إعداد: وحدة التحولات الداخلية
نظمت وحدة التحولات الداخلية بالمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية في 16 أبريل 2016 حلقةً نقاشية بعنوان “اليوم التالي: إشكاليات إعادة إعمار الدول المنهارة في الشرق الأوسط“.
وشارك في الحلقة النقاشية د. عبد المنعم سعيد مدير المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة مديرًا للحلقة النقاشية، و د. محمد عز العرب الخبير في شئون الخليج بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية مقررًا للحلقة النقاشية، بالإضافة إلى مشاركة كل من أ. خالد إبراهيم بكار رئيس اللجنة المركزية لتحالف القوى الوطنية الليبية، والأستاذ مصطفى نصر، رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي باليمن، والكاتب والإعلامي العراقي الأستاذ صلاح نصراوي، وعدد من الخبراء المتخصصين في شئون الشرق الأوسط.
تواجه أطروحات إعادة الإعمار في دول المنطقة العديد من التحديات والإشكاليات التي يمكن أن تحول دون نجاحها، وفي هذا السياق، يمكن تلخيص أبرز تلك الإشكاليات في الآتي:-
1- التدمير الكامل للبنية التحتية: فقد أسفرت الحرب في سوريا عن حالة تدمير شبه تام للبنية التحتية السورية، بلغت قيمة خسائر البنية التحتية في سوريا ما يزيد عن 202,6 مليار دولار، زادت بشكل أكبر في الشهور الأخيرة بعد التدخل الروسي في الصراع السوري بشكل صريح، حيث تشير التقديرات إلى تدمير ما يزيد 3994 مدرسة بشكل كامل، وتضرر 3423 بشكل جزئي، فضلًا عن تحوُّل ما يقارب 1200 مدرسة إلى سجون ومراكز اعتقال وتعذيب.
أما في ليبيا، فيبدو أن المنشآت النفطية كانت الأكثر تدميرًا واستهدافًا في الصراع المسلَّح، ففي يناير من العام الجاري بعد توقيع اتفاق الصخيرات، بدأ تنظيم داعش في توجيه ضربات قوية للمنشآت النفطية، كان أبرزها؛ إشعال النيران في صهاريج تخزين النفط التابعة لشركة “الهروج” للعمليات النفطية بالقرب من مينا رأس لانوف، وهو ما تكرر نسبيًّا في اليمن، حيث تم تدمير منشأة “رأس عيسي” النفطية بمحافظة الحديدة.
كما تضررت بشكل واضح البنية التحتية في اليمن منذ بداية الصراع في اليمن، بخاصة منذ الشروع في عملية عاصفة الحزم، حيث تم تدمير عدد هائل من المنشآت، وخصوصًا البنية الصناعية، حيث بلغ عدد المصانع المدمرة 169 مصنعًا، علاوة على المطارات والموانئ، والمنشآت التعليمية في اليمن، فوفقًا لتقرير صدر عن وزارة التعليم الفني والتدريب المهني، فقد تم تدمير 42 مؤسسةً فنيةً ومهنيةً وكلية مجتمع، بلغت خسائرها ما يزيد عن 600 مليون دولار.
2- التكلفة الضخمة لإعادة الأعمار، رفعت حالة التردي والتدمير التي شهدتها البنى التحتية لبلدان الصراعات في المنطقة فاتورة تكلفة عمليات إعادة الإعمار. فوفقًا لتقديرات البنك الدولي، فإن عملية إعادة إعمار سوريا تحتاج ما يزيد عن 170 مليار دولار، في الوقت الذي تحتاج فيه ليبيا، وفقًا للبنك، ما يزيد عن 100 مليار دولار. أما اليمن، فوفقًا للتقديرات الحكومية اليمنية التي عبر عنها محمد المتيمي– وزير التخطيط اليمني– فإن تكلفة إعادة الأعمار تصل ما يربو 100 مليار دولار، بينما بلغت التكلفة المتوقعة لإعادة إعمار محافظة الأنبار العراقية، متضمنة مدنها التسعة بعد الهجوم الداعشي عليها، ما يزيد عن 20 مليار دولار، وذلك وفقًا لتقديرات الحكومة المحلية في المحافظة.
