عبدالرزاق العرادي

هذا خطاب واضح وصريح، من ناصح، محب لأهله ووطنه
قد يسأل سائل ولماذا هذا الخطاب الآن؟ وما هي أسبابه ودوافعه؟
فأقول: إن هذا خطاب من مشفق، شارك في الثورة من أجل الحرية والكرامة الإنسانية؛ التي فقدناها طيلة عقود أربعة من عمر نظام القذافي، وعقد خامس من الفوضى التي تسبب فيها ميراث تلك العقود.
تلك الحرية التي يهددها شبح بعض مراكز القوة المختلفة، التي راكمت السلاح والمال القذر، وتسعى لوأدها، وإرجاعنا إلى الاستبداد، عبر بوابة حكم العسكر، أو بوابة استمرار حالة الفوضى، أو الرجوع إلى حكم الفرد من جديد.
هذا خطاب بدون عنوان، ولكن قارئه، من الذين يعنيهم الأمر، يعرفون في أي سطر ذُكروا، وإن لم تُذكر أسماؤهم، فهم أعلم بأنفسهم من غيرهم.
أعلم أن العديد منكم قد صار مركز قوة أو تابعٌ لمركز قوة .. وأعلم أن هناك من يخطط لحرب في العاصمة، سيكون المنتصر فيها هو أول الخاسرين ..
الدول المتدخلة في الشأن الليبي، ومن ضمنها قوى عظمى، ترى أن الحرب هي الحلُّ، وتعتبرها من أهم المداخل التي تمكنها من التحكم في أدوات اللعبة .. بهزيمة الضعيف، وإخضاعه، وإضعاف القوي المنتصر المنهك.
فالحرب هي وسيلتهم لتمرير أجندتهم، والتحكم في المشهد من خلال أحد أصولهم الموثوقة.. كل ذلك في إطار الصراع على الجغرافيا، بين الكبار فلا تكونوا وَقودها.
الحقيقة المرة أن الوضع السياسي في ليبيا سَهَّل عليهم تمرير نظريتهم، بأن الحل يكمن في الحرب، وما هي بحل بل هي كمين.
لذلك، وقبل أن أقدم هذه النصيحة، دعوني أضع بين أيديكم الورطة التي، وجد بعضكم نفسه فيها، أستعرِضُها، وأستعرِضُ بعدها ما أراه السبيل للخروج منها.
كتبت ذات مرة أن بعض الثوار تورطوا في “ممارسات سيّئة، بل قذرة في بعض الأحيان، وأن حالة الغضب وحبّ الانتقام والتشنّج طغت على المشهد، وتورّط العديد من الثوار في ممارسات مجرّمة طوال السنين، فأصبح بعض أبطالنا مجرمين“، ولذلك صار “سعيهم للسيطرة، بسبب خوفهم من المحاسبة“و
فهم في صراع من أجل البقاء، ويجمعون المال من حِلّه وحرامه، من عدوّهم وصديقهم، ولذلك أصبحوا في دوامة من الخوف، يعاد باستمرار هندسة التحالفات فصديق اليوم عدو، وعدو الأمس صديق.
ابتزوا المؤسسات، وسيطروا عليها، وجمعوا المال القذر، وسهلت لهم بعض الدول في المغارب والمشارق وفي الشمال، فتح حسابات مصرفية لتودع فيها تلك الأموال القذرة، تحت بصر تلك الدول.
يستقبلونهم تحت الطائرة، كأنهم قادة، ويصورون مخازيهم في الفنادق، ويجعلونها ورقة ضغط يبتزونهم بها. بتلك المخازي سقطت الإرادات وبيعت الأوطان.
السقوط الأخلاقي
إن السياسي [وكذلك العسكري] في نهاية المطاف بشر، مهما كان عمره أو دينه أو وطنيته، وقد يقع في المطبات التي يرسمها عدوه، أو حتى من يدعي صداقته ظاهرا، وباطنه السعي لتحقيق المصالح لا أكثر.
وإن هذا الصديق العدو لَيسره فساد خصمه الأخلاقي، وفساد ذمته المالية، فهو يسعى باستمرار للحصول على مستمسك يبتزه به، ويمتشقه سيفا يشهره عليه كلما أراد ترويضه، مستغلاً خوفه من أن يطّلع الناس على خباياه غير الطيبة.
بذلك يقع الوطن والمواطن، ومقدرات البلاد رهينة لهذا السقوط في الأوحال، فتُباع إرادات الشعوب بأبخس الأثمان، ولو علم هؤلاء أن صيانة الأوطان غالية، لكان أهون عليهم أن يُنعتوا بالصغائر والكبائر من أن يُنعتوا بالخيانة، ومن أن يفرطوا في الأمانة.
الحكومات والدولة
جلُّ الحكومات كانت دائما تسعى لاستخدام الكتائب، تُقرّب وتُبعد، تُعطي وتَمنع، من أجل أن تبقى أطول أجل ممكن في الحكم.
ثورة فبراير جاءت من أجل حكم مدني، لا يستخدم الجيش والأمن لصالح حاكم، بل لصالح الوطن؛ يحمي الحدود، ويدافع عن الدستور، ولا يتدخل في السياسة. ولكن الواقع كان غير ذلك؛ فكان كل من قَرّبته الحكومة من العسكريين والأمنيين يعمل على بقائها، ويستعدُّ للدفاع عن أشخاصها، ومن أَبعدته يسعى للتخلص منها.
من بين القادة العسكريين والأمنيين الوطنيين، من يسعى بكل تأكيد وإصرار لإخراج البلاد من إرث الفوضى، وإعطاء الأولوية لبناء الدولة على أسس وطنية، وتحقيق العدالة والمصالحة، ولكن هناك أيضا من يريد الدولة على مقاسه لتستمر سطوته، وليبقى كمركز قوة.
وبين هذا وذاك، هناك من يرى أن الحرب هي الحل الذي يبقى على القوي ويزيح الضعيف، ولا يدري هذا القوي أنه سيكون الضعيف، ولن تبقى له باقية ..
لعبة الحرب، في الأمس القريب، نجحت في إلغاء كتائب وقادتها، ولكن مخلّفات تلك الكتائب ومن بقى منها، أعادت رسم تحالفاتها، وهي الآن تتربص للانتقام بعد أن سُلحت وجهزت من الحليف الجديد الذي هدفه في النهاية هو القضاء على الجميع بعد إضعافهم بالحروب فيما بينهم.
فما الحل؟
…
يتبع
______________
المصدر: صفحة الكاتب على التويتر