
سادسًا: الموقف المصري:
لم تغب مصر عن المشهد، فبصمة القاهرة التي ربما دخلت علاقتها مع حكومة الدبيبة مرحلة اللاعودة كانت حاضرة في ترتيبات إسقاط حكومة الدبيبة، إذ دعمت تحركات رئيس البرلمان بمنح الثقة للحكومة الموازية (حكومة الشرق) برئاسة أسامة حماد الذي استقبله نظيره المصري مصطفى مدبولي في العلمين.
كانت زيارة حماد هي الأولى له خارج البلاد منذ تكليفه بتشكيل حكومة الشرق من مجلس النواب الليبي في مايو 2023، خلفًا لفتحي باشاغا، برفقة مدير “صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا” بلقاسم حفتر، لبحث دور الشركات المصرية في إعادة إعمار ليبيا.
ما دفع رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، في 11 أغسطس 2024، لاستدعاء السفير المصري لدى ليبيا وسلمه مذكرة احتجاج رسمية للحكومة المصرية لاستقبالها رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد.
وفي السياق، تناقلت وسائل إعلام ليبية أنباء عن أن الحكومة في طرابلس طلبت من مسؤولين في المخابرات المصرية يعملون ضمن كادر السفارة المصرية بطرابلس مغادرة الأراضي الليبية فورًا.
فيما أصدرت وزارة خارجية حكومة الوحدة الوطنية بيان شديد اللهجة استنكرت فيه “استقبال الحكومة المصرية لأجسام موازية لا تحظى بالاعتراف الدولي بشكل رسمي”، مشيرة إلي أنها تمثل “خروجًا عن وحدة الموقف الدولي الرافض لعودة البلاد إلى حالة الانقسام والاحتراب”.
كما أشارت الخارجية الليبية إلي أن “موظفين دبلوماسيين اثنين من البعثة الدبلوماسية بالسفارة المصرية في ليبيا، غير مرغوب فيهما على الأراضي الليبية”، مشيرة إلى أن الموظفين هما محمد الشربيني ومحمد حسني، وطالبت وزارة الخارجية بمغادرة الدبلوماسيين المصريين الأثنين من الأراضي الليبية خلال 72 ساعة، وهما يشغلان المستشار والسكرتير الثاني في السفارة المصرية في طرابلس.
تأتي هذه التطورات رغم استئناف الزيارات بين طرابلس والقاهرة. حيث استقبل مدبولي نظيره الليبي عبدالحميد الدبيبة في القاهرة في يوليو 2024، بعد انقطاع دام نحو ثلاث سنوات، مما أعطى انطباعًا أن القاهرة بصدد الاستسلام للأمر الواقع والتخلي عن عدائها الطويل مع حكومة الدبيبة.
لكن التطورات الليبية الداخلية من المرجح أنها جددت آمال مصر حول التخلص من حكومة الوحدة الوطنية التي تبدو محاصرة حاليًا؛ حيث تخوض الحكومة صراعًا ضد تحالفات مختلفة، أبرزها تحالف رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، ومحافظ مصرف ليبيا المركزي، الصديق الكبير، الذي تمكنه صلاحياته من عرقلة تمويل الحكومة بالتعاون مع مجلس النواب الذي جدد سحب الثقة من الحكومة.
بالإضافة لذلك؛ خسرت حكومة الدبيبة معركة انتخابات المجلس الأعلى للدولة، حيث نجح خالد المشري، أحد أبرز خصوم الدبيبة، في استعادة رئاسة المجلس الأعلى للدولة، مدعومًا من محافظ البنك المركزي وبلقاسم حفتر وعقيلة صالح، وهو ما يضعف موقف الحكومة السياسي ويضعها أمام مواجهة جديدة.
وبالتوازي مع تحركها نحو الإطاحة بحكومة الدبيبة، فإن القاهرة تلعب الدور المحوري في دعم معسكر الشرق بجناحيه (حفتر– صالح) وتركزت مقاربتها نحو ليبيا على تعزيز نفوذ حفتر أمنيًا وعسكريًا، ودعم وحماية رئاسة البرلمان من التغيير سواء عبر الانتخابات أو حتى من مخاطر خلافات البيت الداخلي ومحاولات تقويض سلطتها على يد حفتر وأبنائه أو الكتل النيابية.