3- التسويات السياسية الهشة: حيث انهارت التسوية في اليمن التي كانت ترعاها الدول الخليجية، بحيث لم يعد للمبادرة الخليجية وجود، مما أدى لانزلاق البلاد في أتون صراع مسلَّح، لا يبدو معه أن هناك أية ملامح في الأفق لتسويةٍ وَفْقًا للمعطيات الحالية. ولعل تجربة التسوية الليبية الحالية، حتى بعد إعلان حكومة الوفاق بقيادة فايز السراج، لا تزال تواجه العديد من التحديات التي يمكن أن تؤدي إلى فشلها، يأتي في مقدمتها رفض بعض الميليشيات لها، وهو ما يجعلها أيضًا تتسم بقدر من الهشاشة؛ ولاسيما مع ما تتمتع به القبائل الرافضة لها بقوة على الأرض. وهو ما يفرز قدرًا كبيرًا من عدم اليقين لدى الأطراف الدولية والإقليمية، مما يجعلها تُحجِم عن المشاركة في أية عملية إعادة إعمار على الأقل في الوقت القريب.
4- غياب النماذج والخبرات التاريخية: فلم تشهد منطقة الشرق الأوسط نموذجًا واحدًا ناجحًا يمكن أن يُحتذَى به، أو يمكن محاكاته فيما يخص تجارب وعمليات إعادة الإعمار، بل العكس من ذلك، فكافة التجارب التاريخية فشلت فشلًا ذريعًا، ومن ثَمَّ، فلم تحقق الهدف الذي كان مرجوًّا منها، بخاصة الحالة الأبرز، وهي العراق بعد الغزو الأمريكي لها عام 2003، فقد واجهت تجربة إعادة إعمار العراق العديدَ من التحدِّيات ومجالات الفشل، منها؛ إهدار قرابة المائة مليار دولار نتيجة الفساد والعمولات والبيروقراطية والخصومات الداخلية، فضلًا عن بحث الأطراف المشتركة في عملية إعادة الإعمار على أكبر قدر من الاستفادة، ذلك علاوة على غياب التنسيق بين المكاتب والمؤسسات والوكالات المنوطة بعملية إعادة الإعمار التي بلغ عددها حينها 62 وكالة، مما أسفر عن عدم قدرتها على القيام بدورها.
مشروطيات فاعلية إعادة الإعمار
تتسم سياقات إعادة الإعمار في دول الشرق الأوسط بقدر كبير من التعقيد، ويتصدرها تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية والفواعل المسلحة من غير الدول، وانتشار السلاح بين المواطنين، وتعقيدات قضايا اللاجئين، والافتقاد لمؤسسات عسكرية وأمنية قادرة على تأمين عمليات إعادة الإعمار، وتعثُّر التسوية، والمراحل الانتقالية، والتدخلات الخارجية، وسيادة الاحتقان الطائفي والمذهبي، والانقسامات الأولية. ومن ثَمَّ توافقت الاتجاهات الرئيسية على وجود عدة متطلبات ومشروطيات رئيسية ينبغي توافرها لتهيئة السياقات الداخلية والإقليمية لبدء عمليات إعادة الإعمار، يتمثل أهمُّها في الآتي:
1- الإنهاك المتبادَل: ترتبط بداية عمليات إعادة الإعمار بثبات قناعة أطراف الصراعات الداخلية بعدم قدرة أيٍّ منهم على حسم الصراع لصالحه، بالتوازي مع استنزاف موارد كافة الأطراف وافتقادهم للقدرة على الاستمرار في الصراع، مما يدفعهم للتوافق على تسوية الصراع وإعادة بناء الدولة من خلال معادلات لتقاسم السلطة والثروة، تحقق مكاسب نسبية لمختلف أطراف الصراع، وهو ما يجعل السياقات السياسية مهيَّأةً لإعادة الإعمار في إطار المراحل الانتقالية عقب تسوية الصراع.
2- توافق المصالح: يتوقف بدء عمليات إعادة الإعمار على خلق مصالح لمختلف الأطراف السياسية والمجتمعية في إعادة الإعمار وتسوية الصراع بصورة نهائية، وهو ما يرتبط بمواجهة اقتصاديات الصراعات الداخلية، وتفكيك شبكات المصالح المنتفعة من تواصل الصراعات الداخلية؛ مثل شبكات الجريمة المنظمة، وعصابات التهريب العابر للحدود، والتصدي للأنشطة الاقتصادية غير المشروعة، والتي تتضمن الإتجار بالبشر والأسلحة والمخدرات والآثار والبترول المهرَّب، التي تخلق مصالح للقوى المجتمعية في استمرار الصراع، مما يدفعها لعرقلة التسوية والتصدي لعمليات إعادة الإعمار التي تهدد استمرار المكاسب الاقتصادية.
