داود علي

معركة جديدة بين فرقاء العملية السياسية في ليبيا، محورها “الشركة العربية الليبية للاستثمارات الخارجية” (لافيكو)، حيث تتنازع السلطات في الشرق والغرب للسيطرة عليها منذ نهاية مارس/ آذار 2024.  وتأتي تلك المعركة في إطار مساعي سلطات الشرق للاستيلاء على “أكبر صندوق للثروة السيادية” في البلاد.

وفتحت الحكومة الموازية (غير المعترف بها دوليا)، التي يرأسها رئيس الوزراء أسامة حماد في مدينة طبرق شرق البلاد الجهود العدائية بتعيين أشرف صالح منصور جبريل رئيسا للصندوق.

حيث تحاول حكومة طبرق الاستحواذ على الفرع المصري لشركة لافيكوالتي تمثل الذراع الاستثماري للحكومة الليبية (القائمة في طرابلس غربا والمعترف بها دوليا) في الخارج، من خلال تسمية مجلس إدارة جديد

وهي خطوة تحتاج في جميع الأحوال إلى دعم القاهرة، وهو دعم كفيل بإحداث فارق، وإدخال الصراع إلى حيز جديد أشد شراسة وعدائية

فلماذا تمثل معركة السيطرة على لافيكوتلك الأهمية؟ ولماذا تعد كلمة القاهرة فاصلة في الصراع؟ وما هي حسابات القاهرة لتوجيه دفة انحيازها؟ 

حالة ارتباك

بداية أصدرت حكومة طبرق في 24 مارس 2024، وثيقة موقعة تنص على تعيين أشرف صالح منصور جبريل كرئيس، إضافة إلى أربعة أعضاء آخرين في مجلس إدارة شركة لافيكوفي مقرها بالقاهرة، هم مجدي سليمان ميلاد المهداوي، وعلي المهدي محمد أمين، وحافظ عيسى الكيلاني، وعلي محمد الزياني.

وبالفعل سار المعينون الجدد إلى مكاتب الشركة الليبية القابضة في ميدان أرابيلا بالحي الخامس بالقاهرة الجديدة، وفي حالة الارتباك الذي أعقب ذلك، تم إغلاق المكاتب

وفي 24 مايو/ أيار 2024، نشرت مجلة أفريكا إنتيليجنسالفرنسية، أن جبريل يحاول جاهدا إقالة رئيس مكتب لافيكو في مصر حامد الحضيري ومديرها الإداري عصام لاغة وأعضاء مجلس إدارتها الملحقين بمكتب لافيكو في طرابلس برئاسة موسى عتيق

وأضافت: “مع ذلك، لا يزال فريق الإدارة هذا يعد نفسه شرعيا، ويرفض تحركات جبريل المدعوم من طبرق“.

وذكرت المجلة الفرنسية أن هذه الخطوة الثقيلة تعكس إلى حد ما عودة الانقسامات بقوة بين الشرق والغرب في ليبيا.

وتتنازع طرابلس في الغرب وبرقة في الشرق بانتظام على السيطرة على المؤسسات الإستراتيجية في البلاد منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011. 

وفي الوقت نفسه، تم تجميد الأصول الأجنبية لصناديق الثروة السيادية الليبية كجزء من عقوبات مجلس الأمن الدولي منذ عام 2011.

الكلمة للتحالف

وأكملت أنه في ظل تلك المناوشات، سيتوجب على مجلس الإدارة الجديد أن يحصل حاليا على دعم القاهرة لإضفاء الشرعية على استحواذه على الصندوق الليبي.

والذي يعول فيه على التحالف بين القاهرة وقائد الجيش المتمركز في طبرق، خليفة حفتر.

ورغم توافق الأوضاع بين القاهرة وحكومة الوحدة الوطنية الليبية بقيادة عبد الحميد الدبيبة، لكنها تظل تعول على حفتر وحكومة الشرق لإخضاع ليبيا تحت إشراف قوة واحدة تدين بالولاء لمصر

وهو ما ظهر في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، عندما كشفت تقارير محلية ليبية أن صدامنجل قائد قوات شرق ليبيا، خليفة حفتر، والذي يجرى ترشيحه بقوة لخلافة والده، استضافه جيش النظام المصري في دورة تدريبية عسكرية للقادة بالقاهرة.

وأكدت أن العميد صدام، رئيس العمليات بالقوات البرية يشارك في دورة تدريبية بمصر حول القيادة والأركانرفقة 20 ضابطا ليبيا، لمدة 4 أشهر.

ما يعني أن المشروع المصري القديم في ليبيا لا يزال قائما، مع تغيرات في حسابات المصالح وإمكانية التنفيذ

ومع ذلك يطرح سؤال مهم، لماذا لا تعلن القاهرة اعترافها بتعيين صالح جبريل، وهو مبعوث شرق ليبيا التابع لجيش حفتر.

يجيب على السؤال خطوات التقارب التي اتخذتها القاهرة من طرابلس على مدار الفترة الأخيرة، ووصل الأمر إلى عقد اتفاقيات اقتصادية مهمة

ففي 18 مايو/أيار 2023، عقد رئيس حكومة الوحدة الليبية، عبدالحميد الدبيبة، اجتماعا مع وفد مصري رفيع المستوى، ضم رجال أعمال، ومسؤولين من جهاز المخابرات المصرية.

