بقلم: ريم سليم
تصاعدت اتجاهات الدول النفطية في منطقة الشرق الأوسط لمراجعة سياساتها فيما يتعلق بصناديق الثروة السيادية لمواجهة التراجع في عوائد تصدير النفط، حيث تبنَّت دول الشرق الأوسط سياساتٍ لإعادة هيكلة إدارة صناديق الثروة السيادية، وتنويع مجالات استثمار العوائد المالية،
وزيادة حجم رؤوس الأموال ضمن الصناديق السيادية، فضلًا عن الاتجاه للاستحواذ على بعض المشروعات والشركات العالمية بهدف استثمار الفوائض المالية، وتجاوز احتمالات نضوب الثروة النفطية، وتنويع مصادر الدخل، وضمان استدامة نموذج الدولة الريعية الذي رسخ المناعة السياسية للدول النفطية بمنطقة الشرق الأوسط.
تتمثل الصناديق السيادية في المؤسسات الاستثمارية التي تقوم بإنشائها بعض الدول ذات الفوائض المالية بهدف استثمار هذه الفوائض في قطاعات ربحية بهدف الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة في ثروات الدولة والتحسُّب لاحتمالات نضوب الثروات النفطية مستقبلًا، وتتميز صناديق الثروة السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي بتنويع الاستثمارات في قطاعات اقتصادية متعددة في الدول المتقدمة والنامية على السواء؛ حيث تتنوع المحافظ المالية لهذه الصناديق لتشمل أصولًا، وسندات ديون حكومية، وأسهم بمؤسسات قطاع الأعمال، وشركات القطاع الخاص كبيرة الحجم المحلية والأجنبية.
حيث تتوزع استثمارات جهاز أبو ظبي للاستثمار جغرافيًّا كما يلي: (35%-50%) بدول أمريكا الشمالية، و(20%-35%) بالاتحاد الأوروبي، و(10%-20%) بدول آسيا المتقدمة، و(15%-25%) بمجموعة الدول الصاعدة، فيما تتنوع محفظتها المالية على النحو الآتي: (32%-42%) أسهم بالأسواق المتقدمة، و(10%-20%) أسهم بالأسواق الصاعدة، و(10%-20%) سندات سيادية، (2%-8%) شركات قطاع خاص، و (1%-10%) سيولة نقدية، علاوة على حصص بسيطة بقطاعات البنية التحتية، والأصول الأخرى، والائتمان، وذلك طبقًا لآخر بيانات الجهاز في مارس 2014.
وقد أظهرت بيانات معهد صناديق الثروات السيادية SWFI- المحدثة في يونيو 2015- أن الصناديق السيادية الخليجية يبلغ حجمها حوالي 2.67 تريليون دولار، بحصة 37% من حجم الصناديق السيادية عالميًّا، واحتلت 4 صناديق سيادية بالشرق الأوسط مراتب متقدمة من بين أكبر 15 صندوقًا سياديًّا على مستوى العالم، فجاء جهاز أبوظبي للاستثمار في المرتبة الثانية عالميًّا، وتقدر استثماراته يحوالي ـ773 مليار دولار، ثم مؤسسة النقد العربي السعودي (SAMA) في المرتبة الرابعة، وتبلغ قيمة استثماراته بحوالي 632 مليار دولار، فيما يأتي الصندوق الكويتي KIA)) في المرتبة الخامسة، بحجم استثمارات 592 مليار دولار، وأخيرًا يأتي جهاز قطر للاستثمار(QIA) في المرتبة التاسعة بإجمالي استثمارات 256 مليار دولار.
أكبر عشر صناديق ثروة سيادية على مستوى العالم
وظائف الصناديق السيادية
صممت الصناديق السيادية بهدف رئيسي هو استثمار الفوائض المالية، لكن مع تطور أدائها، وتنوع آليات إدارتها، باتت دول الإقليم تعتمد عليها في أداء عددٍ من الوظائف، يتمثل أهمها في الآتي:
1-مضاعفة أصول الدولة: استطاعت الدول الخليجية، من خلال استثمارات الصناديق السيادية التابعة لها، أن تمتلك أصولًا متنوعة خارج اقتصادها المحلي، فلديها أسهم وسندات بأكبر الشركات والبنوك والمؤسسات المالية، وتستهدف هذه السياسات تجاوز معضلة الاعتماد على مصدر أحادي للدخل من خلال تطوير قطاعات بديلة، وتأسيس دورات موازية للاقتصاد الوطني على غرار النموذج الرائد لقطاع السياحة في إمارة دبي، وقطاع التشييد والإعمار في دولة الإمارات.
