ليبيا أويل إنفست
في العموم الاستثمارات النفطية الخارجية المدعومة من الحكومات “لتميزها عن الاستثمارات النفطية من القطاع الخاص” كسياسة تجارية بدأت في الثمانينات و أتبعتها الدول الرئيسية المصدرة للنفط،
و قد كانت الريادة هنا لفنزويلا التي توجهت للسوق الأمريكية لتمتلك فيه مصافي نفطية بهدف تكرير خاماتها الثقيلة هناك في بداية الثمانينات.
الظروف السائدة في أسواق النفط آنذاك كانت تتسم ببدء منافسة حقيقية على حصة السوق في ظل هيكل أسعار جامد فرضته منظمة أوبك طوال عقد السبعينات و جزء من الثمانينات. هذا الهيكل كان يجمد سعر بيع النفط الخام وفقا لفروقات تحددها أوبك زمنيا كانت تميل لمنح ميزة تنافسية للخامات الخفيفة بينما تحرم منتجي الخامات الثقيلة مثل (فنزويلا و إلي حد ما السعودية) من الاستفادة من تطور تكنولوجيا التكرير المعتمدة على تقنية التكسير في رفع قيمة خاماتهم.
شركة النفط الوطنية الفنزويلية، لتقفز على هذا الوضع، وجدت الفرصة المناسبة حين كانت مصافي التكرير في أمريكا حينها تعرض للبيع تقريبا بصفر دولار بشرط تحمل الديون وتكاليف الإزالة، فقررت أن تتوجه لشراء هذه المصافي التي تضمن لها الخروج من قبضة أوبك حيث أنها ستبيع منتجات وليس خام.
السعودية التي لم يعجبها هذا التوجه إلي جانب عوامل الطلب و العرض الأخرى وكانت قد فقدت أكثر من 60% من حصتها بالسوق العالمية قررت خوض حرب الأسعار المشهورة بـ“حرب أحمد زكي اليماني” في تاريخ الصناعة النفطية لتتراجع الأسعار من 30 دولار للبرميل إلي ما دون 10 دولار للبرميل في 1984.
باقي الدول النفطية حينها بدأت في التفكير جديا في تقليد الخطوة الفنزويلية ولكن كان هناك انقسام في التوجه الاستراتيجي.
بعض الدول النفطية الكبرى و خصوصا في منطقة الخليج العربي قررت أن تتوجه أستراتيجيا لشراء المنافسين في الصناعة الفوقية عند المنبع و هي كذلك كانت تعاني من مصاعب مالية جمة. الكويت مثلا أشترت أكثر من 10% من مصالح شركة بريتش بتروليوم الأمر الذي أثار موجة إعلامية صاخبة حول الوطنية الانجليزية و هل يجوز قانونيا أن يمتلك منافس أجنبي هذه الأسهم من ناحية تعارض المصالح، وهو ما أنتهى بصدور قانون بريطاني يمنع بيع أكثر من 9% من أصول الشركة لجهة أجنبية فارضا على المؤسسة الكويتية ترجيع الفرق. و كذلك السعودية و الإمارات قامت بشراء أصول أنتاجية في مناطق مختلفة من العالم.
الحافز الاقتصادي هنا واضح وهو الربحية العالية لصناعة المنبع ومحاولة إبطاء خطط التوسع في الخارج التي ستؤثر على الانتاج الوطني لهذه الدول، وخصوصا في ظل عدم وجود مصادر تمويلية سوقية لصناعة النفط العالمية سواء الفوقية أم التحتية آنذاك والتي كانت تعتمد على إعادة الأستثمار من شركات النفط العملاقة بصورة شبه تامة في تمويل توسعاتها. و لابد من القول هنا أن هذه السياسة تغيرت بعض الشئ بمضي الوقت حيث أتجهت بعض الدول مثل الكويت و السعودية للاستراتيجية الثانية التي سنسلط عليها الضوء أدناه.
