تحقيق: جمال جوهر

بين «فاغنر» و«صادات» وأجهزة دولية تستثمر في الفقر والآيديولوجيا

هل نقضي مهمتنا ونكسب المال ونعود إلى سوريا؟ أم تأسرنا قوات حفتر، ونُقتل؟»، و«ماذا لو سيطرت عناصره التي أتينا لصدِّها عن طرابلس؟ ما مصيرنا حينئذٍ؟».

 تلك كانت هواجس أحد المقاتلين السوريين الذين شاركوا في الحرب الليبية (2019-2020) ضمن مجموعات من المقاتلين الأجانب (المرتزقة) الذين حاربوا مع قوات حكومة «الوفاق الوطني» برئاسة فائز السراج.

 وتقاتل هذه القوات المدعومة خارجياً من تركيا وداخلياً من ميليشيات بغرب ليبيا، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المُشير خليفة حفتر، الذي يسيطر على شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب، ويحظى بدعم قطاعات واسعة من القبائل الشرقية وعدة آلاف من مرتزقة شركة «فاغنر» الروسية.

 تحدثت «الشرق الأوسط» إلى «رامي أبو محمد» (اسم مستعار) وهو من ريف حلب الشمالي عن رحلة بدأها من تركيا مطلع عام 2020، بطائرة مدنية تابعة لـ«الخطوط الجوية الأفريقية» (الليبية) نقلته مع فوج من مئات المرتزقة السوريين، من إسطنبول إلى مطار معيتيقة الدولي، بالعاصمة طرابلس.

ففي ذلك الوقت، وبعد 9 أشهر من الحرب التي شنها حفتر، على طرابلس العاصمة، في 4 أبريل (نيسان) 2019، مدعوماً بمقاتلين من مجموعة «فاغنر» الروسية، دفعت أنقرة بقوات وعناصر من المرتزقة ينتمون لمجموعات سورية معارضة، أبرزها فصيل «السلطان مراد»، الذي تأسس في 2013 بغالبية من تركمان سوريا، وسمي نسبة إلى أحد السلاطين العثمانيين.

وبعد اقتتال دام 14 شهراً، نجحت القوات التابعة لحكومة فائز السراج في إجبار قوات حفتر «الجيش الوطني» على التراجع خارج الحدود الإدارية للعاصمة طرابلس.

لكن في ظل تعقُّد المشهد الدولي، وانفتاح جبهات جديدة للحرب في أفريقيا، تغيرت ولاءات وأولويات، فذهبت روسيا إلى تشكيل ما يسمى «الفيلق الأفريقي»، بديلاً عن «فاغنر» بقصد توسيع نفوذها في 5 من دول القارة السمراء، انطلاقاً من ليبيا، وبقصد «مواجهة النفوذ الغربي»، فيما بقي كثير من الـمرتزقة، الموالين للطرفين، محتجزين إما في معسكرات وقواعد حربية أو مُكلفين بـ«مهام خاصة» لميليشيات بغرب ليبيا.

وصحيح أنه على المستوى العسكري الرسمي، بُذلت في بادئ الأمر جهود لإخراج المرتزقة، ووقَّع طرفا النزاع بجنيف في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2020 اتفاقاً لـ«وقف إطلاق النار»، وخروج جميع المرتزقة من ليبيا، لكن ذلك لم يحدث.

ففي مطلع فبراير (شباط) 2021 أقرت بعثة الأمم المتحدة بوجود نحو 20 ألف مقاتل أجنبي «يحتلون قواعد عسكرية عديدة على الأراضي الليبية» في وقت تغيب فيه أي إحصاءات رسمية، وهو عدد تضاءل تدريجياً بتغير طبيعة الصراع.