2-رفع احتياطي النقد الأجنبي: تشتري الدول الخليجية الصناديق السيادية أصولاً بمختلف الاقتصادات القوية، وتقدم أموالها لتمويل استثمارات خارجية بأهم الأسواق العالمية، وعليه فإنها تدر عوائد مرتفعة بالعملات الأجنبية، مما ينتج عنه، ليس فقط زيادة في احتياطي النقد الأجنبي، بل تنويع لمصادر الحصول عليه أيضًا.
وتقدم الصناديق السيادية الخليجية نفسَها للاقتصاد العالمي، باعتبارها مستثمرًا طويلَ الأجل، مرنًا، ومتمتعًا بقدرة تمويلية واسعة. فتملك هذه الصناديق القدرة على سد الفجوات التمويلية لعدد من الأسواق العالمية، وتلعب بالاقتصاد العالمي دورًا حيويًّا، من خلال ضخ أموالها في أسهم وسندات الأسواق الأمريكية والأوروبية الصاعدة، والتي بدورها تقود نمو الاقتصاد العالمي وتشكل ملامحه.
وطبقًا لبيانات معهد الصناديق السيادية SWFI، فإن الصناديق السيادية الخليجية يبلغ حجمها 2.67 تريليون دولار، بما يعادل 37% من حجم الصناديق السيادية عالميًّا، وبإعلان السعودية نية مضاعفة حجم صندوق السيادي ليصل إلى 2 تريليون دولار، فسيتضاعف حجم الصناديق السيادية الخليجية إلى حوالي 4 تريليون دولار، مما يرفع نصيبها مجتمعة إلى حوالي نصف حجم الصناديق السيادية عالميًّا، وهو بدوره ما يمكِّنها من لعب دور أكبر في تشكيل خريطة الاستثمارات العالمية.
3-تعزيز النفوذ السياسي: تلعب الصناديق السيادية دورًا سياسيًّا محوريًّا في العلاقات الخارجية للدول الخارجية، وتستثمر الدول الخليجية بأكبر الاقتصادات العالمية؛ ولا سيما في الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وهو ما يضمن تحقيق نفوذ سياسي خارجي لدول الخليج، ويبقى سحب استثمارات صناديقها السيادية عاملَ ضغط وورقة رابحة في أي خلاف مع الدول المستقبلة للاستثمارات، على غرار تهديد المملكة العربية السعودية بسحب أصول تبلغ 750 مليار دولار من واشنطن.
وتمثل التجربة القطرية نموذجًا آخر في استثمار الفوائض النفطية في تعزيز المكانة الدولية دون الإخلال بمبدأ الربحية من خلال الاستحواذ على مؤسسات عالمية، مثل متجر هاردوز التجاري العالمي في لندن، وشركة Credit Suisse السويسرية للخدمات المالية، ونادي باريس سانجرمان الفرنسي، فضلًا عن استثمارات قائدة في مجموعة بنوك بركيليز، ومجموعة فولكس فاجن الألمانية للسيارات، وميراماكس للإعلام، وشركة النفط الرئيسية بماليزيا، وغيرها من الشركات العالمية في دول متعددة، مما يمثل توظيفًا للأدوات الاقتصادية في التغلغل والتأثير على مستوى عالمي.
4- تأمين مستقبل الأجيال: حيث تسعى الدول النفطية للتحول من نموذج صناديق الاستقرار المالي التي تستهدف حماية الاقتصاد والموازنة العامة للدولة من الأزمات الاقتصادية وتقلبات ميزان المدفوعات، والتغير الفجائي في أسعار النفط، والحفاظ على سعر صرف العملة الوطنية، إلى نموذج صناديق الأجيال، وتمثل احتياطيات نقدية يتم توظيفها في استثمارات طويلة الأجل، هدفها مراكمة العوائد المالية لضمان استمرار العوائد الاجتماعية لدولة الرفاه، واستدامة التنمية لأجيال قادمة.
