توفيق المديني

الأنظمة العسكرية

يحيل هذا الوصف إلى الدور الذي يؤديه الجيش في قيام النظام أو السلطة في مرحلة التأسيس، أو في ممارستها واستمرارها.

وقد أدت الجيوش العربية في أكثر من بلد عربي دورا حاسما في قيام الأنظمة لحظة التأسيس للدولة الوطنية الحديثة في مصر الناصرية، وفي العراق وسوريا والجزائر وليبيا والسودان، من خلال الانقلابات العسكرية التي شكلت نقطة انطلاق عدد من النظم، أو في وقت لاحق في تأسيس الدولة (مصر، ليبيا، سوريا العراق، السودان)، أو هي لا تزال تؤدي دورا حاسما في استقرار النظام واستمراره.

يستمر دور العسكر في السياسة كبيرا في عدد من الدول، وإن كان الحكم مدنيا، ولكن قيادات البلاد تأتي غالبا من المؤسسة العسكرية، كما أن المؤسسة العسكرية يمكن أن تمسك بمفاصل أساسية من القرار السياسي أو الاقتصادي في البلاد (كما في الجزائر، مصر).

حتى في بلد مثل لبنان لا يمكن وصفه بأنه ذو حكم عسكري، فإن رئيس الجمهورية للمرة الثانية على التوالي خلال العقد الأخير هو قائد الجيش، ولذلك أسباب مختلفة تتعلق بطبيعة العلاقة والأدوار والأوزان لكل من الأطراف الداخلية الخارجية في القرار اللبناني والقرارات المتعلقة بلبنان، كما أنه تعبير عن شكل من أشكال تدويل أو أقلمة السياسة اللبنانية.

الأنظمة البوليسية

يُحِيلُ وصف الأنظمة بالأمنية، في جانب منه إلى التحولات التي طرأت على دور المؤسسة العسكرية نفسها، والتوازن بينها وبين الأجهزة الأمنية، وعلاقتهما بالسلطة وبالنخبة الحاكمة أو الحاكم.

وما يجب التنبه إليه، هو أن الحكام القادمين من المؤسسة العسكرية، بما فيها من خلال الانقلابات، عملوا بشكل منهجي على إضعاف المؤسسة العسكرية، بما هي مؤسسة تلافيا لإمكان تكرار الانقلابات، وتم تحويل جانب أساسي من دورها الداخلي إلى الأجهزة الأمنية، التي هي أكثر طواعية في يد الحاكم، أو إلى وظائف الحماية الداخلية للنظام، أي تحوله من وظائف عسكرية دفاعية إلى وظائف أمنية.

ثمة سبب إضافي في مثل هذا التحول، يرتبط بعدم وجود مصلحة لدى الحلفاء الخارجيين لهذه الأنظمة في المحافظة على قوى عسكرية متماسكة ومسلحة وقوية، بما تفكر يوما بمواجهة مع الكيان الصهيوني.

أو ربما تتحول إلى عامل تعزيز للقرار المستقل للحكومات الوطنية على حساب استتباعها لمصالح القوى النافذة في دول الشمال، أو للحؤول دون تحولها إلى طرف قادر على التفاوض معها من موقع أكثر قوة، وإن على فرض إتاوة أكبر لا أكثر، خصوصا إذ تطعم دور العسكر في السياسة بنكهة إيديولوجية قومية أو وطنية أو إيديولوجية من أي نوع:

مثلا نسوق على ذلك التجاذب بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وبين مؤسسة الجيش التي تشكل عماد السلطة الفعلية في مصر بعد إزاحة الرئيس محمد مرسي عن الحكم في 3 تموز/ يوليو، 2013.

يقول الباحث أديب نعمة؛ إنَّ استخدام مصطلح الأنظمة الأمنية، يكون أكثر دقة في وصف معظم الحالات الراهنة، خصوصا عندما تكون هذه الأجهزة الأمنية كبيرة العدد ومسلحة بشكل جيد، أو متداخلة مع قوات النخبة داخل الجيش، وتكون هي الذراع الأساسية للنظام في ممارسة السطوة على المجتمع، أكثر مما يناط هذا الدور بالجيش:

  • الأمن ووزارة الداخلية في مصر قبل 25 كانون الثاني/ يناير

  • والحرس الجمهوري ووزارة الداخلية في تونس،

  • وكتائب القذافي في ليبيا

  • والحرس الجمهوري وأجهزة المخابرات في سوريا،

  • فدائيو صدام والمخابرات في العراق،

  • وأجهزة الأمن في السلطة الفلسطينية حيث لا جيش أصلا.. إلخ.

