوار السورية الجديدة اجتماعا مع عدد من السفراء العرب والأوروبيين، بينهم سفراء الإمارات ومصر والسعودية، ركز على شرح تركيزهم على الوحدة والبناء والتعاون مع الدول العربية.

ودفع هذا ملك البحرين، حمد بن عيسى آل خليفة، لإرسال رسالة إلى قائد هيئة تحرير الشام، أحمد الشرع المعروف بأبي محمد الجولاني، يعبر له فيها عن استعداد بلاده للتعاون مع سلطات سوريا الجديدة.

وأعرب عن تطلعه لعودة سوريا إلى دورها الأصيل في جامعة الدول العربية، بحسب وكالة أنباء البحرين، التي أكدت أن الملك بعث تلك الرسالة بصفته رئيس الدورة الحالية للقمة العربية.

مؤشرات التدخل

وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، في 8 ديسمبر 2024، أن دولا خليجية من بينها السعودية يسعون للتأكد من أن سقوط الأسد لن يؤدي إلى موجة جديدة من الاضطرابات ضد حكام المنطقة، وعودة الحركات المتطرفة مثل تنظيم الدولة، التي أعقبت الربيع العربي لعام 2011″.

ونقلت الصحيفة الأميركية عن ماجد الأنصاري، وهو مستشار كبير لرئيس وزراء قطر، ضمنا، مخاوفه من تدخلاتتؤدي لتحويل ربيع سوريا الجديد إلى فوضى“.

وقال الأنصاري: “لا نريد أن يحدث في سوريا ما حدث في دول أخرى بعد الربيع العربي، وتتحول الأخبار السارة إلى سيئة“.

من جانبها، أفادت صحيفة معاريفالعبرية في 11 ديسمبر 2024، بأن هناك قلقا بين دول المنطقة العربية من أن يرفع معارضو الأنظمة العربية رؤوسهم، ويطالبوا بالتغيير، خاصة في السعودية والبحرين ومصر، والأردن والعراق، بعد سقوط النظام السوري“.

لذا بادر مفتي ليبيا، الشيخ الصادق الغرياني لتحذير ثوار سوريا المنتصرين، من سعي دول خليجية لإجهاض الربيع السوري، ومن حدوث انقلابات كالتي حدثت في دول الربيع العربي وكانت مدعومة من الإمارات والسعودية.

وقال الغرياني: “خذوا الدرس واحذروا مكائد الأعداء من المجتمع الدولي وعملائه”

ومنذ اندلاع ثورات الربيع العربي، ظهر مصطلح الثورة المضادة، للإشارة إلى معارضي الثورات، من الأنظمة العربية والإقليمية التي عملت على إجهاض الثورات بأدوات متعددة، وخاصة السعودية والإمارات.

وكانت السعودية والإمارات في صدارة المعارضين لاحتجاجات الربيع العربي في كل من تونس ومصر واليمن، وكذلك المظاهرات في البحرين، وتدخلتا لاحقا بالمال ودعم معارضي الأنظمة الإسلامية التي حكمت في مصر وتونس وليبيا.

ومنذ تحقيق قوى الثورة السورية، الإسلامية التوجه، انتصارات ضد نظام الأسد، شهدت وسائل الإعلام التابعة للسعودية عداء واضحا لما يجرى.

لكن مع انهيار نظام بشار، شهدت هذه الوسائل تغييرا لافتا في خطابها بشأن الملف السوري، يمثل انقلابا على الخطاب الذي كان سائدا لسنوات، لكنها ظلت تحذر ضمنا من الإرهابيينوالمتطرفينفي سوريا الجديدة.

وتجاهل إعلام الثورات المضادة كل الفصائل التي حاربت نظام الأسد، وحصرها فقط في هيئة تحرير الشام، واستخدم المسمى القديم لها (جبهة النصرة) للزعم بأنها لا تزال تابعة للقاعدة، وبالتالي تنفير الجمهور العربي منها.

