ماري فيتزجيرالد

في مايو 2014، أطلق الجنرال الليبي خليفة حفتر عملية عسكرية غير مصرح بها آنذاك من بنغازي، ثاني أكبر مدينة في ليبيا. وكانت العملية، التي أطلق عليها حفتر اسم “الكرامة“، تركز على بنغازي، ولكنها لم تقتصر عليها؛ وكان هدفها المعلن القضاء على ما وصفه حفتر ورفاقه بالإرهاب.
ومع ذلك، فقد أثارت موجة من المعارضة المسلحة من جانب أولئك الذين اشتبهوا في أنها كانت ذريعة لطموح الجنرال السبعيني لحكم ليبيا.
في الخامس من يوليو 2017، أعلن حفتر “التحرير” الكامل لبنغازي، على الرغم من أن القتال في منطقة وسط المدينة في سيدي خريبيش لم ينته إلا في يناير 2018.
بين عامي 2014 و2018، خضعت بنغازي لأهم تحوّل في تاريخها الحديث، مع النزوح، والحرمان، وقتل الآلاف مما قلب ديناميكيات وعلاقات اجتماعية واقتصادية عمرها أجيال.
ولم تؤثر العواقب على المسار الحالي للمدينة فحسب، بل أثرت أيضًا على التطورات السياسية والاجتماعية في ليبيا بشكل عام.
وأسفر الصراع الذي دام أربع سنوات عن تدمير مناطق كبيرة من بنغازي؛ وفي عام 2021، أعلنت بلديتها إنها وثقت أكثر من 6000 عقار تضرر جزئيًا أو كليًا أثناء القتال. وعلاوة على ذلك، فقد أدى الصراع إلى تقسيم العائلات والجيران، ودفع إلى أوسع نزوح في ليبيا ما بعد الاستعمار، وخلق أشكال جديدة من الهويات المتجذرة في المظالم والسرديات الحزبية لما أُشعل فتيل الصراع.
وفي هذا البلد، حيث ظل إرث إعادة توزيع الممتلكات في عهد معمر القذافي عقبة أمام المصالحة، أدت عمليات الاستيلاء على الممتلكات والأراضي على نطاق واسع أثناء وبعد القتال إلى المزيد من العداء في بنغازي.
بعد وقت قصير من إطلاقها، اكتسبت عملية الكرامة دعمًا شعبيًا كبيرًا بين سكان بنغازي، الذين أصبحوا محبطين بشكل متزايد بسبب تدهور الأمن.
قد هزت سلسلة من الاغتيالات المدينة. وكان من بين الضحايا أفراد الأمن من النظام السابق وقضاة وصحفيين إلى جانب نشطاء المجتمع المدني، وقد أدت عمليات القتل ــ التي كانت في الغالب عبارة عن استهداف سيارات بإطلاق نار من سيارات مسرعة، وتفجيرات، كل ذلك أدى إلى توليد الخوف والرعب والغضب على نطاق واسع في المدينة.
ألقى العديد من المعلّقين حينها باللوم على جماعات مسلحة، بما في ذلك أنصار الشريعة، التي صنفتها الولايات المتحدة على أنها تابعة لتنظيم القاعدة في يناير 2014 بعد أن ارتبطت بالهجوم على البعثة الدبلوماسية في عام 2012 والذي قُتل فيها السفير الأميركي كريس ستيفنز والعديد من زملائه.
وبعيداً عن دورها المشتبه به في الاغتيالات والتفجيرات التي هزت بنغازي، فقد أزعجت أنصار الشريعة الكثيرين لفترة طويلة.
وقد أدى الجدل حول كيفية معالجة مشكلة الوجود المتزايد للجماعة وشركائها ونفوذها في المدينة إلى انقسام السكان قبل إطلاق عملية الكرامة، وأثبتت تلك الانقسامات لاحقاً أنها كانت أحد المحركات الرئيسية للصراع الذي أعقب ذلك.
بدأت عملية الكرامة بهجمات وضربات جوية (من طيران غير ليبي) على أنصار الشريعة، فضلاً عن العديد من الجماعات المسلحة التي حددت نفسها على أنها “ثورية” وليس إسلامية.