وتشير تحركات القاهرة منذ 2015 إلى تفضيلها الصيغة الحالية بوجود حكومة يضعفها الانقسام في طرابلس، مع هيمنة معسكر الشرق على ورقتي النفط والشرعية السياسية، وهو وضع يضمن لها أن تكون الطرف الأكثر تأثيرًا في المشهد السياسي والأمني، فالانقسامات في طرابلس فتحت الباب على مصراعيه للقاهرة لتكون لاعبًا أساسيًّا على المستوى الأمني والسياسي، وهي اليوم تملك تأثيرًا على مجموعات داخل المجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي الذين استضافتهم القاهرة في أكثر من مناسبة، كما تجمعها علاقات بقيادات أمنية وعسكرية تتردد عليها هي الأخرى.
سابعًا: الموقف الجزائري:
أثارت تحركات حفتر العسكرية نحو المنطقة الغربية والمدعومة من روسيا غضب الجزائر، خاصة وأنها تأتي في ظل توتر العلاقات الروسية – الجزائرية بسبب غضب موسكو من الموقف الذي اتخذه النظام في الجزائر بعد اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، حيث سارع إلى الإعلان أن الغاز الجزائري هو البديل للغاز الروسي بالنسبة لأوروبا، وفعلًا زادت الصادرات الجزائرية من الغاز إلى دول أوروبية (إيطاليا) كانت تعتمد أساسًا على الغاز الروسي. ولعل ذلك كان أحد الأسباب في ألا يدعم الروس دخول الجزائر إلى منظمة “البريكس”.
وليتطور الموقف الروسي في خصومته إلى دعم الجيش المالي للسيطرة على مدن الأزواد التي كان لها حكم ذاتي، واكتملت السيطرة على أكثرية مناطق الأزواد في نهاية نوفمبر 2023، وبعد ذلك شن عسكر مالي هجومًا شديدًا على النظام الجزائري وألغوا الاتفاق بين الأزواد وباماكو المعروف بـ”اتفاق الجزائر”.
وكان قد وقع في العام 2015، وتلا ذلك إقدام عسكر مالي بدعم من مليشيات فاغنر على مطاردة الأزواديين وتهجيرهم إلى داخل الجزائر، ومما أغضب جنرالات الجيش الجزائري الذين اتفقوا مع الروس على ألا تقترب مليشيات فاغنر والجيش المالي أكثر من 80 كيلومترًا من حدود الجزائر، وهم ما تم نقضه على الأرض، بل إن الأمر وصل حد قتل قيادات أزوادية مقربة من النظام الجزائري.
ولقد كانت زيارة قائد الأفريكوم، في أواخر يوليو 2024، إلى الجزائر فارقة في إيصال رسالة تهديد أمريكية لتطويق النفوذ الروسي في دول الساحل الأفريقي، فبعد ذلك تم تداول أنباء عن دخول السلاح الأوكراني إلى ثوار الأزواد، وجرت معارك طاحنة كبد فيها ثوار الأزواد فاغنر والجيش المالي هزيمة كبيرة. وهذا ما فاقم من غضب الروس الذين أوعزوا لحفتر بالتحرك في اتجاه حدود الجزائر والسيطرة على المعبر الحدودي والتهديد بالسيطرة على غدامس.
ومؤخرًا، حدث تلاسن جزائري روسي في مجلس الأمن، في 8 أغسطس 2024، وهو يحدث لأول مرة في تاريخ العلاقات بين البلدين، حيث هاجم الممثل الروسي الملاكمة الجزائرية إيمان خليف التي فازت بالميدالية الذهبية في أولمبياد فرنسا، ففي كلمته خلال إحاطة مجلس الأمن الدولي حول موضوع “الحفاظ على الالتزامات لصالح المرأة، السلام والأمن في سياق الانسحاب السريع لبعثات السلام”، تطرق ممثل روسيا لدى الأمم المتحدة إلى ما قال إنه “إقصاء رياضيين من طرف آخرين فشلوا في اختبار الهرمونات” الذي يجريه الاتحاد الدولي للملاكمة.
وكان ممثل روسيا يشير إلى الملاكمة الجزائرية إيمان خليف، التي تعرضت لحملة هجوم واسع وعنيف عقب فوزها على نظيرتها الإيطالية أنجيلا كاريني، بعد 46 ثانية من بداية المنازلة. و التي انسحبت بعد تلقيها لكمة قوية من خليف، التي واجهت اتهامات بأنها “متحولة جنسيًا”.
بينما رد ممثل الجزائر لدى الأمم المتحدة على نظيره الروسي، خلال جلسة الإحاطة بمجلس الأمن، مؤكدًا أن “الملاكمة الشجاعة، الآنسة إيمان خليف، ولدت أنثى، وعاشت طفولتها بنتًا يافعة، ومارست الرياضة كامرأة بكامل المقاييس”.
وزاد “لا يوجد أدنى شك حول ذلك، إلا من له أجندة سياسية لا ندري مقاصدها”، وخاطب ممثل الجزائر نظيره الروسي والحضور بمجلس الأمن، قائلًا: “أكتفي بإحالة الجميع إلى اللجنة الأولمبية الدولية نفسها، والتي بكامل الوضوح وبشهادتها تقصم ظهر كل مشكك في بطلتنا الشجاعة الأبية”.
ثامنًا: الموقف الإماراتي:
خلف الأدوار الخارجية الصاخبة يكمن دور غير صاخب ونشط، ساهم في رسم ملامح المشهد السياسي الحاضر، دور أسس لتقارب بين إبراهيم الدبيبة مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء (عبدالحميد الدبيبة) والعقل الأمني للحكومة، وصدام حفتر رئيس أركان القوات البرية في جيش حفتر والابن الأقوى من بين أبنائه، دور أبو ظبي.
مثلت علاقة حفتر الابن بإبراهيم الدبيبة قناة تواصل وتعاون مهمة في عدد من الملفات الحاسمة، فكانت القناة الأبرز في إنجاح مقايضة فك حصار النفط مقابل تعيين فرحات بن قدارة رئيسًا للمؤسسة الوطنية للنفط. وتعمل أبو ظبي بهدوء على تأسيس ما يشبه الشراكة بين آل الدبيبة وآل حفتر.
وربما يدفع نجاح أبو ظبي في حل مشكلة النفط في محاولة التدخل في مشكلة المصرف المركزي، والوصول إلي حل شبيه بالحل السابق الذي يسفر عن مزيد من التقارب بين الدبيبة وحفتر.
ختامًا؛
تشير التطورات السابقة إلي أن جبهة الشرق في وضع سياسي وقانوني ومالي أقوى من جبهة الغرب؛ ما يعزز من موقفها إذا كانت الحرب هي الخيار، ويعزز موقعها التفاوضي إذا كان الحوار هو الوجهة. فالجبهة الغربية تواجه اضطرابًا وارتباكًا يهدد تماسكها؛
فالمجلس الأعلى للدولة صار إلى ضعف أكبر بعد الانقسام والنزاع الذي وقع خلال انتخابات رئاسة المجلس، بجانب تصاعد الخلافات بين المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة من جانب ومحافظ المصرف المركزي من جانب آخر. فيما تتوزع ولاءات التكتلات العسكرية داخل العاصمة طرابلس بين هذا الطرف أو ذاك، وقد كانت مواجهات حي تاجوراء بالعاصمة مؤشرًا على الاصطفاف الذي قد ينزلق إلى صدام أوسع.
خارجيًا، فإن جبهة الشرق تستفيد من المشروع الروسي الحيوي في إفريقيا الذي يعتمد على ليبيا كبوابة ومعبر حيوي، وذلك في ظل غياب سياسة غربية، أمريكية أوروبية، رادعة، كما تعتمد على الدعم المصري الذي يعمل على عدة مسارات من بينها ترجيح كفة جبهة الشرق سياسيًا وعسكريًا.
أما تركيا التي هي حجر عثرة أمام خطط تحكم الشرق الليبي في القرار السياسي والمالي والعسكري، فقد بدت على استعداد للتراجع خطوات عن سياساتها السابقة إذا حققت أهدافها المتعلقة باتفاق ترسيم الحدود البحرية وتأمين حصة جيدة في مشاريع الإعمار، وهي مصالح تتحكم فيها بدرجة لا بأس بها سلطات الشرق الليبي.
_______________