واستُخدم هذا المصطلح السلبي بكثرة، عند الحديث عن سيطرة قوات المعارضة على المدن السورية، بما يوحي بأن هذه المناطق خضعت لاحتلال أجنبي من ثوار سوريا، ولم تتحرر كما تقول قوات المعارضة، بحسب دراسة لموقع أمد للدراساتفي 12 ديسمبر 2024.

الاستعانة بإسرائيل

ظهر الموقف الرسمي المصري من ثورة سوريا في شقين متضاربين، أحدهما بيان من وزارة الخارجية يشير ضمنا إلى التعاون مع النظام الجديد، والثاني تسريبات من صحف عبرية تشير إلى قلق السيسي من وصول إسلاميين لحكم سوريا، لحد طلبه مساعدة إسرائيل لنظامه

ولزم السيسي الصمت تجاه سقوط الأسد، وما تلاه من عدوان إسرائيلي دمر مقدرات الجيش السوري، واكتفت وزارة الخارجية، ببيان عام غامض، في 8 ديسمبر 2024، يؤكد أن مصر تتابع باهتمام كبير التغير الذي شهدته سوريا“.

البيان أكد دعم مصر لسيادة سوريا ووحدة وكامل أراضيها، ولم يشر إلى القيادة الجديدة لسوريا، ودعا إلى بدء عملية سياسية متكاملة وشاملة تؤسس لمرحلة جديدة من التوافق والسلام الداخلي “.

صحيفة “معاريف” ادعت في 11 ديسمبر 2024 أن السيسي استغاث بإسرائيل، بعد سقوط الأسد، خوفا من موجة ربيع عربي يقودها الإخوان“.

المحرر العسكري للصحيفة، آفي أشكنازي، أكد أن السيسي طلب عقد لقاء عاجل مع رئيس الأركان الإسرائيلي ورئيس جهاز الشاباك، هرتسي هاليفي، ورونين بار، لبحث هذه المخاوف من سيطرة المعارضة السورية على الحكم، خوفا من انتفاضة مشابهة لسوريا في مصر“.

الصحيفة العبرية قالت إن السيسي، تقدم بنداء عاجل إلى الاحتلال الإسرائيلي لإنقاذ نظامه من أي تحركات مماثلة لما جرى ضد الأسد.

وأن هذا كان السبب الرئيس لزيارة رئيسي الأركان والشاباك الإسرائيليين، للقاهرة، في 10 ديسمبر 2024، واللقاء مع نظرائهما المصريين لبحث قضايا ساخنة“.

وأغضب ما ذكرته معاريفمصريين قالوا: “إذا لم يكن استعانة نظام السيسي بعدو مصر التاريخي وهو إسرائيل ضد شعبه، خيانة فما هي الخيانة؟” مشددين على أن فتح حوار حقيقي مع قوى المعارضة الوطنية أيسر من الاتصال بالعدو الإسرائيلي“.

وأظهر تقرير الصحيفة، الحكام العرب بموقف الضعيف الخائف من أية ثورات ربيع عربي جديدة محتملة بعد انكسار موجة 2011، كما حاول إظهار تل أبيب بأنها الملجأ الوحيد لحكام دول المنطقة، لاتقاء شر أي حراك شعبي محتمل.

وشدد المراسل العسكري لصحيفة معاريف، أشكنازي، في لقاء آخر مع إذاعة معاريفعلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تشعر بقلق عميق إزاء التداعيات المحتملة للأحداث في سوريا على دولتين مجاورتين أخريين، هما مصر والأردن.

ويرجح في إسرائيل، حسب الصحيفة، أن هاليفي وبار سيقومان بزيارات مشابهة إلى عواصم عربية خاصة في دول الخليج، بادعاء أنهم بدأوا يشعرون في الشرق الأوسط بهزات ارتداديةللزلزال في سوريا.

وفي 10 ديسمبر 2024، ذكرت قناة القاهرة الإخباريةالتابعة لمخابرات النظام المصري في نبأ عاجل أن وفدا إسرائيليا رفيع المستوى يزور القاهرة حاليا، لكنها قالت إن الزيارة في إطار سعي مصر للوصول إلى تهدئة في غزة، ودعم دخول المساعدات للقطاع، دون تفاصيل أكثر.