بعض الدول النفطية الأقل حجما قررت التوجه أستراتيجيا نحو وجهة أخرى وهي الاستحواذ على منشآت نفطية في الصناعة التحتية عند المصب مثل فنزويلا، أندونيسيا و ليبيا و أنضمت لهم الكويت بعد فترة بنفس الحوافز التي دفعت فنزويلا لهذا التوجه. الحافز هنا لم يكن الربح غير العادي المتوقع بل هو محاولة الحفاظ على الحصص السوقية في سوق تشهد اكتساح من قبل المنتجين الكبار.
***
هنا ليبيا قررت الدخول إلي هذا المجال الجديد في منتصف الثمانينات حيث كانت قد فقدت جزء كبير يكاد يصل إلي 40% من حصتها السوقية من سوق النفط العالمي فقد أنحدر الانتاج النفطي من 1.2 مليون برميل يوميا إلي تحت 0.7 مليون برميل يوميا في ظل عدم قدرتها على مجاراة حرب الأسعار الشعواء التي أطلقتها السعودية.
التصور الليبي حينئذ كان يركز على ضرورة أستعادة حصة السوق الليبية في الأسواق الجغرافية القريبة في البحر المتوسط خصوصا في ظل الحصار السياسي الأمريكي على الصادرات النفطية الليبية. ولهذا السبب أقدمت الدولة الليبية حينها عن طريق المؤسسة الوطنية للنفط و المصرف الخارجي على شراء مصافي “كرمونا” لتام أويل في إيطاليا و “كولومبو” لجات أويل في سويسرا و “يلهماشفن” لهلبورن في ألمانيا لتحقيق هذا الغرض.
بالرغم من أن التوجه الاستراتيجي كان واضحا ومبررا في الاستحواذ على بنية للتكرير و التوزيع في سوق البحر المتوسط و أوربا إلا أن الغموض أكتنف كيفية إدارة هذا العمل الاستراتيجي. فقد أتضح أن المصافي المشتراة و تحديدا مصفاتي كرمونه و كولومبو تحتاج إلي الكثير من الاستثمارات لأصلاح اقتصادياتها بما يمكنها من رفع هامش ربحها التكريري و التوزيعي. مشكلة تلك المصافي كانت صغر طاقة التكرير (ما يرفع تكاليف التكرير) و قدم تقنية التكرير (ما يخفض عوائد المبيعات) ، بينما أستمرت المصفاة الألمانية في تحقيق هامش ربح إيجابي يغطي على خسائر أو ضعف عوائد المصفاتين الأخريتيتن.
وفي خلال سنوات قليلة تم دمج عمليات الاستثمارات النفطية الخارجية في شركة واحدة هي “أويل أنفست” و تم ضم العديد من النشاطات التسويقية للنفط الخام و المنتجات و البتركيماويات الليبية وهي الموجودة حتى الآن لإدارة عمليات الاستثمار النفطي في أوربا. كان هذا الضم مخرجا لمؤسسة النفط الليبية حينذاك و التي كانت تعاني من صعوبات في مجال التسويق بسبب قرارات الحظر الدولية في التسعينات مما أعطاها مجالا مرنا للحركة الخارجية. كان هناك بعض الاستثمارات متفرقة مثل شركة “كيم بترول” في إيطاليا و من ثم مالطا والتي كانت تسوق منتجات مجمع مرسى البريقة لليوريا و الميثانول ، و منتجات رأس لانوف من مجمع الايثلين و مصافي الزاوية وطبرق و غيرها كانت تحتاج إلي مسوق قريب من السوق في ظل صعوبة الاتصالات و الترتيب.
كان ينظر إلى هذه النشاطات كروافد لشركة الاستثمارات النفطية التي كانت تعاني من مشاكل مالية بسبب ضيق هوامش التكرير في سوق المتوسط وارتفاع تكاليف النقل و التوزيع، و لا بد من الاشادة هنا بجهود رجال مخلصين حاولوا أن يخرجوا الشركة من مآزقها المبدئية.