3- نزع السلاح: لا يمكن البدء في إعادة الإعمار قبل استعادة احتكار الدولة لاحتكار الاستخدام الشرعي للسلاح؛ إذ إن فوضى امتلاك السلاح قد تؤدي لتجدد الصراعات المسلَّحة وتبديد الموارد التي تم تخصيصها لإعادة الإعمار، خاصةً في ظل تغيُّر نوعية السلاح الذي تمتلكه أطراف الصراعات الداخلية، بحيث لم يعد مقتصرًا على الأسلحة الخفيفة التقليدية، وإنما بات يتضمن أسلحة ثقيلة تضاهي تسليحَ الجيوش النظامية؛ مثل الصواريخ العابرة للمدن، والدبابات، والسيارات المدرعة، ومضادات الطائرات، والتي حصلت عليها أطراف الصراع من مخازن أسلحة الجيوش التي تم الاستيلاء على محتوياتها، أو من خلال حلفائها الإقليميين والدوليين، وهو ما يزيد من تعقيدات عملية إعادة الإعمار.
4- المصالحة المجتمعية: من المفترَض أن تسبق عمليات إعادة الإعمار جهود رأب الصدع بين التكوينات المجتمعية المختلفة، والتصدي لثقافة الصراع والعداء المتبادَل التي تقوم على أسس عشائرية وقبلية وطائفية ومذهبية ودينية، والتي قد تؤدي لتفجر الصراع في مراحل لاحقة، وذلك من خلال نشر ثقافة السلام والتعايش، ومعالجة الاحتقان الاجتماعي، وترسيخ المصالحة المجتمعية بهدف الحفاظ على استدامة التسوية وترسيخها، ويرتبط ذلك بإيجاد آليات لتطبيق العدالة الانتقالية.
5- المشاركة الخارجية: تتطلب عملية إعادة الإعمار تحقيق التوافق بين القوى الإقليمية والدولية على أهمية إعادة الإعمار، وتهديدات تواصل الصراع دون تسوية للاستقرار الإقليمي والأمن العالمي، حيث إن استعصاء الصراعات الداخلية على التسوية يرتبط بتعارض مصالح القوى الإقليمية والدولية واستمرار الحروب بالوكالة فيما بينهم من خلال الدعم العسكري واللوجستي لأطراف الصراعات الداخلية، وفي ذات السياق تتوقف عمليات إعادة الإعمار على توافق القوى الإقليمية والدولية على تمويل عمليات إعادة الإعمار والمشاركة بها، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة إعادة إعمار الصراعات الداخلية، بما يتطلب تزايد الإسهامات الإقليمية والدولية في عملية إعادة الإعمار.
أطراف إعادة الأعمار
تُعَدُّ عمليات إعادة الإعمار من أهم مراحل تسوية الصراعات الداخلية التي لا يمكن لأطراف الصراع تنفيذُها بمعزل عن الدعم الإقليمي والدولي، نتيجةً لافتقاد القوى السياسية والمجتمعية، في مراحل ما بعد الصراعات الداخلية، المواردَ الكافية والقدرات التنظيمية والمؤسسية التي تستلزمها عمليات إعادة الإعمار، وفي هذا الصدد تتأسس عمليات إعادة الإعمار على تكامل ثلاث فئات من الفاعلين لضمان فاعلية عمليات إعادة الإعمار، وتتمثل هذه القوى في الآتي:
1- القوى الداخلية: تبدأ عمليات إعادة الإعمار من توافق النخب السياسية والتكوينات المجتمعية على أهمية إعمار ما تم تدميره خلال الصراع وحشد الموارد والقدرات المحلية، وهو ما يتطلب إعادة صياغة العقد الاجتماعي الذي ينظِّم علاقة الدولة بالمجتمع، والتوافق على آليات لتقاسم السلطة والثروة وإدارة المراحل الانتقالية. وفي هذا الإطار أشار بعض المشاركين في الحلقة النقاشية إلى أن معادلات المحاصصة الطائفية التي تم الاعتماد عليها في مراحل ما بعد الصراعات الأهلية في لبنان والعراق لم تحقق التماسك الاجتماعي، وأدت إلى إضعاف مؤسسات الدولة، مما أدى لتجدد الصراعات بين الفصائل والفرقاء المجتمعيين في مراحل لاحقة.
ومن المفترض أن تبدأ عمليات إعادة الإعمار من الداخل اعتمادًا على تراكم الخبرات واقتصاديات التعايش التي تكوَّنت على مدار سنوات الصراع، ومن ثَمَّ قد يكون تمكين المجتمعات المحلية من إدارة عمليات إعادة الإعمار أحدَ أهم مداخل إعادة الإعمار من خلال الاعتماد على الموارد المتاحة في المراحل الأولية قبل أن تتدخل القوى الإقليمية والدولية.
