شهد شهر أغسطس 2024 تصاعد في حدة الخلافات بين الأطراف الفاعلة في الأزمة الليبية. وقد تمركزت هذه الخلافات بصورة رئيسية حول انتخابات رئاسة المجلس الأعلى للدولة، وتغيير محافظ المصرف المركزي، والتحركات العسكرية لقوات حفتر نحو المنطقة الغربية.

وتسعي هذه الورقة إلي توضيح هذه الخلافات وأبعادها، مع الإشارة إلي أهم المواقف الدولية (روسيا والولايات المتحدة الأمريكية) والإقليمية (مصر والجزائر والإمارات) من هذه الخلافات.  

أولًا: انتخابات رئاسة المجلس الأعلى للدولة:

يشكل المجلس الأعلى للدولة الليبي جسمًا استشاريًا لمجلس النواب وفقًا لاتفاق الصخيرات الموقع عام 2015، كما أنه قام بالعملية السياسية بالشراكة مع مجلس النواب طيلة السنوات الماضية. ويجري مجلس الدولة الليبي انتخابات رئاسته سنويًا وبشكل دوري منذ تشكله عام 2015، إذ تولى رئاسته بداية عبد الرحمن السويحلى، قبل أن ينتخب خالد المشري بديلًا عنه عام 2018، واستمر في رئاسته لخمس دورات متوالية، وفي العام الماضي (2023) تم اختيار تكالة خلفًا للمشري.

وقد انعقدت جلسة للتصويت علي اختيار رئيس مجلس الدولة الليبي، في 6 أغسطس 2024 بمشاركة 139عضوًا، وبعد أن مرت عملية التصويت بجولتين انتهت بحصول رئيس المجلس السابق خالد المشري على 69 صوتًا، والرئيس الحالي محمد تكالة على 68 صوتًا، وامتناع عضو عن التصويت واستبعاد ورقة تصويت عضو آخر بسبب مخالفته لشروط التصويت، اندلع جدل حاد بين الأعضاء على خلفية إسقاط الورقة المخالفة لشروط التصويت من العد.

وعلى خلفية هذا الجدل انقسم الموقف حيال الورقة الجدلية، ففيما طالب أنصار تكالة باحتساب الورقة كون المصوت كتب اسم تكالة على ظهر الورقة دون أن تحمل أي رموز أخرى تشير إلى قصد معين، ويصير بذلك تكالة نظير المشري في عدد الأصوات لتجري جولة تصويت ثالثة للحسم، تشدد أنصار المشري في اعتبار أن كتابة اسم المرشح على ظهر الورقة في حد ذاته سبب كاف لإسقاطها من العد وفقًا للائحة المجلس.

وتبطل لائحة المجلس أي ورقة تحمل أي “علامة تعريف أو تمييز”، وعلى ضوء ذلك يصبح المشري متقدمًا على تكالة بصوت وتؤول إليه الرئاسة.

ولحسم الخلاف، قرر تكالة إحالة أوراق التصويت إلى المحكمة العليا للفصل فيها، فيما رفض المشري ذلك وطالب بتكليف اللجنة القانونية بالمجلس للنظر في الخلاف وحسمه، قبل أن يعلن تكالة عن توجهه لإجراء جولة جديدة من التصويت إذا لم يفصل القضاء في الخلاف قبل يوم العشرين من أغسطس 2024، إلا أن المشري عاد وأصر على فوزه في الانتخابات، وأنه الرئيس الشرعي للمجلس.

ورغم أن محكمة جنوب طرابلس الابتدائية قضت برفض الطلب المقدم من ثلاثة أعضاء بمجلس الدولة بشأن بطلان جلسة انتخاب رئيس المجلس وما نتج عنها. وفي حين أكدت إدارة القانون بالمجلس الأعلى للقضاء بعدم اختصاصها بالبت في خلاف “ورقة التصويت” في انتخابات رئاسة مجلس الدولة، وأن الأمر يستلزم عرضه على القضاء المختص للفصل فيه، وفق ما تقضي به اللوائح الداخلية للمجلس.

إلا أن التفسيرات اختلفت حول دلالة تلك القرارات؛ ففي حين قال المشري إن هذه القرارات حسمت الخلاف لصالحه، فإن تكالة أكد علي أن الحكم الصادر يقضي ببطلان جلسة انتخاب الرئيس، مضيفًا أنه سيعمل على خلق بيئة مناسبة لإجراء انتخابات الرئاسة للمجلس خلال المرحلة القادمة.

وليقوم رؤساء اللجان الدائمة بمجلس الدولة، في 22 أغسطس 2024، بعقد اجتماع لمناقشة سبل الوصول إلى حل لحالة الانسداد التي وصلت إليها الأزمة بعد تمسك المشري وتكالة بموقفيهما حيال نتيجة الانتخابات، وأشاروا إلى أنه تم تشكيل لجنة تواصل من أجل تحقيق توافق بين طرفي النزاع، وأن اللجنة بذلت جهود كبيرة، إلا أنها لم تتوصل إلى حل. وقرر رؤساء اللجان الدائمة رفض الدعوة لعقد جلسة عامة من كلا طرفي النزاع، وذلك لما اعترى مشروعيتهما من تنازع، وعدم مشاركة رؤساء اللجان فيها وإبداء رأيهم بجدول الأعمال.