ويمكن في هذا الصدد الإفادة من التجربة النرويجية في الصناديق السيادية، حيث أسست النرويج في عام 1990 صندوق التقاعد الحكومي لاستثمار الفوائض المالية الناجمة عن تصدير النفط، ونجحت في تعظيم النصيب الحسابي للمواطن من الأصول المالية بالصندوق، ليصل لحوالي 174.4 مليون دولار، بما يضمن استدامة التقدم الاقتصادي، ونموذج دولة الرفاهية، مما يعزز الاستقرار السياسي.
مواجهة المخاطر الاقتصادية
على الرغم من تعدد أهداف الدول النفطية في منطقة الشرق الأوسط من مراجعة سياسات إدارة صناديق الثروة السيادية فإن الغاية الأهم تتمثل في مواجهة المخاطر الاقتصادية التي تهدد الاستقرار الداخلي، في المقابل فإن صناديق الثروة السيادية قد تتعرض لبعض المخاطر والتهديدات الاقتصادية التي تتمثل في الآتي:
1-تقلُّبات الاقتصاد العالمي: ترتبط الصناديق السيادية ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد العالمي؛ حيث تملك أصولًا مترامية على اتساع الأسواق العالمية، وتمول استثمارات موجودة بعدد كبير من الدول، وكل هذه الأسواق والاقتصادات تتمتع بدرجات كبرى من الانفتاح الاقتصادي، وعليه فإن أي اضطراب أو تقلب يضرب الاقتصاد العالمي سوف ينعكس مباشرةً على عوائد الأصول والاستثمارات التي تديرها الصناديق السيادية.
2-أزمات الاقتصاد الوطني: تعتمد الصناديق السيادية اعتمادًا مباشرًا على الفوائض المالية للاقتصاد الوطني، حيث تُعدُّ هذه الفوائض المصدرَ الرئيسي لتمويل الصناديق، وبناءً على ذلك، فإن أية أزمة أو تراجع في الاقتصاد الوطني يقود إلى تراجع الفوائض المالية له، أو يتسبب في عجز داخلي، سوف ينعكس في خفض القدرة التمويلية للصناديق السيادية.
3-صنع القرار: تتمكن الصناديق السيادية من تملك أصول مالية من الأسهم والسندات الأجنبية، لكنها لا تتمكن من إدارة مؤسسات الأعمال، أو الشركات التي تصدر هذه الأصول، وبالتالي هي لا تتمكن من المشاركة في صنع القرارات المتعلقة بعملية الاستثمار وإدارة الأرباح. ويبدو من ذلك أنه عند اختيار الأصول المالية التي تشتريها الصناديق السيادية، لابد أن يتم ذلك الاختيار، ليس فقط على عامل ربحية الأصول، بل أيضًا على عامل كفاءة المجالس الإدارية، والمؤسسات التي تنفِّذ الاستثمار في هذه الأصول.
تحولات إدارة الصناديق السيادية
تصاعدت حدة التحولات الاقتصادية عالميًّا مع بداية موجة تراجع أسعار النفط في عام 2014، والذي تراجع بنسبة 60%، واستمر في تراجعه ليكسر حاجز ال40 دولارًا/برميل في عام 2015. وطبقًا لتقديرات مجموعة البنك الدولي، فإنه من المتوقَّع أن يشهد عام 2016 تراجعًا لسعر النفط بمتوسط 27%. ألقت هذه الأزمة بظلالها على الإيرادات العامة للدول النفطية، فشهد عام 2015 ارتفاع عجز موازنات بعض دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما دفع دول مجلس التعاون الخليجي لمراجعة سياساتها تجاه الصناديق السيادية، وتمثلت أهم التحولات في إدارة الفوائض المالية في الآتي:
1- السحب من الاحتياطات: اتجهت بعض الدول النفطية للسحب من الاحتياطيات بهدف تغطية عجز الموازنة العامة، فقامت مؤسسة النقد العربي السعودي، خلال عام 2015 بسحب 70 مليار دولار من إدارتها الخارجية، لدعم الاقتصاد الوطني وتغطية عجز الموازنة، وفقًا لما نشرته فاينشال تايمز Financial Times، وهو ما يمثل اتجاهًا لتعزيز الاستقرار الاقتصادي في مقابل تقليص حجم الاحتياطات المالية.