2- الأطراف الإقليمية: يُعد السياق الإقليمي محوريًّا في عمليات إعادة الإعمار، حيث يبدأ دور القوى الإقليمية برعاية تسوية الصراعات الداخلية والوساطة بين الفرقاء المتصارعين، واستضافة جولات التفاوض والحوار الوطني والضغط على أطراف الصراع لتقديم تنازلات تؤدي للوصول لتوافقات وحلول وسط، وفي مراحل تالية تُشرف القوى الإقليمية على تنفيذ اتفاقات التسوية، ونزع سلاح أطراف الصراع، واستحقاقات المراحل الانتقالية بالتوازي مع دعم عمليات إعادة الإعمار الداخلي.
وعادةً ما يتزايد انخراط القوى الإقليمية في عمليات إعادة الإعمار مع توافق مصالح عدد من القوى الإقليمية على تسوية الصراع الداخلي لارتباطه بالاستقرار والأمن الإقليمي، على غِرار توافق مصالح عدد من دول مجلس التعاون الخليجي على ضرورة إنهاء الصراع الداخلي في اليمن، وفرض تسوية على أطراف الصراع، إلا أن تعارضَ مصالح القوى الإقليمية، وتفاوت مصالحها، قد يعرقل تسويةَ بعضِ الصراعات الداخلية على غرار الصراع الأهلي في سوريا، مما يؤدِّي لامتداد أمد الصراع واستعصائه على التسوية.
وفي ذات السياق، يمثل الافتقادُ لخبرات إقليمية ناجحة في عمليات إعادة الإعمار، أحد أهم الإشكاليات التي تؤثِّرُ على نجاح عمليات إعادة الإعمار، نتيجةً للافتقاد للنماذج الإرشادية التي يمكن الاستفادة منها في عمليات إعادة الإعمار، حيث إن حالات إعادة الإعمار في منطقة الشرق الأوسط لم تنجح في تحقيق غاياتها، فعلى سبيل المثال، اتسمت عملية إعادة الإعمار في العراق بانتشار الفساد والبيروقراطية، وإهدار ما لا يقل عن 100 مليار دولار، فضلًا عن تفجُّر الصراعات الطائفية التي تسببت في تدمير البنية التحتية من جديد، وهو نفس الوضع الذي تكرر في أفغانستان.
3- القوى الدولية: تمثل الأطراف الدولية الدعامةَ الثالثة لعمليات إعادة الإعمار في منطقة الشرق الأوسط، حيث تقوم المؤسسات الدولية والدول الكبرى بدعم التسوية وضخ الموارد المالية لإعادة الإعمار؛ ولاسيما في ظل تطويرها لخبرات متعددة نتيجة ممارسة أدوار مركزية في تسوية الصراعات الأهلية، والإسهام في عمليات إعادة الإعمار في مختلف أقاليم العالم، فضلًا عن امتلاكها أدوات متعددة للضغط على أطراف الصراعات الداخلية، ودفعهم لقبول التسوية، وتوفير ضمانات لمختلف أطراف الصراعات لبناء الثقة فيما بينهم.
وتتمثل أهم آليات تأثير القوى الدولية في عمليات إعادة الإعمار في آليات فرض السلام، وذلك من خلال استصدار قرارات من المؤسسات الدولية بفرض التسوية على أطراف الصراع، والإسهام في جهود الوساطة الدولية لتسوية الصراعات وتشكيل التحالفات الدولية للتصدي للتنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة، والإشراف على عمليات نزع السلاح، وأنشطة الإغاثة الإنسانية، من خلال المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، والتعامل مع قضايا اللاجئين والنازحين، فضلًا عن الدور المركزي للمؤسسات التمويلية الدولية الممثَّلة في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، اللذين يمكن الاعتماد عليهما في تمويل عمليات إعادة الإعمار وإصلاح ما تم تدميره خلال الصراع.
مراحل إعادة الإعمار
عادة ما يتطلب استكمال إعادة الإعمار تتابع عدة مراحل أساسية، تُعد بمثابة متطلبات أساسية لتسوية الصراع وتهيئة السياقات المحيطة لمنع تجدُّدِه، فضلًا عن ترسيخ قيم التعايش والتسامح بين المواطنين وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتتمثل أهمُّ هذه المراحل في الآتي:
1- تسوية الصراع: عادة ما تُعد تسوية الصراعات المتطلبَ الرئيسيَّ لبدء عمليات إعادة الإعمار، وعادةً ما تتم التسوية من خلال المفاوضات والوساطة والتحكيم، أو اللجوء للقضاء الدولي. وتستهدف هذه المرحلة التمهيدية تحقيقَ عدة غايات رئيسية؛ أهمها: وقف الأعمال العدائية والصدام بين الأطراف المتصارعة، وبناء الثقة بين أطراف الصراع، وتغيير الصور الذهنية السلبية، والتوصل لتوافق بين الأطراف على إدارة المراحل الانتقالية، وأخيرًا توفير ضمانات لاستدامة التسوية ومنع الارتداد للصراع، والإشراف على تنفيذ التعهدات والاستحقاقات.
2- بناء السلام: تشمل هذه المرحلة كافة الإجراءات الهادفة لتهيئة السياقات المحيطة لمنع تجدد الصراع من خلال تقديم المساعدات الإنسانية، وإعادة توطين النازحين، وتحقيق العدالة الانتقالية الكفيلة بمحاسبة المسئولين عن الانتهاكات الإنسانية، ورفع آثار المعارك، وتطهير المواقع من الألغام، ونزع سلاح الفصائل المتصارعة. ويتوازى ذلك مع ترسيخ ثقافة السلام التي تقوم على التسامح والتعايش المشترك، ونبذ العنف، وتجاوز العداء المتبادل، وتفكيك أسس الانقسامات الطائفية والمذهبية التي تسببت في تفجُّر الصراع.
3- إعادة بناء الدولة: تتضمن هذه المرحلة إعادةَ هيكلة مؤسسات الدولة للقيام بمهامها بفاعلية، بيد أن هذا المفهوم يستبطن إدخال تحولات جذرية في بنية تلك المؤسسات والثقافة السائدة في المجتمع، وإعادة هيكلة نظمها الاقتصادية والسياسية، فقد تنفرد بهذه المهمة دولة عظمى، أو تحالف دولي، أو منظمة دولية مثل الأمم المتحدة، أو تقتصر على الأطراف الوطنية.
وفي ذات السياق، ينطوي إعادة بناء الدولة على إدارة مراحل انتقال السلطة وإقرار قواعد وترتيبات جديدة لتداول السلطة، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية، ودمج الميليشيات المسلحة لتحقيق الأمن والاستقرار، الذي يُعدُّ من المتطلبات الأساسية للبدء في إعادة الإعمار.
4- إعادة الإعمار: وتشمل عمليات إعادة الإعمار أنشطةً متعددة، بدايةً من رفع آثار الصراعات، وأنشطة إعادة بناء ما دمرته الحرب على مستوى البنية الأساسية والمرافق العامة والخدمات، فضلًا عن إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني لاستعادة الاتزان الاقتصادي وتفكيك اقتصاديات الصراعات الداخلية، والتصدي لشبكات الجريمة المنظمة، والتهريب، والتنظيمات الإرهابية التي تسعى لاستمرار الصراع للحفاظ على مصالحها الاقتصادية.
5- تثبيت التسوية: وتتضمن هذه المرحلة توظيف الآليات الهادفة لمنع تجدد الصراعات، واحتواء موجات التصعيد المتبادل من خلال تدابير بناء الثقة بين القوى السياسية والمجتمعية، وتفكيك الصور الذهنية العدائية التي تحفِّز على العدوان من خلال تبادل الخبرات والحوارات المجتمعية، وتأسيس مجالس إقليمية لتقليل مخاطر الصراعات، ولجان لتقصي الحقائق والإنذار المبكر، ودعم دور المنظمات الإقليمية في حفظ الأمن والسلم الدوليين، باعتبارهما الأقرب لمناطق التوترات الكامنة، والانتشار الوقائي لقوات حفظ السلام تحت إشراف المنظمات الإقليمية والدولية.
وفي المجمل يمكن القول إن فاعلية عمليات إعادة الإعمار تتوقف على عدة مشروطيات، يتمثل أهمها في توافر النماذج المرجعية الناجحة لإعادة الإعمار، والاسترشاد بالخبرات الدولية التي أعقبت الصراعات الدولية، ومراعاة معايير الحكم الرشيد في تخصيص وإدارة الموارد المالية المخصَّصة لإعادة الإعمار، والاستفادة من إشكاليات نماذج إعادة الإعمار السابقة في الإقليم، مثل العراق وأفغانستان، وتحقيق التكامل بين الفواعل الداخلية والإقليمية والدولية، والتوفيق بين مصالح مختلف الأطراف، مع منح الأطراف الإقليمية ودول الجوار الجغرافي المباشر أدوارًا مركزية في المساعدة في عمليات إعادة الإعمار، بالإضافة إلى التوفيق بين مصالح القوى الدولية، وحشد الموارد المالية، وتقديم المساعدات التقنية من جانب المنظمات الدولية للإسهام في نجاح إعادة الإعمار.
_________________
المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية