كوثر زنطور

لم تكن نهاية التجربة الفريدة سعيدة، فقد كان الصديق الكبير وعشرات من المسؤولين ضمن المتهمين في واحدة من أكبر فضائح الفساد المالي والمصرفي في عهد النظام السابق.

وفي تفاصيلها، وقّع منح قروض وتسهيلات عقارية بضمان من رئيس المخابرات، تسببت في إفلاس المصرف، وحُكم فيها على الصِّدِّيقْ في بداية التسعينات، بثلاث سنوات سجنا قضى منها 3 أشهر فقط، ومن السجن سافر إلى تونس حيث تقلّد منصبا في مصرف تُعد ليبيا من أكبر المساهمين فيه.

وظف خصوم الصِّدِّيقْ تلك القضية للطعن في تعيينه على رأس المصرف المركزي. لكن الكبير تمكن، مسنودا بداعميه، من احتواء حملة واسعة شُنت عليه، وكانت الحجة المقدمة للدفاع عنه، خصوصية تلك الفترة التي كان فيها الصِّدِّيقْ كجميع المسؤولين التنفيذين، يطبقون تعليمات العقيدوالنظام.

كشفت تلك القضية الأهم في شخصية الصديق الكبير، ليس من خلال إعادة التموضع السريع فحسب، بل خصوصا عبر حسن إدارة الأزمة والانحناء للعاصفة ببراغماتية أو انتهازية.

قد تختلف القراءات، لكنها عكست بالتأكيد صورة البيروقراطي الذي يعرف حدوده ويبحث عن مكان في ظل الشخص الأقوى.

هكذا نجا الصِّدِّيقْ من تقلبات النظام، وهو المحسوب على الرجل الثاني فيه، عبد السلام جلود، الذي حُوصر وفُرضت عليه الإقامة الجبرية منذ عام 1992 حتى ثورة فبراير/شباط 2011.

والشخصية الثانية

أما الشخصية المركزية الثانية في حياة الصديق الكبير، فهو عبد الرزاق العرادي، رجل الأعمال البارز والقيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين. والعرادي هو أيضا صديق طفولة المحافظ، من الحي نفسه في مدينة طرابلس.

وقد حصل الثنائي على منحة للدراسة في الولايات المتحدة الأميركية زمن القذافي. يعود تعيين الكبير محافظا للمصرف المركزي عام 2011 إلى العرادي، الذي كان آنذاك مثل الكبير، عضوا في المجلس الوطني الانتقالي، ومن هذا المجلس صدر قرار التعيين على رأس مؤسسة الإصدار الليبية.

تلك الصداقة أعطت اللون السياسي للصِّدِّيقْ الكبير، الذي يعرف عنه كـ إخواني، وتنسب إليه تقارير عدة تهما خطيرة، منها توظيف المصرف المركزي لخدمة التنظيموحلفائه وأجنداته، علاوة على دعم ميليشيات إرهابية، وهي تهم ينفيها الكبير.

وكان أشدها ما جاء عام 2018 على لسان سفير بريطانيا السابق في ليبيا، بيتر ميليت، أمام برلمان بلاده، الذي قال إن مصرف ليبيا المركزي يمول الحرب الأهلية ويدفع مرتبات للمسلحين.

دولة داخل الدولة

يدير الصِّدِّيقْ الكبير واحدا من أهم البنوك المركزية سلطة ونفوذا وصلاحيات ربما على المستوى العالمي، ويتهمه منتقدوه بأنه حوّل المصرف إلى مزرعة خاصةأو دولة داخل الدولة“.

وتقول شخصية ليبية قريبة من المبعوث الخاص للأمم المتحدة في ليبيا المستقيل حديثا لـالمجلة، إن ما يقوم به الصِّدِّيقْ الكبير ليس الأفضل وهو شخصية لا تتمتع بإجماع ولا بثقة كل الفاعلين، لكن ربما تغييره يفتح الباب أمام المجهول مع التطورات الجديدة في البلاد“.

من بين هذه التطورات، الحضور القوي لقوات فاغنرالروسية وما ينسب إليها من أدوار في تأجيج أزمة الهجرة غير النظامية. ونقلت صحيفة لوموندالفرنسية في تقرير في أبريل/نيسان المنصرم بعنوان ليبيا: اختفاء منذ فترة من الأجندة الدولية، عن مصدر ديبلوماسي تحذيره من تهميش الملف الليبي وقوله إنه قد يتحول إلى قنبلة قد تنفجر في وجه الجميع.

وكشفت الصحيفة عن وثيقة موجهة من وزارة الخارجية الأميركية إلى الكونغرس في شهر مارس/آذار الماضي تطالب فيها بموازنة بقيمة 12,7 مليون دولار لمواجهة نفوذ روسيا المتزايد في ليبيا.

وبذلك، قد يكون الصِّدِّيقْ الكبير، حليف واشنطن، مثلما يلقب، أكبر المستفيدين على الأرجح من العودة الأميركية، التي تعني ضمانات دعم قوي لمواجهة كل المناوراتالهادفة لإزاحته من منصبه.

آخر الثوار

يقف الصديق لاستقبال ضيوفه في الباب، بأناقة إيطالية وابتسامة هادئة ووجه بلا تعبير يتماشى مع الواجهة الرسمية التي يحاول الرجل ترسيخها، كتكنوقراطي مخضرم بتجارب متنوعة، بين أميركا حيث نال الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة هارتفورد، في ولاية كونيتيكت الأميركية، وليبيا إثر عودته إليها، حيث صعد سريعا في سلم الوظائف، ومنها إلى تونس، حيث عمل واستقر، ثم بريطانيا، التي أمضى فيها سنوات إلى حين قرار العودة مجددا إلى ليبيا.