وربما بات استخدام مصطلح الأنظمة العسكرية، يفيد معنى النظام غير المدني: كما في وضعية مصر مع المجلس العسكري، الذي كان رأس السلطة بعد الثوة مباشرة: أو يفيد في حالات أخرى حالا من التداخل بين الجيش والأمن والسلطة ومراكز السلطة الفعلية: كما في حالة الجزائر ومصر.. إلخ” .

النظام الشمولي والدولة التوتاليتارية

النظام الشمولي هو نفي للنظام الديمقراطي نفسه ـ من حيث هو نظام ـ، إذ هما نظامان نقيضان، والنظام الشمولي هو نفي ونقض للبعد الليبرالي في النظام الديمقراطي على نحو خاص.

وغالبا ما يقوم النظام/الدولة الشمولية على أساس فكرة الحزب الواحد أو الجماعة القائدة التي يعد وجودها في السلطة مستمدا من/ وتعبيرا عن شرعية ثورية ـ إيديولوجية، أكثر مشروعية وسموا من الشرعية الدستورية، كما هو الشأن في الفكرة الليبرالية.

وتتميز الأنظمة الشمولية بعدم اعترافها بوجود المجتمع المدني على أساس نظري/إيديولوجي، لا بل إن النقابات والجماعات المهنية والجمعيات والتشكيلات المجتمعية كلها، هي امتداد للدولة نفسها أو ممنوعة بموجب القانون.

يقول الباحث أديب نعمة: “تتميز الأنظمة الشمولية أيضا، بعدم قبولها بهامش من الاستقلالية المسببة للدولة وجهازها عن السلطة السياسية، وهي من ثم التجني الأقصى للنظام الدولي، وتتحد الدولة وأجهزتها بالحرب أو الجماعة القائدة بشكل عفوي. كما تتميز بالاستخدام الكثيف للإيديولوجيا السياسية أو الدينية.. إلخ، بحيث تتحول عقيدة الحزب أو الجماعة الحاكمة إلى عقيدة للدولة والناس في الوقت نفسه، كما تستخدم بشكل كثيف وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية المدنية أو الدينية في الترويج الإيديولوجي.

ويجري كذلك بناء تشكيلات شعبية موالية للنظام وتابعة للدولة، تسمى أيضا المنظمات الشعبية أو الجماهيرية، تستخدمها في تحريك المجاميع وتجنيدهم وتحويلهم إلى قوة مساندة للنظام: الاتحادات النقابية التي يسيطر عليها النظام، اتحادات المرأة والشباب، منظمات الشبيبة أو الطلائع، اللجان الشعبية أو اللجان الثورية، إلخ.

النظام الشمولي هو نظام يحكم من خلال التسلط والقمع المدعوم بقوة الإيديولوجيا والتنظيمات الجماهيرية، ومخاطبة المجاميع الكبيرة بشكل شعبوي، استنادا إلى عمل تنظيمي ممأسس.

ومن الأمثلة على الأنظمة الشمولية في العالم العربي:

  • نظام البعث في العراق وسوريا،

  • أو النظام المصري في المرحلة الناصرية،

  • أو النظام الليبي في عهد القذافي،

  • والنظام الإيراني،

مع لحظ اختلافات مهمة بينها” .

***

يتبع

***

توفيق المديني ـ باحث تونسي خريج جامعة باريس السادسة مهندساً في الإلكترونيات. ثم استقر في سورية منذ عام 1985 على أثر طرده من فرنسا.
باحث في مركز الدراسات الفلسطينية بدمشق، ومتفرغ للعمل الفكري والثقافي، عضو اتحاد الكتاب العرب، واتحاد الصحافيين السوريين.

_______________

أديب نعمة ـ محامي وأديب وباحث الباحث في العلوم الاجتماعية، والناشط في المجتمع المدني.

الكتاب: يتكون من مقدمة، وخمسة أقسام، واثني عشرَ فصلا، ويتضمن 350 صفحة من الحجم الوسط، والصادر عن دار الفارابي في بيروت في أيار 2014،

مواد ذات علاقة