وفي مواجهة التهديد المشترك، اتحد عدد من هذه الميليشيات مع أنصار الشريعة تحت مظلة أطلقوا عليها اسم مجلس شورى ثوار بنغازي. وواصلت بعض الجماعات التي لم تنضم إلى مجلس شورى ثوار بنغازي القتال إلى جانبها.
وقد استفاد حفتر وحلفاؤه من بروز أنصار الشريعة داخل تحالف مجلس شورى ثوار بنغازي، حيث عمل على تعزيز ادعائه بأن خصومه إرهابيون.
وعندما ظهر فرع لتنظيم داعش في بنغازي في أواخر عام 2014، قام بتجنيد عشرات من أعضاء أنصار الشريعة، الذين انضموا إلى العائدين من سوريا والمقاتلين الأجانب. وأصبحت عمليات قطع الرؤوس وغيرها من التكتيكات الوحشية المرتبطة بتنظيم داعش سمة من سمات القتال في بنغازي، مما ساعد في تعزيز الدعم الشعبي لعملية الكرامة.
وقد عززت هذه التطورات آراء أولئك الذين حذّروا مبكرا من أن نهج استعمال “القوة العسكرية فقط” في التعامل مع تحدي التطرف في بنغازي، إلى جانب استهداف حفتر العشوائي لمجموعة واسعة من الفصائل التي اعتبرها تهديدًا لطموحاته الشخصية، وبالتالي كان متوقعا بأن الأمر لن يتوقف في أطار المخاطرة بتحويل مجموعات أكبر وأكثر إلى متطرفين فحسب، بل دفع بنغازي أيضًا إلى حرب أهلية مطولة.
بعد الحرب، أصبح من الواضح أن هناك العديد من الديناميكيات المجتمعية الجديدة والغريبة قد نشأت في المدينة. وغالبًا ما تشكلت هذه الديناميكيات من خلال تصورات حول من خسر ومن ربح الصراع.
وبين أولئك الذين قاتلوا من أجل الكرامة أو دعموها بقوة، كان هناك مزاج الغلبة والانتصار. وقد بدا أن العديد منهم استفادوا ماديًا، حيث استولوا على الممتلكات المهجورة أو شاركوا في اقتصاد الحرب في بنغازي.
كان هناك إعادة ترتيب للمناصب الرئيسية في المدينة، مع استبدال الموظفين الحاليين بأفراد من القبائل الشرقية الذين يتصرفون بأنهم “منتصرون” بسبب دعمهم لحفتر وعمليته.
ولقد شعر سكان بنغازي الذين لم يشاركوا في الصراع ولكنهم تبنوا رواية الكرامة حول كيفية وسبب بدء الصراع بالارتياح لرحيل أنصار الشريعة وشركائها. وقد ارتبط العديد منهم من خلال ذاكرة جماعية للصراع باعتباره معركة ضد الإرهاب فحسب، وفي هذه العملية خلقوا بيئات اجتماعية جديدة ومنظمات مجتمع مدني جديدة.
وتسببت الديناميكيات الاجتماعية الجديدة التي جلبتها الحرب في إثارة القلق بين سكان المدينة. فقد أثار النفوذ الذي مارسه السلفيون المدخليون الكثير من الخوف والذعر. ومع تقدم حفتر عبر بنغازي أثناء الحرب، استولى المدخليون المسلحون الذين جندهم وسيطروا على المساجد والمؤسسات الدينية في المدينة.
وفي وقت لاحق، وبعد أن ترسخوا بشكل كامل، أصدر المدخليون أحكاماً ضد سفر النساء دون ولي أمر من الذكور الأقارب؛ ودعوا إلى الفصل بين الجنسين في جميع التجمعات؛ وشجبوا أي احتفال بمولد النبي محمد ، وهو عيد شعبي تقليدي في ليبيا؛ وحظروا المظاهرات باعتبارها إثماً؛ وروّعوا الجهات الفاعلة في المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية في المدينة.