لا تتوقع أي حركة عفوية من الصِّدِّيقْ الكبير، يقول مسؤول تونسي سابق كان قريبا من المحافظ الليبي، ويضيف: “هو شخصية إنطوائية وباردة وهو ماهر في التواصل، يجيد لا أقول التلون لكنه قادر على التعامل بعقل بارد مع كل الأوضاع، والتقلبات، وإدارة الأخطار، والأزمات. والصديق مصرفي صرف“.

لا يمكنك وأنت تتابع تصريحات أو خطابات الصِّدِّيقْ الكبير، إلا أن تلاحظ كيف يحرك يديه بشكل منتظم، وهي من التفاعلات التي تحظى باهتمام في دراسات لغة الجسد“.

وقد أشارت نتائج دراسات نشرتها بي. بي. سي.” إلى أنها تعكس سلاسة أقل في التعامل وهيمنة أكبر وسيطرة في الوقت نفسه، وبحثا عن الاقناع. لا يرد الصِّدِّيقْ الكبير على منتقديه إلا بنزاع قانوني، وبالاختفاء وراء الإجراءات.

لا يمكن القول إن الصِّدِّيقْ الكبير كان في فسحة طيلة فترة توليه منصبه الحساس، ولا يمكن الاستهانة بأخطار المعارك والصراعات التي خاضها ويخوضها، في بلاد تتضارب فيها الأجندات الدولية وتهيمن فيها الميليشيات المسلحة على الميدان، وفي بلاد قد يكون الرد فيها على قرار مرفوض بقذائف الهاون.

تتطلب مواجهة ذلك، رباطة جأش وشجاعة مع تنامي استهداف القطاع المصرفي. فقد شهدت البلاد خطف عشرات المسؤولين المصرفيين (أكثر من 50 عملية خطف في 3 سنوات)، علاوة على عمليات اختلاس مسلحة على الطريقة الهوليوودية.

طبعا، الكبير ليس في منأى من هذه الأخطار: ثمن رأس الصديق يساوي 2,5 مليون دولار. وكشفت صحيفة لوموندنقلا عن مصدر ديبلوماسي، أن الكبير هرب إلى تركيا في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2023، خوفا على سلامته الجسدية بعد مشاجرة عنيفة مع إبراهيم الدبيبة، إبن شقيق رئيس حكومة الوحدة الوطنية ومستشاره.

الشرعية النضالية

يصنف الصِّدِّيقْ الكبير ضمن مجموعة أبناء النظام المنشقين أو المتمردين، إذ كان ممن أعلنوا الانشقاق مع تطور المواجهات التي أدت إلى سقوط نظام القذافي عام 2011.

آنذاك، كان الكبير أشبه بمراسل حرب، أو بصحافي ميداني يقدم تطورات المعارك ويتابعها ويرصد أعداد المتمردين من ضباط وعسكريين ومسؤولين التحقوا بالثوار، وعدد الأسرىوالمناطق التي سقطت تحت سيطرة الثوار“.

وقتها كان الصديق يُعرف عبر منصة التواصل الاجتماعي فايسبوك، بـالمحلل العسكري“.

لذلك يعتبر الصِّدِّيقْ من الشخصيات التي ساهمت في الثورة، ليس من وراء البحار أو على الربوة في انتظار استكمال المعارك، إذ عاد المصرفي المرموق إلى ليبيا في أوج الأحداث، مما منحه شرعية نضالية وثورية، دخل بمقتضاها إلى المجلس الانتقالي الليبي، ومنه صعد، في مفاجأة للجميع، محافظا لمصرف ليبيا المركزي.

انطلق الصِّدِّيقْ في منصبه الجديد وتخلص سريعا من جلبابالثوري، صاحب خطاب التمرد والسلاح والدم، ليرسم صورة المسؤول المتزن الوقور الهادئ، خارج الحسابات السياسية، الحريص على حياد المؤسسة السيادية الأهم في البلاد، وحارس خزائنها الضخمة من نقد أجنبي وأطنان من معادن الذهب والفضة.

يقول مصدر ديبلوماسي لـالمجلةإن الصِّدِّيقْ الكبير يقول إنه على الحياد وإن لا علاقة له بالسياسة لكنه يكاد يكون السياسي الوحيد في ليبيا“.

قد يُنظر إلى الصديق كرجل الحرب والسلام.

تلخص الـ 13 سنة التي أمضاها على رأس المصرف المركزي الطبع الماكيافلي للرجل: الغاية تبرر دائما الوسيلة.

ويقول خصوم الصِّدِّيقْ إن منصب المحافظ كلّف خزينة البلاد مليارات، تحت عنوان ودائع للدول الحليفة، وتهاون في إدارة ملف الأموال المجمدة، تضاف إليها ملايين الدولارات الموجهة لشراء ولاءات الميليشيات المسلحة وخطابات اعتماد على المقاس تسببت في ارتفاع قياسي للأسعار وانحدار قيمة الدينار الليبي وسخاءمع الحكومات المطيعة تصل إلى حد صرف رواتب لأكثر من مليوني ليبي.

يعني، ببساطة، وبحسب منتقديه، أن الاستقرار هو سر بقاء الصِّدِّيقْ.

***

كوثر زنطور ـ صحافية تونسية متخصصة في الشأنين الاقتصادي والسياسي

_____________

مواد ذات علاقة