السيناريو السوري

وكان نبأ سقوط نظام الأسد، وتولي إسلاميين معتدلين، بعضهم نشأ على أفكار رموز من الإخوان في دول عربية، سيئا بالنسبة للنظام المصري، لذا تم إطلاق أبواق إعلاميي السلطة وذبابها الإلكتروني لتشوية ثوار سوريا.

المذيعة لميس الحديدي، كانت أحد هذه الأبواق التي رددت رسالة واحدة مكررة لإعلاميي السلطة، والذباب الإلكتروني.

وهذه الرسالة، مفادها تخوف مزعوم من أن يتم تقسيم سوريا، أو تحولها إلى معقل للإرهابيين والإخوان يهددون باقي الدول، وفق قولها.

أيضا حذر المذيع القريب من السلطة أحمد موسى، من أن سقوط الأسد، قد يؤدي لتكوين ما وصفه بـإمارة سوريا الإسلامية، وقيام دولة طالبان جديدة في الشام“.

كما حذر الصحفي والبرلماني، مصطفى بكري، من انتقال ما أسماه الفوضى في سوريا إلى بقية العالم العربي، قائلا: “لا تفرحوا كثيرا بسقوط بشار ونظامه“.

وقال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حسين هريدي، لصحيفة الشرق الأوسطالسعودية في 8 ديسمبر 2024 إن القاهرة تراقب المشهد من بعيد، ولن تنساق خلف الفرحة الظاهرة في بعض وسائل الإعلام، بشأن سقوط الأسد“.

وأشار إلى أن “مصر تتساءل عمن سيقود المرحلة المقبلة، وطبيعة العلاقة بين المعارضة والفصائل المسلحة ومرجعيتهم، وهل سيطبقون نظاما إسلاميا أم علمانيا مدنيا؟”

من جانبه، قال الصحفي جمال سلطان إن أكثر ما يرعب السيسي ونظامه، أن نجاح الثورة السورية أسقط العمود الفقري لدعايتهم المتكررة عن أن مصر هي الجيش فإذا انهار الجيش ضاعت الدولة، بينما في سوريا تبخر الجيش، وبقيت الدولة، بل وتحسنت معيشة الناس“.

وأكد أن ثورة سوريا أثبتت أن الشعب وليس الجيش هو الدولة، لذلك إعلام أجهزة السلطة في مصر مصاب بهستيريا“.

وفي تغريدة أخرى وجه سلطان ما أسماه خطابا مفتوحا وعاجلا إلى من يهمه الأمر في مصر“.

وقال فيه إن نجاح ثورة شعبية مسلحة في أن تنزع حكما راسخا مثل حكم آل الأسد، يضرب بجذوره إلى حوالي 60 عاما، رسالة لمصر“.

وأوضح سلطان أن حكم الأسد كان يقوم على مؤسسة عسكرية كبيرة، وشبكة أمنية واستخباراتية ضخمة جدا ومتشعبة ومسيطرة، ودعم عسكري واستخباراتي إقليمي ودولي كبير، ومنظومة تحكم إعلامي وقضائي وفني وتعليمي وديني شاملة، ومع ذلك انهار في النهاية“.

وحذر من أن إحساس ملايين المصريين بالظلم أو التهميش أو القمع، لأسباب متنوعة، ومن أن مصر معبأة بالغضب، ومعبأة بوقود الاشتعال على أي حدث مفاجئ، وجاهزة للانفجار“.

ودعا سلطان نظام السيسي إلى إصلاحات في المجالات المختلفة التشريعية والإعلام والانتخابات الحرة، ووقف تدخل الجيش في الاقتصاد“. 

وانتقد توجيه نظام السيسي اللجان الإلكترونية والإعلاميين التابعين للأجهزة بالصراخ الدائم للتحذير من السيناريو السوري والتخويف مما جرى في سوريا، مشيرا إلى أنها وسائل عقيمة مغشوشة، وعلاج المرض أسلم من الاكتفاء بمحاولة تخدير المريض“.

_______________

مواد ذات علاقة