في هذا التحقيق الذي تجري أحداثه بين ليبيا وسوريا والسودان وتشاد ومصر، تكشف الشهادات الموثقة، التي لم تخلُ من قصص مأساوية، كيف انخرط مقاتلون من تلك البلدان في حرب ليست حربهم، لأسباب تتراوح بين «آيديولوجية قتالية»، أو «ترغيب مالي»، وكيف انتهى بعضهم محتجزين في قواعد عسكرية في ليبيا، وأضحوا الحلقة الأضعف بعدما كان دورهم محورياً في بداية الصراع.

شهادات كهذه يُطلعنا عليها المقاتل السوري «رامي أبو محمد» الذي ذهب إلى العاصمة الليبية، وسنه 23 عاماً، في رحلة «مرعبة»، كان فيها شاهداً على وقائع وتفاصيل شكَّلت فيما بعد صراعاً بين أجنحة المرتزقة.

ويقول: «تحت وطأة الظروف الاقتصادية القاسية أُجبرت على السفر إلى ليبيا، في رحلة أعلم أن ثمنها القتل. فالأوضاع في سوريا صعبة جداً، والموت يحيط بالجميع».

من حوار كلس إلى جبهة أبو سليم

من الجنوب الليبي، حيث قاعدة «براك الشاطئ»، إلى معسكرات «اليرموك» و«حمزة» و«سوق الخميس»، و«قاعدة الوطيّة» (غرباً)، وصولاً إلى قواعد «القرضابية الجوية» و«الجفرة الجوية» في جنوب سرت وشمالها، و«الخروبة» بمدينة المرج (شرقاً)، تتمدد فرق المرتزقة منذ توقفت الحرب، في مناطق تخضع لجبهتَي حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، و«الجيش الوطني». 

من حينها، بدا ملف المرتزقة» في ليبيا كأنه «تُكأة» لقوى خارجية ومحلية تراهن على بقائهم، فتحولوا «من كونهم عناصر مسلحة (بعضهم يتبع شركات أمنية أو جيوشاً غير نظامية) إلى ذريعة لتلك القوى، تهدف من ورائها ترتيب الأوضاع في ليبيا على نحو يخدم أهدافها»، حسبما يقول، لـ«الشرق الأوسط»، السفير السابق إبراهيم موسى قرادة والمستشار السابق لدى «الإسكوا».

ويكشف «رامي» – الذي يقول إنه لم يسبق له الانضمام إلى أي فصيل مسلح جانباً من رحلة تجنيده مع آخرين ينتمون إلى هذا الجيش المعارض، وكيف تم ضمهم إلى الفصيل المسمَّى «السلطان مراد»، حتى وصولهم إلى ضاحية عين زارة بطرابلس (غرب ليبيا).

يروي «رامي»: «تم تجميعنا من أماكن عدة في سوريا، بعد تسجيل أسمائنا، ونقلنا من بلدة حوار كلس إلى مطار غازي عنتاب بتركيا، ثم إلى إسطنبول، بواسطة طائرة عسكرية، ومن هناك إلى مطار معيتيقة بواسطة طائرة (الخطوط الأفريقية) بطرابلس».

في ذلك الوقت، وعلى إثر احتدام المعارك جنوبي طرابلس، لجأ السراج إلى أنقرة في 26 ديسمبر (كانون الأول) 2019 طالباً المساعدة العسكرية. وسارع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بإرسال خبراء عسكريين وقوات وعناصر مقاتلة، ثم أتبعهم بعتاد عسكري أبرزه المُسيَّرات.

وسبق وصول المقاتلين الأجانب مراحل من التأهيل، أخبرنا بها مسؤول عسكري ليبي بشرق البلاد فضّل عدم الكشف عن اسمه، وقد أنهى خدمته حديثاً، فقال «أخضعنا هذه العناصر لتدريبات سريعة، بعضها يتعلق بنوعية الأسلحة المستخدمة، وأخرى بطبيعة المكان ومحاور القتال خاصة أنهم يجهلون تلك المناطق».

كذلك يتحدث «رامي» قائلاً: «قبل إرسالنا إلى طرابلس نقلتنا قوات تركية إلى معسكرات على الحدود مع سوريا، وأخضعونا للتدريب في أحد المراكز، يعتقد أنه يتبع شركة (صادات)، وبعد ذلك تم نقل العناصر المؤهلة بطائرة مدنيّة إلى طرابلس».

و«صادات» هي شركة تركية «للاستشارات الدفاعية الدولية»، تعمل على توفير الخدمات الاستشارية واللوجيستية والتدريبات العسكرية في مجال الدفاع الدولي كما تعرف عن نفسها.

وحسب موقعها على الإنترنت وجدنا أنها تأسست في فبراير (شباط) عام 2012، على يد مجموعة من ضباط وضباط صف متقاعدين من مختلف وحدات القوات المسلحة التركية، برئاسة العميد المتقاعد عدنان تانريفردي الذي توفي في أغسطس (آب) 2024.

لكن الشركة تنفي، عبر صفحتها على شبكة الإنترنت، استمرارها في العمل بليبيا، رغم أنها أكدت في إيجاز سابق قيامها بتنفيذ مشاريع في ليبيا عام 2013.

وتفادياً للعواقب القانونية، استعانت الشركة التركية بشركات خدمات أنشئت حديثاً لتكون واجهة عملها في ليبيا، وذلك بالاستعانة أحياناً بقادة عسكريين من الفصائل السورية التي جنّدتها لهذه الحرب.

وكان تقريران أمميان، صدرا عامي 2021 و2023 وكُشف عنهما نهاية أغسطس 2024، أفادا بأن شركة «صادات» جنّدت 5 آلاف «مرتزق» من سوريا للقتال في طرابلس، ودفعت رواتبهم، كما اتهما أنقرة بـ«انتهاك حظر الأسلحة المفروض على ليبيا».

وأحدث التقريران ردود فعل غاضبة بعدما نشرهما الكاتب التركي صايغي أوزتورك، في صحيفة «سوزجو» التركية المعارضة، لكن «صادات» أصرت على عدم وجود أدلة لما ورد فيهما.

وشرح الأكاديمي التركي، مهند حافظ أوغلو، كيف أن أنقرة «لم ترسل مقاتلين سوريين إلى طرابلس» أصلاً بمعنى أن «التصور التركي لا يرى أن هناك مرتزقة سوريين في ليبيا، بل إن كل من أرسل حسب الاتفاق مع السراج يحمل الجنسية التركية».

 ويقول أوغلو في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «كل من دخل ليبيا بتسهيلات تركية يُعتبر تركياً، أيّاً كانت أصوله أو قوميته».

ورفضت الخارجية التركية الإجابة عن أسئلتنا المتكررة منذ نهاية عام 2023، بشأن مصير المقاتلين التابعين لها في ليبيا بأفريقيا.

في المقابل رفضت قيادات في «الجيش الوطني السوري» الموالي لتركيا، إعطاء أي إفادات، بل إن العقيد أحمد حمادة (أبو مرهف)، المنشق عن الجيش السوري (النظامي)، برر بالقول إن السوريين «ذهبوا إلى طرابلس بوصفهم مترجمين، وليس مقاتلين» وهو ما رفضت وزارة الخارجية التركية التعليق عليه.

وقال حمادة إنه «تم تطويع عدد من الشباب السوريين وإغراؤهم بالمال، للقتال لصالح (من أسماه) طباخ بوتين ضمن قوات حفتر»، في إشارة إلى يفغيني بريغوجين، مؤسس شركة «فاغنر» الذي قُتل.

وأضاف: «موضوع إرسال مقاتلين سوريين إلى ليبيا أو إلى أماكن أخرى، انتشر للأسف مع وصول ميليشيات إيرانية ومقاتلين روس وعناصر من (فاغنر) لدعم نظام بشار الأسد ضد الثورة. فعندما دخلت (فاغنر) أيضاً إلى ليبيا، ذهبوا يقاتلونها هناك».

يتبع

_____________

مواد ذات علاقة