د. محمد بالروين

قد يتساءل المرء، ماذا نعني بمفهوم “العالم العربي“؟ كيف نشأ؟ وما هو مستقبله؟ للإجابة على هذه الأسئلة، دعوني أنظر إليه من ثلاثة مناظير: جغرافيًا، وديموغرافيًا، وسياسيًا.
أولا: جغرافيًا
يمتد العالم العربي على قارتين، آسيا وأفريقيا. ويتكون من خمس مناطق فرعية متميزة: المغرب (أو شمال أفريقيا). النيل (أو نهر النيل)، المشرق (أو بلاد الشام)، الخليج (أو الخليج)، والجنوب (أو القرن الأفريقي وشرق أفريقيا).
داخل هذه المناطق الفرعية الخمس هناك اثنان وعشرون دولة على النحو التالي:
(1) دول المغرب تشمل ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا.
(2) دول النيل تشمل مصر والسودان.
(3) دول المشرق تشمل العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين.
(4) دول الخليج تشمل السعودية واليمن وعمان والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت والبحرين.
(5) دول الجنوب تشمل جيبوتي والصومال وجزر القمر.
تمتد هذه المنطقة الواسعة عبر أكثر من 13 مليون كيلومتر مربع (أو 5 ملايين ميل مربع)، وتحتوي على العديد من المواد الخام اللازمة للنمو الاقتصادي والتنمية، ولديها أكثر من ربع احتياطيات الغاز والنفط في العالم.
ثانياً: ديموغرافيًا
إنها منطقة تضم العديد من الشعوب ذات تاريخ وثقافات مُتنوعة وغير عادية, ومعظم سكانها من المسلمين والعرب. وتشمل كلمة عربي هنا جميع الناس المُقيمين في المنطقة – مسلمين ومسيحيين ويهود الذين يتحدثون اللغة العربية ويتماهون مع تقاليد وأساليب الحياة في المنطقة. بعض هؤلاء السكان من نسل مجموعات لغوية وعرقية تسبق وصول العرب إلى المنطقة.
فعلى سبيل المثال، يشكل الأمازيغ في شمال إفريقيا ما بين 15 و 30 مليونًا من سكان المنطقة تقريبًا , ويمثلون جزءًا كبيرًا من سكان الجزائر والمغرب، والغالبية العظمى منهم مسلمون يفضلون التحدث بلغتهم الخاصة والحفاظ على ثقافتهم ولا يريدون أن يطلق عليهم اسم العرب؛
كما يمثل التنوع العرقي واللغوي في السودان أكثر من 40 مجموعة عرقية غير عربية وحوالي 60 في المائة فقط من سكان السودان يعتبرون اللغة العربية لغتهم الأم؛ والأغلبية العظمى من الأكراد في العراق وسوريا مسلمون ولكن ليسوا عرب: ففي العراق يمثلون حوالي 15%-20% من السكان ، وفي سوريا يمثلون حوالي 3 إلى 5%.
وبالإضافة إلى ذلك، هناك مجموعات غير عربية أخرى في المنطقة، مثل التركمان والآشوريين (في العراق وسوريا)؛ الأرمن واليونانيين (في لبنان)؛ المصريين والنوبيين (في مصر)؛ الشركس (في الأردن)؛ السود والبجا (في السودان)؛ الموريتانيين (في موريتانيا)؛ وغيرهم مثل الشركس والأتراك والطوارق والتبو واليونانيين (في ليبيا).
ثالثاً: سياسياً
كان مفهوم العالم العربي هو “الشعار الرئيسي” الذي استخدمته الحركات القومية العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لتحرير الشعب العربي من الإمبراطورية العثمانية التي كانت تحكم المنطقة في ذلك الوقت.
ويعتقد البعض أن هذا المفهوم هو مجرد فكرة “ولدت ميتة“، فمنذ البداية لم يكن قصد أولئك الذين قدموها أن تنجح. لقد كان مجرد “شعار استراتيجي” تم رفعه خلال مرحلة الإمبراطورية البريطانية، من أجل استخدامه لطرد الحكم العثماني من المنطقة. بعبارة أخرى، كان “فكرة خاطئة” ولم يكن موجوداً تاريخياً في السياق الذي نعرفه اليوم.
نعم، طوال تاريخ المنطقة، كان هناك “شعب عربي“، لكنه لم يُشكل أبداً أمة موحدة – من الخليج إلى المحيط – أي من دول الخليج في الشرق إلى ساحل المغرب الأطلسي في الغرب.
فعلى سبيل المثال، خلال الحكم العثماني الذي دام قرونًا، أي من القرن الثالث عشر حتى الحرب العالمية الأولى ونهاية الإمبراطورية العثمانية في عام 1924، تمتعت المنطقة الكردية بقدر كبير من الحكم الذاتي وتحالف الأمراء الأكراد مع السلطان العثماني.
لقد أصبح هذا المفهوم السياسي شائعًا أثناء ظهور مفهوم “القومية العربية“، الذي كان مجرد “مفهوم فكري افتراضي“, وكان نتاجًا لرفض عصر الاستعمار والاستياء من الاحتلال الغربي واستمره في الهيمنة على السياسة العربية من الحرب العالمية الأولى إلى الهزيمة العربية على يد إسرائيل في عام 1967. وكنتيجة لهذه الهزيمة المهينة وغير متوقعة، فقد شعار “القومية العربية” جاذبيته في الشوارع العربية وأصبح مجرد أداة سياسية للديكتاتوريين العرب لإضفاء الشرعية على أنظمتهم، وخاصة للجنود الذين وصلوا إلى السلطة من خلال الانقلاب.
