مختار غميض

بعد الضجة الكبيرة التي أحدثها وزير الداخلية عماد الطرابلسي حول شرطة الآداب، والتي تخطى صداها ليبيا إلى العالم العربي والإسلامي بل العالم بمنظماته الحقوقية، ها هو رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، يبدو في آخر ظهور له كالمصلح الذي يريد ترقيع هفوات وزيره.

فخلال فعالية شبابية جامعة بمصراتة، تراجع الدبيبة عن تصريحات أحد أهم وزراء حكومته، مؤكدا أن سلطاته لن تفعّل شرطة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، معتبرا أن وزيره أسرف في الحديث خلال كلمته السابقة.

هذا التراجع كان متوقعا، وكلام الطرابلسي كان انفعالا مبالغا فيه، لم يكن مدروسا بل أشبه بالتصرف الانفرادي الطائش، فليبيا والمجتمعات المجاورة عموما، مجتمعات محافظة وملتزمة أخلاقيا بما عرف عليها من حياء وحشمة، وهي أقرب إلى الطبائع المتوارثة منه إلى القيم الدينية أحيانا، كطريقة اللبس مثلا.

لكن لا شك أن تجاوز أخلاقيات الشعب والبلد هي مرفوضة تماما بل يمكن ملاحظتها من المواطن وهي ليست في حاجة إلى شرطة أخلاق، بل إلى قوانين عامة تضبط سلوكيات المنحرفين، وبعض هذه القوانين كالتي تمنع مثلا تعاطي المسكرات موجودة في كل الدول، بصرف النظر عن مدى تفعيلها على أرض الواقع.

مما لا شك فيه أيضا أن بعض الأفراد استمرأوا وتمردوا على القوانين بحكم هامش وسق الحريات الكبير بعد الانتفاضات وسقوط أنظمة، وأمام بطىء عودة النسق التشريعي سواء القديم أو الجديد أو تحديثه، استغلت البعض بما فيها جماعات إرهابية حالة الفراغ.

بالتالي فإن الانحلال المجتمعي وإفساد الذوق العام هي حالة طارئة شاذة في مجتمعاتنا، ولا يقاس عليها، لكن ذلك لا يستحق تخصيص جهاز أمني أو شرطي كهيئة “للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وهي تجارب لم تنجح في دول أخرى بل نالت ما نلته من انتقاد وتهجم كبير وذهب ضحيتها كثيرون، من تشويه سمعة إلى أحكام تعسفية جلبت النقمة عند البعض.

في المقابل، فإن مقاومة الفساد تتم عبر تشريعات وقوانين منصوص عليها، تبدأ من المنهج التعليمي الذي يغرس قيم الصدق والوفاء والأمانة في النشىء منذ الصغر، وهكذا تكبر مع التلميذ حتى يصبح عنصرا فاعلا، وأما ما يسمى بالأفكار الهدامة فلها مؤسساتها من مدارس التربية النفسية إلى سجن الأحداث كمؤسسات عقابية ذات دور إصلاحي.

ولعل تذكير الدبيبة بالميليشيات وما لها من دعم مالي، هو ملف أكبر ضمن محاولات إصلاح الكبرى لا تزال متعثرة في لييبا، مع محاولات دمج العناصر المسلحة في المؤسسة الأمنية والعسكرية، التي تجري محاولات توحيدها في عموم البلاد على قدم وساق.

يبقى موضوع الآداب والأخلاقيات العامة وما أثاره من جدل واسع، موضوعا شائكا خاصة مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت بدور كبير في ظل ظهور المشاهير ومحاولات التأثر والتأثير، وقد وصل الأمر في الولايات المتحدة إلى حظر بعض الوسائط وتطرح دول مغاربية الموضوع من باب الجدية كذلك، وقد تعرض تونسيون مؤخرا إلى محاكمات اعتبرها محامون قاسية، بحق صناع محتوى “اعتدوا على الأخلاق الحميدة”.

هذا الأمر مس أيضا دول عربية أخرى، وصلت حد التلويح مرارا بحظر تطبيقات الكترونية، التي تبث محتويات معلوماتية تحرض على استعمال عبارات أو الظهور بوضعيات مخلة، وهي أخلاقيات مدمرة للمجتمع، ما جعل حقوقيين يطالبون بتكثيف الرقابة المعلوماتية، وتفعيل نصوص تتعلق بالجرائم الاتصالية لردع المعتدين والمجاهرة بالأمن العام ضد المجاهرين بالفاحشة.

مراكز تأهيل وإعادة تكوين وتأطير، ولعل في كلام الدبيبة إشارة واضحة إلى وزيره الذي كان يقود إحدى المليشيات وفق قوله، ما يجعل الإصلاح أولوية وحظيرة كبرى، تتطلب معالجة تشريعية فكرية وليس أمنية فقط، التي قد تزيد من الظاهرة، حسب مختصين.

______________

مواد ذات علاقة