كان الهدف الرئيس المعلن من اللقاء، الكشف عن ملامح مقاربة مصرية جديدة في ليبيا، تقوم على ركنين أساسيين، أحدهما أمني والآخر اقتصادي.

لكن اللافت في اللقاء الذي جمع الدبيبة بالمسؤولين المصريين، ظهور رجل الأعمال المصري، المقرب من الأجهزة الأمنية، إبراهيم العرجاني الذي تنفذ شركاته الكثير من المشروعات الخاصة بتلك الأجهزة داخل وخارج مصر، لا سيما في قطاع غزة

وقتها أعلن المكتب الإعلامي لحكومة الوحدة في طرابلس، أن الدبيبة تابع مع الوفد المصري، خاصة مسؤولي جهاز المخابرات المصرية، نتائج أعمال اللجنة المشتركة المصرية الليبية، التي بدأت أعمالها قبل عامين، عقب زيارة رئيس الوزراء إلى القاهرة حينها، للقاء رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي.

لذلك فإن اتخاذ مصر خطوات غير محسوبة بدعم طرف على حساب طرف في أزمة شركة لافيكوقد يودي بمصالحها المستقبلية في ليبيا.

أهمية لافيكو 

لا سيما أن المخاطر المحيطة بالسيطرة على شركة لافيكو، وهي شركة تابعة لهيئة الاستثمار الليبية، مرتفعة

فهي الأكبر بين جميع صناديق الثروة السيادية الليبية، حيث تبلغ قيمتها 1.5 مليار دولار، وفقا لآخر تقديرات لافيكو في عام 2012، بينما تبلغ قيمة أموال صندوق الثروة السيادي بالكامل 68.4 مليار دولار

وفي مصر تحديدا، تدير لافيكوالليبية عددا من الشركات القابضة في مختلف القطاعات من خلال الشركة العربية للخدمات السياحية والفندقية، وشركة التكرير تام أويلوشركة السادس من أكتوبر للمشروعات الزراعية.

وفي 2019 جددت لجنة مجلس الأمن المنشأة بالقرار 1970 لعام 2011 بشأن ليبيا، قرارها بخصوص تنفيذ قرار تجميد الأموال الليبية في الخارج، تحديدا شركة لافيكو“. 

وأورد في القرار أن الفوائد أو الأرباح أو المدفوعات الأخرى للحسابات المجمدة للمؤسسة الليبية للاستثمار ومحفظة ليبيا (إفريقيا للاستثمار)، الناشئة بعد 16 سبتمبر/أيلول 2011، مجمدة أيضا.

ووفقاً لتقديرات المؤسسة، فإن أصولها، موزعة على محفظة طويلة المدى وشركة استثمارات خارجية ومحفظة إفريقيا، وشركة الاستثمارات النفطية، ويتمثل نصف الاستثمارات في سندات وأموال سائلة، والنصف الآخر مكون من 550 شركة موزعة بين العالم العربي وإفريقيا وأوروبا.

لافيكووالفساد

ويقع معظم أصول المؤسسة السائلة لافيكوتحت الحظر الأممي، نتيجة مطالبة المجلس الانتقالي أثناء الثورة، خوفا من استيلاء أطراف أخرى عليها، ما حرم البلاد منها رغم الأزمة المالية الخانقة التي تمر بها.

وكشفت صحيفة لو فيفالبلجيكية في 8 مارس/ آذار 2019، عن اختفاء أكثر من 10 مليارات يورو من الأموال الليبية الخاصة بالشركة، من حسابات مفتوحة في بنك يوروكليربين نهاية 2013 و2017.

وأشار تقرير لوكالة يورونيوزالأوروبية إلى أنه في عام 2017، حين حاول قاضي التحقيق ميشال كليز وضع اليد على المليارات من الدولارات المجمدة في إطار التحقيق بقضية تبييض أموال، تبين له أن في الحسابات الأربعة في البنك البلجيكي لم يتبق سوى أقل من خمسة مليارات يورو.

وتأسس الصندوق السيادي الليبي على رأسه شركة لافيكوفي 28 أغسطس/ آب 2006، وكانت تدار استثماراته عبر مجلس الأمناء للمؤسسة الليبية للاستثمار ويضم في عضويته وزير المالية ومحافظ مصرف ليبيا المركزي ووزير التخطيط والمدير التنفيذي للمؤسسة الليبية للاستثمار.

وفي 21 مايو 2024، كتب أسامة سحومي، المستشار الليبي المتخصص في مكافحة الفساد، عبر صفحته بموقع إكسقائلا: “حرب تكسير عظام بين حكومة حماد وحكومة الدبيبة، حيث الرابح فيها خاسر، بمعنى أن الخاسر الوحيد هو أموال الشعب الليبي، بينما الرابح فيها هم الأطراف الخارجية“. 

وأضاف: “هناك تسريب صوتي للمدعو أشرف جبريل (المعين كرئيس لافيكو من قبل حكومة الشرق) يدعي فيه أنه يمثل الشرعية والبرلمان، وأنه تمكن من استخراج سجل تجاري جديد واعتماده في جمهورية مصر” 

وأكمل: “في النهاية، تبدو هذه الحرب الداخلية وكأنها ستستمر، مما يزيد من تضرر أموال الشعب الليبي، واستفادة الأطراف الخارجية“. 

______________

مواد ذات علاقة