يمكن القول أن الحرب على غزة قد أكدت العديد من الحقائق القبيحة والمحزنة، وأظهرت وقائع واضحة تؤكد النية الحقيقية الأميركية والأوروبية تجاه الشعوب العربية.
وفيما يلي بعض هذه الحقائق والوقائع:
أولاً: يواجه الشعب الفلسطيني لوحده، للأسف الشديد، عدواناً إسرائيلياً همجياً ووحشياً، في حين فشلت الأغلبية العظمى من الشعوب العربية فشلاً ذريعاً في مساندته، والأدهى من ذلك أنه وجد أن الأنظمة العربية تدعم وتشجع الإسرائيليين سراً للتخلص من المقاتلين من أجل الحرية في غزة, وفيما يلي بعض الاقتباسات من ردود أفعال الحكام العرب على السابع من أكتوبر 2023، كما ذكرها بوب وودورد، الصحفي الاستقصائي الأمريكي، في كتابه “الحرب“، حيث ذكر:
(1) عندما زار بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي، الملك الأردني عبد الله الثاني في عمان، في 13 أكتوبر 2023، قال له الملك: “قلنا لإسرائيل ألا تفعل هذا، قلنا لهم ألا يثقوا في حماس، حماس هي جماعة الإخوان المسلمين، ويجب على إسرائيل هزيمة حماس. لن نقول هذا علنًا، لكننا ندعم هزيمة حماس …”.
(2) وعندما زار بلينكن أبو ظبي والتقى محمد بن زايد في 14 أكتوبر 2023، قال له: “يجب القضاء على حماس، لقد حذرنا إسرائيل مرارًا وتكرارًا من أن حماس هي الإخوان المسلمين، ويمكننا أن نعطي إسرائيل الوقت للقضاء على حماس، لكن يجب عليها أولاً مساعدتنا في تهدئة مواطنينا من صور العنف والدمار في غزة، من خلال جلب المساعدات، وإقامة مناطق آمنة، والسيطرة على عنف المستوطنين في الضفة الغربية. فلتساعدنا مع مواطنينا وسنمنحها مساحة للقضاء على حماس“.
(3) وعندما زار بلينكن الرياض والتقى أولاً بوزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان آل سعود في 14 أكتوبر 2023، قال له: “كان ينبغي لإسرائيل ألا تثق في حماس، وقد حذرنا نتنياهو مرارًا وتكرارًا، بان حماس هي الإخوان المسلمين“…. ثم تابع قائلاً: “إن الجماعات الإرهابية لا تحاول القضاء على إسرائيل فحسب، بل إنها تريد الإطاحة بزعماء عرب آخرين… وما يأتي بعد حماس قد يكون أسوأ… ولن ندفع دولاراً واحداً لإعادة بناء غزة بعد الفوضى التي أحدثها نتنياهو“.
(4) عندما التقى بلينكن بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في 15 أكتوبر 2023، قال له: “أريد أن تختفي المشاكل التي أحدثها السابع من أكتوبر. يجب إقامة دولة فلسطينية قبل التطبيع مع إسرائيل. لا أريد ذلك، لكنني أحتاجه لتبرير التطبيع… مع إسرائيل” (وودوارد، 2024).
هذه الاقتباسات هي مجرد عينة مما يقوله الحكام العرب في السر! فماذا يتوقع الشعب العربي من هؤلاء الحكام الذين يتحكمون في مستقبلهم؟ هل يتوقع منهم أن يعملوا على تحقيق الوحدة العربية وتحقيق حلم العالم العربي في نهاية المطاف؟!
ثانياً: لقد كشفت الحرب على غزة لجميع محبي الحرية في العالم أن القضية الفلسطينية هي قضية حرية وعدالة وحقوق إنسان، أكثر من كونها قضية عرق أو منطقة أو دين. بعبارة أخرى، إنها قضية نضال من أجل الكرامة، والمساواة، وحق تقرير المصير.
ثالثاً: لقد أظهرت الحرب الفلسطينية ضد المعتدين والمحتلين أن كل ما يهم الحكام العرب، وبلا خجل، هو بقاءهم في السلطة لأطول فترة ممكنة وبأي ثمن، وانهم على استعداد للتحالف حتى مع الشيطان لتحقيق هذا الهدف.
رابعاً: يمكن اعتبار الحرب على غزة بمثابة النهاية الرسمية لعصر ما كان يسمى بالعالم العربي، ويجب اعتبارها أيضاً نقطة انطلاق جديدة في تاريخ المنطقة.
خامساً: وكنتيجة لهذه الحرب الوحشية على غزة، أصبحت الغالبية العظمى من شعوب المنطقة وفي جميع أنحاء العالم مقتنعة بأن السياسات الخارجية الأمريكية والأوروبية كانت بعيدة كل البعد عن التناغم مع القضية الفلسطينية وكذلك مع هموم ومصالح الشعوب العربية بشكل عام.
وكانت كل الشعارات التي يعلنها الساسة الأميركيون والأوروبيون – مثل الحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة للجميع، ليست سوى غطاء لإضفاء الشرعية على تحقيق مصالحهم, والدفاع عن اسرائيل وتصرفاتها المتهورة، وتأمين تدفق الغاز والنفط العربي الرخيص، وايضا لمواصلة هيمنتها على المنطقة لسنوات طويلة قادمة.
…
يتبع
***
د. محمد بالروين ـ بروفسور فخري في السياسة والإدارة، جامعة تكساس إي آند إم الدولية، لاريدو، تكساس، الولايات المتحدة الأمريكية
_______________
المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك