يبدو أن المأزق الذي يمر به الإصلاح الإقتصادي أصبح يزداد تعمقا مع تضاؤل سلطة الدولة وعدم قدرتها علي السيطرة علي مواردها الرئيسية كالضرائب والجمارك ناهيك عن النفط المصدر الرئيسي للدخل في ليبيا،
وفي ظل الانقسام السياسي و الصراع المسلح المستمر يشير البنك الدولي في تقرير حديث له عن قرب نضوب الاحتياطي النقدي لدي المصرف المركزي ويشير الي أن الوضع سيتحول الي كارثة محققة اذا لم يتخذ الليبيون قرارا حاسما الآن ويسعون الي توحيد جهودهم للوصول الي مخرج مناسب يحافظ علي وحدة البلاد ويعيد إطلاق الاقتصاد من جديد.
وقبل الخوض في سبل الاصلاح الاقتصادي للوضع الحالي دعونا نشخص الوضع الراهن، حيث يعاني الاقتصاد الليبي ما يعرف بالنمو السالب في الناتج المحلي الاجمالي أو ما يسمي بالانكماش، بسبب تعثر عمليات تصدير النفط والذي يمثل المصدر أو المكون الاساسي للناتج المحلي الاجمالي وتأثرت باقي القطاعات الاخري بنفس القدر كالزراعة والصناعة والخدمات المصرفية والتأمينية وغيرها ووصل الانكماش في الناتج المحلي الاجمالي أكثر من 30% العام الماضي 2015.
بعبارة اخري أن النمو في قيمة السلع والخدمات المحلية والتي تعبر عن قدرة النشاط الاقتصادي علي التطور وخلق فرص العمل وتحقيق الرفاهية تحولت الي حالة من الفشل الكامل.
كما يمكن وصف الحالة التي يمر بها الاقتصاد الليبي بالركود التضخمي، والسبب أن معدل البطالة أصبح يزداد بشكل مضطرد وبلغ حسب التقديرات أعلي من 30% من الليبين القادرين علي العمل بالاضافة الي تسارع معدل التضخم وأصبح مكون من رقمين بمعني تجاوز العشرة في المئة ويقدّر الآن بانه في حدود 30% إذا أخذنا في الاعتبار التغير السريع في أسعار صرف الدولار بالسوق الموازي والعجز المتزايد في ميزان المدفوعات والذي بلغ أكثر من 40% من الناتج المحلي الاجمالي، بما يعني الضغط علي الاحتياطيات النقدية لدي المصرف المركزي بسبب السحب دون وجود ايرادات متجددة كافية، وبسبب تعثر تصدير النفط المكون الاساسي للصادرات الليبية والذي يمكنه وحده تحسين ميزان المدفوعات.
ولا يخفي علي أحد أوضاع الميزانية العامة والتي تعاني عجزا مستمرا بسبب عدم كفاية الايرادات المحلية والنفطية في مواجهة النفقات والتي غلب عليها الانفاق علي المرتبات والتي تشكل حوالي نصف الانفاق والنصف الباقي لدعم السلع والمحروقات والتي أصبحت سلعا تهرب بشكل منظم خارج البلاد بسبب الفساد المستشري في البلاد.
كما أن أزمة السيولة والتي فشلت كل المحاولات التي قام بها كل من المركزي البيضاء والمركزي طرابلس لحلها عبر الوسائل التي استخدمها كل منهم والسبب أنه لايمكن أن تدار السياسة النقدية في بلد واحد من جهتين ناهيك عن إهتزاز الثقة في النظام المصرفي بالكامل من قبل التجار والمواطنين علي حد سواء.
في تقديري أن أي برنامج للاصلاح يحتاج الي قيام حكومة واحدة في البلاد ويكون هدفها إنعاش الاقتصاد بالدرجة الاولي.