وأعلنوا الاتفاق بالإجماع على أن الورقة الانتخابية محل النزاع هي ورقة باطلة، ولا يعتد بها، وذلك لما اعتراها من تمييز واضح كونها لأول مرة في تاريخ انتخابات المجلس تكتب بهذه الطريقة، وأيضًا عدم تمسك مراقب أحد الطرفين بها واعتبارها ورقة بيضاء إلا بعد إتمام عملية الفرز.

ودعوا لعقد جلسة عامة للمجلس يترأسها أكبر الأعضاء سنًا وأصغرهم سنًا مقررًا، وذلك لاستكمال انتخابات باقي أعضاء مكتب الرئاسة يوم الأربعاء الموافق 28 أغسطس 2024 حفاظًا على وحدة وتماسك المجلس.

ويمكن فهم وتفسير أبعاد أزمة انتخاب رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبي وفقًا لما يلي:

1- الخلاف القانوني:

فهناك خلاف في التوصيف القانوني لأمر الورقة المثار حولها الجدل، ليبنى عليه تحديد الجهة المخولة بالفصل فيه؛ أي هل الخلاف إداري حول خطأ إداري ليفصل فيه القضاء الإداري أم دستوري لتفصل فيه المحكمة الدستورية؟.

ففي حين يري المشري أن الخلاف إداري وبالتالي فإن اللجنة القانونية بمجلس الدولة هي الجهة المختصة بالفصل في الجدل القانوني الذي ثار خلال جلسة الانتخابات كما تنص اللائحة الداخلية للمجلس، فإن تكالة يري أن الخلاف دستوري وبالتالي يتمسك بإحالة الاشكال للدائرة الدستورية بالمحكمة العليا كونها أعلى جهة قانونية، أو بجولة ثالثة تحدد من الرئيس الفعلي.

ويري البعض أن المشري يتمسك بإحالة الأمر للجنة القانونية بالمجلس كون رئيس هذه اللجنة هو عادل كرموس، وهو مرشح منافس ورئيس كتلة التوافق المعارضة لتكالة، وبالتالي لا يمكن أن يكون هو الخصم والحكم.

كما يرجح أن يكون وراء رفض المشري إجراء جولة ثالثة للتصويت خوفه من ألا يتحصل على هذه الأصوات التي تحصل عليها مجددًا، خاصة وأن اللائحة ستحسم الأمر لتكالة إذا تساوت الأصوات في الجولة الثالثة بأن تؤول الرئاسة إلى الأكبر سنًا، وتكالة أكبر سنًا من المشري.

2- الخلاف السياسي:

فالمشري ومؤيديه يقرون القاعدة الدستورية والأساس القانوني للانتخابات الذي اعتمده مجلس النواب، ويدفعون باتجاه إسقاط حكومة الوحدة برئاسة عبدالحميد الدبيبة، وكاد المشري، في ولايته السابقة، أن يتوافق علي حكومة بديلة عن حكومة الدبيبة مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، قبل أن يتم الإطاحة به خلال انتخابات المجلس، بفارق 4 أصوات فقط لصالح تكالة؛ حيث كان هناك حديثٌ عن وجود صفقة بين الدبيبة وأعضاء المجلس؛ من أجل قطع طريق الفوز على المشري؛ بسبب تقارب الأخير مع مجلس النواب.

بالمقابل، فإن تكالة وأنصاره في المجلس يتحفظون على الأساس الدستوري والقانوني للانتخابات، ويعلقون التغيير الحكومي، وهو المطلب الرئيسي للنواب، حتى يتم إعادة النظر في المسار التشريعي الخاص بالانتخابات.

وقد تجلي الخلاف بين عقيلة صالح ومحمد تكالة مؤخرًا؛ عندما أعلن الأول رسميًا البدء في إجراءات تشكيل سلطة تنفيذية موحدة (حكومة) في ليبيا، في 18 يوليو 2024، واعتبره “استجابة لنتائج اجتماع القاهرة، في 18 يوليو 2024، بين أعضاء في مجلسي النواب والدولة (الليبيين)”.

وفي المقابل، أعلن تكالة، في 11 يوليو 2024، تعليق مشاركته في جميع الحوارات مع صالح؛ بدعوي “تجاوزات وعبث مجلس النواب، بعد أن أصدر المجلس قانون الموازنة العامة للبلاد منفردًا بعيدًا عن التشاور مع مجلس الدولة”.

كما أصدر المجلس الأعلى للدولة بيانًا موقعًا باسم المترشح لرئاسة المجلس محمد تكالة استنكر فيه استقبال الحكومة المصرية لرئيس حكومة مجلس النواب “غير المعترف بها دوليًا”، واعتبر تكالة أن لقاء رئيس الحكومة المصرية، مصطفى مدبولي، بحماد “يتعارض مع الاتفاق السياسي الليبي، ويعد تدخلًا غير مقبول في الشؤون الداخلية يؤدي إلى تأجيج الصراع وتعقيد جهود تحقيق الاستقرار”.

يتبع

______________

مواد ذات علاقة