كانت الديناميكية الأخرى الهدامة هي ظهور هويات إقليمية قوية. وكان هذا واضحًا بشكل خاص بين الجيل الأصغر سناً والذين لم يكن لديهم سوى القليل من الخبرة في مدينة بنغازي قبل الكرامة.
وقد أصبح العلم الأسود لإمارة برقة قصيرة العمر (1949-1951) والمرتبط مؤخرًا بالفيدراليين الذين يسعون إلى مزيد من الحكم الذاتي لشرق ليبيا والانفصاليين المتشددين، أصبح مشهدًا شائعًا بشكل متزايد في المدينة. كما بدأت بنغازي تبدو مختلفة تماما.
في حين كانت إعادة بناء الأحياء المتضررة خلال الحرب مجزأة، كما شهدت أجزاء أخرى طفرة في البناء. في كثير من الحالات، كان البناء المتزايد مرتبطًا بالافتراس والفساد الاقتصادي من قبل الدائرة الداخلية لحفتر – وخاصة أبنائه، الذين حصل عدد منهم على رتب عسكرية دون أي خلفية أو تدريب – ألى سيطرتهم على وحدات ما يعرف بالقوات المسلحة العربية الليبية.
في عام 2021، حذّر أسامة القزة، رئيس التخطيط البلدي في بنغازي، من أن الزيادة في البناء العشوائي وغير المنظم سيؤدي إلى ظهور مناطق سكنية مزدحمة تفتقر إلى البنية التحتية كالطرق والمياه وأنظمة الصرف الصحي وغيرها من البنى التحتية الأخرى.
بعد مرور عقد من الزمان منذ أن دفعت عملية الكرامة بنغازي إلى أربع سنوات من الاقتتال، لا يزال سكان المدينة – سواء كانوا من السكان الأصليين أو النازحين داخليًا أو النازحين إلى الخارج – مختلفون حول سبب الحرب ولماذا استمرت لفترة طويلة.
كان مسار الصراع موضوعًا للكثير من البحث والمراجعة، ولكن هناك إجماع على أن بنغازي شهدت تحولًا غير مسبوق نتيجة لذلك. لم تقلب الديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية الجديدة التي نشأت عن حرب 2014-2018 الوضع الراهن الذي دام أجيالًا فحسب، بل أدت أيضًا إلى ظهور هويات جديدة، سواء بين غالبية سكان بنغازي الذين كانوا مؤيدين على نطاق واسع لعملية الكرامة وبين أولئك الذين عارضوا العملية وتم نفيهم إلى المنطقة الغربية.
لقد خلقت الروايات الحزبية للحرب روابط طائفية قوية في أعقابها. وقد أثار اختفاء أو اعتقال أو قتل شخصيات بارزة منذ عام 2018 من حلفاء أو مؤيدي حفتر، ومن بينهم عضوة في البرلمان ومحامية وقائد سابق للكرامة، في بعض الحالات القلق والتشكيك في الوضع الراهن الحالي الذي يهيمن عليه حفتر والعملية التي أدت الوضع القائم.
في حين أن العديد من النازحين قد نزحوا داخليا واستقروا في مدينة بنغازي، يعتقد آخرون أنهم نزحوا بسبب معارضتهم لعملية الكرامة أو وجهات نظر سياسية أوسع نطاقًا مفادها أن المدينة لازالت غير آمنة بالنسبة لهم للعودة .
تمثل المدينة تحديًا صعبًا بشكل خاص لتحقيق المصالحة الوطنية في ليبيا. في غياب أي جهود مصالحة شاملة، ومن غير المرجح أن يتم حل الانقسامات والخلافات والتي استمرت لعقد من الزمان بين العائلات الممتدة والجيران والمجتمعات التي كانت تسمى بنغازي ذات يوم موطنًا لها.
***
ماري فيتزجيرالد ـ كاتبة وباحثة ومستشارة متخصصة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، مع التركيز على ليبيا. عملت في ليبيا لأكثر من عقد من الزمان. أمضت عدة أشهر على الأرض أثناء انتفاضة ليبيا عام 2011، وعاشت في طرابلس عام 2014، وتستمر في القيام برحلات منتظمة إلى البلاد.