ومن نافلة القول أن توحيد المؤسسات الاقتصادية الرئيسية في البلاد يجب أن يكون علي سلم الاولويات، يتبعه إقرار برنامجين للاصلاح:
الاول عاجل واستثنائي، ويهدف الي معالجة انهيار سعر الصرف في السوق الموازي والذي يمكن مواجهته بسهولة كبيرة من قبل البنك المركزي و إعادة تصدير النفط و التخلي عن سياسة دعم المحروقات بشكل كامل وفوري وتحويل الدعم السلعي الي دعم نقدي لكافة الليبين في المرحلة الاولي.
اما البرنامج الثاني، والذي يستغرق فترة من الزمن، فهو اقرار حزمة من السياسات الاقتصادية الواضحة والتي تُقرّ من السلطة التشريعية في البلاد تقدمها الحكومة كبرنامج عمل مستقبلي يهدف بالدرجة الاولي إلى إعادة هيكلة الميزانية العامة وضبط نفقاتها وتوجيه جزء من الايرادات النفطية مباشرة لبرنامج إعادة الاعمار وتحسين القدرة الانتاجية النفطية، والذي في تقديري لابد أن لايقل عن 35٪ من الايرادات النفطية ، وزيادة الاعتماد علي الايرادات المحلية كالضرائب والجمارك والموارد البلدية والمحلية، وتركز هذه الحزمة من السياسات الاقتصادية علي تنظيم السوق المحلي بشكل يضمن الشفافية والعدالة ويحمي المستهلك.
ولابد أن يتضمن الأسس والضوابط التي يجب أن يبني عليها الاقتصاد الليبي والذي بالتاكيد سيكون مختلف تماما عن ما كان عليه في السابق ولكن يجب عدم الافراط في التفاؤل في سرعة التحول وتغير خارطة الاقتصاد بل إنها تحتاج الي ترتيبات كثيرة يجب الاعداد لها في إطار استراتجية متكاملة مستقبلا و لا يسع المجال للخوض فيها الآن.
بالتاكيد إن إقرار مثل هذه الترتيبات الاقتصادية والتي تهدف الي معالجة التضخم المفرط وانتشال الاقتصاد من حالة الركود وتحسين ميزان المدفوعات ومعالجة عجز الميزانية العامة سيكون له آثار قاسية نوعا ما علي مستوي معيشة المواطن ولكنه المخرج والسبيل لمعالجة التشوهات الهيكلية في الاقتصاد الليبي وبالتاكيد إن البرامج الاجتماعية المصاحبة لتطبيق برنامج الاصلاح كإعانة البطالة ودعم الفقراء ومحدودي الدخل ستكون مفيدة في التخفيف من الاثار الجانبية.
ولعل من المهم في مرحلة التفكير في بناء هذه السياسات الاقتصادية، أن نركز علي إعادة هيكلة المنظومة المصرفية بدءً من المصرف المركزي وحتي المصارف التجارية والمتخصصة وتأهيلها لتكون أدوات قادرة علي خلق محركات التنمية عبر تمويل مشروعات اقتصادية.
ما يقلق في الامر هو إستمرار الحالة الراهنة للاقتصاد الليبي والتي تهدد بمزيد من الهشاشة واضمحلال قدرة المؤسسات الاقتصادية علي القيام بدورها حتي في إرجاع عمليات تصدير النفط واستمرار تناقص احتياطيات المصرف المركزي دون تعويض مناسب، وتسرب السلع المدعومة خارج حدود البلاد واستمرار إهدار الاموال العامة واستشراء الفساد بشكل مخيف.
فاستمرار هذه الاوضاع المتردية سيقضي بدون أدني شك علي الآمال المعلقة علي تطبيق أي برنامج للاصلاح الاقتصادي والخروج من النفق المظلم الذي أصبح وسيلة لتحقيق مصالح ومنافع قوى تتصارع دون الالتفات الي مصلحة الوطن والمواطن.
***
دكتور سليمان سالم الشحومي ـ مؤسس ورئيس مجلس إدارة سوق المال الليبي السابق
________
عين ليبيا