2- تقليص الاستثمارات الخارجية: اتبعت بعض الدول النفطية سياساتٍ حذرةً هدفها الحفاظ على الفوائض المالية، حيث رصدت بعض التقارير الاقتصادية اتجاه بعض دول مجلس التعاون الخليجي لتقليص حجم استثماراتها الخارجية، حيث قامت الصناديق السيادية الخليجية بسحب 19 مليار دولار أمريكي من استثماراتها في الربع الثالث من عام 2015، وفي تقرير نشرته فاينشال تايمز في ديسمبر 2015، أشارت مصادر اقتصادية أن هناك حجمًا من الاستثمارات المسحوبة لم يُكشف عنه بعدُ؛ بسبب أن بعض الشركات لم تعلن عن تعاملاتها مع الصناديق السيادية الخليجية. كما شهد قطاع العقارات أكبر الانسحابات خلال العام 2014، حيث خفضت الصناديق الخليجية حوالي 31% من استثماراتها العقارية خارج الإقليم، طبقًا لشركة سي .بي.آر.اي.
3- مضاعفة الأصول المالية: وهو الاتجاه الذي اتخذته السعودية، كاتجاه مختلف عن مماثليه، ومغاير للتوقعات، فقد أعلنت في أبريل 2016 عن مضاعفة حجم صندوقها السيادي ليصل إلى 2 تريليون دولار، وبذلك يتفوق على جهاز أبو ظبي للاستثمار، ويضاهي صندوق النرويج للمعاشات، والصندوق الأمريكي أكبر الصناديق السيادية في العالم، ويأتي هذا الاتجاه متوازيًا مع إعلان السعودية لخصخصة شركة أرامكو، أكبر شركة نفط في العالم، وطرح أسهمها للقطاع الخاص، وهو ما يشي بتوجُّه الدولة لمبادلة الأصول النفطية الوطنية بأصول غير نفطية أجنبية؛ ولاسيما في قطاع تكنولوجيا المعلومات.
4- تنويع الاستثمارات: فرض تراجع أسعار النفط الاتجاهَ لاستثمارات أقل مخاطرة؛ حيث أكَّد بعض الخبراء الاقتصاديين أن المملكة العربية السعودية تتجه لاستثمارات متوسطة المخاطر، كما اتجهت إلى تنويع الاستثمارات على مستوى القطاعات، لتتوسع بقطاعات الكيماويات، والنقل البحري، والجوي، أما دولتي الإمارات وقطر فاتجهتا للاستثمار في قطاعات السياحة، والطيران المدني، والمتاجر.
5- إعادة الهيكلة وتصاعد الرقابة: حيث اتجه الصندوق القطري إلى إجراءات إعادة هيكلة لعملية صنع القرار، وأعلن أنه سيضع مستويات مستهدفة لتخصيص الأصول ومراجعة قطاعات الاستثمار والعوائد، واتجه جهاز أبو ظبي للاستثمار لبعض التغييرات المؤسسية، أهمها إغلاق مكتبه في لندن مع إبقاء أنشطته ببريطانيا مستمرة. أما الإجراءات الرقابية فتصاعدت في الكويت؛ حيث شكل البرلمان الكويتي لجنةً للتحقيق في تعاملات لهيئة الاستثمار الكويتية.
محددات الكفاءة الاقتصادية
لكي تنجح الصناديق السيادية في الاضطلاع بأدوارها على المستويين المحلي والعالمي، وتضمن لاستثماراتها درجات مخاطر أقل، يجدر بها أن تراعي عددًا من المحددات التي من شأنها رفع كفاءة الصناديق، وأهمها الآتي:
1-تعدد مسارات الاستثمار: يكفل تنويع المحفظة المالية للصناديق السيادية درجاتٍ أقل من المخاطر، ويعني هنا بالتنويع من ناحيتين؛
الناحية الأولى: وهي توزيع الاستثمارات في قطاعات مختلفة؛ ولا سيما القطاعات القائدة للنمو العالمي.
الناحية الثانية: فهي توزيع الاستثمارات جغرافيًّا بين مختلف دول العالم. فمن الناحية الأولى نجد أن الصناديق السيادية لدول الشرق الأوسط تهتم بالاستثمار في قطاع الخدمات المالية، وتكنولوجيا المعلومات، والاتصالات. أما من الناحية الثانية فإنها تركز استثماراتها في مجموعتين من الاقتصادات هما: المتقدمة، والصاعدة، ولا تتواجد في الاقتصادات النامية، على الرغم من فرص الربحية الموجودة بالاقتصادات النامية.
2-الشفافية والحوكمة: التي بدورها تمنح فرصًا للتقييم وللرقابة، وتعد من أهم محددات الكفاءة لإدارة الصناديق السيادية، ويُلاحَظ أن الصناديق السيادية في الشرق الأوسط شهدت تطورًا فيما يخص قواعد الحوكمة والشفافية في الفترة التي تلت الأزمة المالية العالمية، وبات تقييمها اليوم أفضلَ، إلا أنها لم تصل إلى مستوى مطابقة مبادئ سانتياجو 2008، الخاصة بشفافية وحوكمة الصناديق السيادية، وطبقًا لتقرير نشرته جيو إيكونوميكس Geo Economics لأبحاث المخاطر السياسية، فإن هيئة الكويت للاستثمار، وجهاز أبو ظبي للاستثمار، يقومان بتطبيق مبادئ سانتياجو للحوكمة وإدارة الصناديق المالية بشفافية، بينما لا يمتثل لها جهاز قطر للاستثمار على سبيل المثال.
3-معادلة العائد والمخاطر: يحتاج نجاح الاستثمار الموازنة بين خفض درجة المخاطر، ورفع العائد المتوقع، وبما أن الصناديق السيادية في دول الشرق الأوسط تستبدل النفط –الذي يتسم بتحقيق عائد مرتفع، في مدى قصير، وبتكلفة ومخاطر منخفضتين– بأصول أجنبية، فيجدر بها اعتبار هذه السمات عند اختيار الاستثمارات التي تمولها، والأصول التي تشتريها، على الأقل في النسبة الأكبر من المحفظة المالية للصناديق.
وتشتري الصناديق السيادية أصولًا متنوعة بقطاعات مختلفة في دول متعددة، وتجني أحجامًا متزايدة من النقد الأجنبي، علاوة على أنها تلعب أدوارًا رئيسية بالأسواق العالمية، إلا أنها – في حقيقة الأمر– لا تخلق قطاعات جديدة بالاقتصادات الوطنية الخليجية نفسها، ولا تترجم عوائدها المرتفعة في استثمارات بالقطاعات غير النفطية الموجودة بهذه الاقتصادات، بالإضافة إلى أن مصادر التمويل الأساسية للصناديق السيادية الخليجية هي العائدات النفطية، أي أن الصناديق السيادية نفسها تعتمد على مصدر غير مستدام للفوائض المالية.
فالصناديق السيادية التي تعتمد على النفط بشكل مباشر، تستطيع أن تخدم تنويع مصادر النقد الأجنبي، لتضم عوائد الاستثمارات الخارجية إلى جانب المصادر التقليدية، بينما يتطلب التنويع الاقتصادي خلق، وتوسيع قطاعات غير نفطية بالاقتصاد الوطني، ورفع نسبتها من الناتج المحلي الإجمالي، مما يعني توجيه العائدات النفطية داخل الاقتصاد الوطني لا خارجَه.
ويمكن القول ختامًا إن الصناديق السيادية الخليجية استطاعت أن تطور أداءها بين الأزمة المالية العالمية، وبين أزمة انهيار أسعار النفط، ويبدو أنها استوعبت جيدًا الدروسَ المستفادةَ من خسائرها بالأزمة الأولى، وقد مكَّنها هذا الأداء من جني مكاسب لاقتصادها الوطني على أصعدة مختلفة. وعلى الرغم من أن الهدف الرئيس لها هو استبدال النفط كمصدر للدخل بأصول أخرى غير ناضبة، إلا أن النفط يظل مؤثرًا بقوة على أداء الصناديق، وعلى أحجامها، وقدرتها التمويلية، ومحددًا لاتجاهاتها.
أما من ناحية التنويع الاقتصادي، فإن الصناديق السيادية يمكنها أن تسهم بشكل غير مباشر في تحقيقه، وذلك من خلال تنويع مصادر النقد الأجنبي، بينما التنويع الحقيقي للاقتصاد يلزمه نقل الاستثمارات إلى قطاعات مختلفة داخل الاقتصاد الوطني، ونقل ما يلزمها من خبرات أجنبية أيضًا، وهنا يظهر دور الصناديق السيادية في تمويل متطلبات إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني.
***
ريم سليم ـ باحثة بوحدة الدراسات الاقتصادية
____________
المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية ـ القاهرة