حافظ الغويل

على مدى العقد الماضي، انزلقت ليبيا إلى شكل غريب من أشكال الحكم يمكن وصفه بـالفوضوية المتعمدة” — حيث أصبحت الجمود السياسي، والفساد، والأزمات المستمرة ليست مجرد أعراض لانهيار الدولة، بل الأساس الذي يقوم عليه نظام الحكم.

هذا الوضع الغريب لم يعرقل التقدم فقط، بل ساهم أيضًا في تمكين نخبة حاكمة تزدهر في ظل الكفاءة المتدنية للنظام.

جذور الفوضوية الليبية

تكمن جذور الفوضويةالليبية في الانقسامات السياسية التي ظهرت بعد عام 2011، عقب سقوط معمر القذافي. حيث تسابقت الفصائل المختلفة للسيطرة على مؤسسات الدولة المركزية، مما جعلها ساحات للصراع، مثلما حدث مع المؤسسة الوطنية للنفط، ومؤخرًا المصرف المركزي الليبي الذي أصبح ساحة جديدة للصراع السياسي.

الدور المزدوج للمصرف المركزي، بوصفه مسؤولًا عن السياسات النقدية وموزعًا للأموال العامة، جعله هدفًا محوريًا في هذا الصراع، مما يوضح كيف تم استغلال وظائف الدولة الأساسية لخدمة مصالح الفصائل الحاكمة بدلاً من خدمة الشعب الليبي.

في هذا السياق، نجحت النخبة السياسية في ليبيا في تحويل الجمود إلى استراتيجية حوكمة متعمدة.

فالسيطرة على المؤسسات الرئيسية مثل المصرف المركزي تتيح للفصائل المتناحرة القدرة على استخدام حالة عدم الاستقرار كسلاح لاحتجاز الاقتصاد الليبي رهينة، واستمرار الجمود بين الحكومة في طرابلس والسلطات في الشرق كوسيلة لإدامة الأزمة، وهو وضع تستفيد منه الأطراف المتصارعة بشكل كبير.

الفوضى كسلاح سياسي

أصبحت الفوضى وعدم الكفاءة العملة الأساسية للسلطة في ليبيا. إذ تستغل الجهات الفاعلة الرئيسية الموارد للحفاظ على شبكات الولاء، وترسيخ شبكات المحسوبية، ومنع الإصلاحيين المحتملين من تحقيق أي تقدم.

على سبيل المثال، إغلاق إنتاج النفط جزئيًا من قبل السلطات الشرقية احتجاجًا على تعيين محافظ جديد للمصرف المركزي من قبل طرابلس يوضح كيف يتم استخدام التخريب الاقتصادي كوسيلة ضغط سياسي.

هذا النوع من السلوك يؤدي إلى زعزعة الاستقرار، ردع الاستثمارات الأجنبية، وتعطيل الحياة اليومية، مما يبقي ليبيا مرتبطة بالمفاوضات الخارجية، ويخلق بيئة خصبة للفساد والاستغلال.

الدور الدولي وتعقيد الأزمة

بينما يبدو أن المجتمع الدولي يحاول المساعدة في إصلاح النظام الليبي المكسور، إلا أن هذه الجهود غالبًا ما تؤدي إلى حلول مؤقتة لا تستهدف المشاكل الهيكلية الأساسية.

وفي هذا السياق، يصبح الجمود السياسي الليبي ليس مجرد نتيجة للصراعات الداخلية، بل أيضًا نتيجة لاستراتيجيات قصيرة النظر من المجتمع الدولي وعجزه عن الانخراط بعمق في الأزمة.

من خلال تقديم حلول مؤقتة وسطحية، تقع الأطراف الدولية في فخ تسهيل استمرار الوضع القائم، مما يمنح النخبة الحاكمة الأدوات اللازمة للحفاظ على قبضتها على السلطة.

وهكذا، يتجذر نموذج الإنتاج مقابل الاستهلاك، حيث تُطرح حلول مؤقتة بشكل دائم، دون معالجة الأسباب الجذرية للتدهور.

الموارد النفطية كنقطة صراع أساسية

تبقى عائدات النفط المصدر الأساسي للصراع في ليبيا، حيث لم تتمكن المؤسسات الدولية من فرض إجراءات صارمة لضمان الشفافية في إدارة هذه الموارد.

المصرف المركزي الليبي، الذي يحتوي على عشرات المليارات من عائدات النفط، أصبح نقطة صراع أساسية، حيث يتم استغلال هذه الأموال لتعزيز القواعد السياسية، وشراء الولاءات، وتمويل الفساد، بينما يعاني الشعب الليبي من حالة عدم الاستقرار المزمنة.

على الرغم من الجهود الدولية، لا تزال الحكومات الأجنبية تخشى اتخاذ خطوات حاسمة قد تهدد مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، مما يعزز استمرار الفساد والانقسام.

عدم فرض عقوبات صارمة أو تجميد أصول الأطراف الفاعلة الرئيسية يُبقي الوضع كما هو، مما يسمح للنخب الحاكمة بالاستفادة من الفوضى.

الدور السلبي للأمم المتحدة

بدلًا من دفع ليبيا نحو تغيير تقدمي، ساهمت الأمم المتحدة أحيانًا في تعقيد الفوضى.

على سبيل المثال، الصفقة الأولية المدعومة من الأمم المتحدة لتعيين محافظ جديد للمصرف المركزي تم التلاعب بها من قبل الفصائل المتناحرة لتعزيز مواقفها السياسية، مما ساعد في تعقيد الوضع الراهن بدلاً من كسره.

نموذج الفوضويةالليبية

لا تُعتبر الفوضى في ليبيا مجرد نتيجة لانعدام الكفاءة، بل هي نموذج حوكمة متعمد يهدف إلى منع أي إصلاحات حقيقية. في ظل انهيار مؤسسات الدولة، وتلاعب القوانين، واستمرار الميليشيات المسلحة، يظل الغضب الشعبي غير قادر على إحداث تغيير حقيقي، مما يرسخ قبضة النخبة الحاكمة على البلاد.

الخاتمة

حلقة مفرغة من الأزمات حتى يتم اجتثاث هذا النظام، ستظل ليبيا عالقة في دائرة لا تنتهي من الانهيار وإعادة البناء الزائفة، مما يعوق أي انتقال ديمقراطي حقيقي ويعمق حكم الفساد.

فهذه الدولة، التي كانت قريبة من تحقيق معجزة ديمقراطيةقبل عقد من الزمن، أصبحت الآن رهينة لـالفوضوية

شهادة حزينة على صعوبة اقتلاع السلطة الراسخة.

_____________

المصدرصفحة الكاتب على منصة X

مواد ذات علاقة