لم تستطع الشركة أن توفر البديل الاقتصادي البحت بحيث تستطيع البقاء معتمدة على مواردها الذاتية بدون ضخ الحكومة الليبية دفعات مالية متتالية لانقاذ الشركة من الافلاس مرات عديدة. و برفع الحصار على الدولة الليبية في نهاية التسعينات بدأت الحاجة لوسيط تجاري في السوق الدولية تضمحل ورجعت المؤسسة عبر أجهزتها التسويقية إلي العمل المباشر في السوق الدولية للنفط مبعدة بذلك مجموعة أويا أنفست تدريجيا عن هذا المجال.
في مراحل لاحقة توسعت شركة الاستثمارات النفطية بإتجاه أفريقيا ليس في مجال التكرير بل في مجال التسويق و التوزيع و جزئيا في صناعة زيوت التشحيم. ورغم أن هذه الاستثمارات الممولة من الدولة كانت تحت غطاء شركة الاستثمارات النفطية ألا أنه في مرحلة لاحقة تم فصلها لتكون تحت .مظلة جهاز الاستثمارات الأفريقية
التوجه الأفريقي كان دائما مثار للجدل حيث أن ضعف السوق الأفريقي والاحتكار المطلق أو شبه المطلق للدول الأفريقية في مجال الصناعة النفطية كان لايعطي مجالا للأستثمارات الدولية في تحقيق هامش ربح يمكنها من مواصلة المنافسة في تلك الدول، مما أجبر شركات عالمية كبرى مثل موبيل وتوتال و غيرهما لبيع أصول أعمالها المتعلقة بالتوزيع و التسويق في أفريقيا كمثال شبكة موبيل في شمال أفريقيا (تونس و المغرب) و التي أشترتها ليبيا تحت العلامة التجارية (تام أويل). ولايخفى أن معظم الشركات الكبرى و في مقدمتها توتال الفرنسية (المملوكة حكوميا) كانت تنفذ سياسة حكومية فرنسية لها علاقة بتمديد النفوذ الفرانكوفوني في أفريقيا أكثر من أهتماتها بالناحية التجارية الصرفة للاستثمارات النفطية كما أن البنوك الدولية الممول الأساسي لصناعة الطاقة اليوم لا تبدي أي أهتمام بهذا القطاع من الصناعة في أفريقيا بل أن تركيزها ينحصر في الصناعة الفوقية (الاستكشاف و الانتاج) وتحديدا في المناطق البحرية التي لا تتعرض لمخاطر سياسية نتيجة القلاقل الداخلية في الدول الأفريقية.
في ظل الصعوبات الشديدة التي واجهت صناعة التكرير خصوصا في البحر المتوسط و عدم قدرة أصول شركة أويل أنفست على توليد التدفق النقدي الكافي لتطوير المصافي فقد أقفلت الشركة نشاط التكرير أولا في مصفاة كرمونة الايطالية وحولتها إلي مستودع تخزين لتقليل الانفاق التشغيلي والرأسمالي على هذا الأصل حيث تبين أن بيعه لن يغطي تكلفته و ربما هناك تكاليف مخالفات بيئية ستجعل قيمته سالبه. وتم ثانيا مؤخرا إيقاف مصفاة كولومبو في سويسرا بعد معاناة طويلة من الخسائر بسبب حجم الطاقة التكريرية و أنغلاق السوق السويسري. وبذا يتبقى لشركة الاستثمارات النفطية مصفاة واحدة في ألمانيا تعمل بتقنية معقولة و لكنها تتقادم سريعا و تحتاج إلي خطة تطوير سريعة و السؤال هنا هل سيكفي التدفق النقدي للشركة من مقابلة هذا الاحتياج.
أما عن الأصول الأفريقية النفطية فأن المعلومات عنها قليلة للغاية و لكن في العموم فأن الأوضاع في هذه السوق لم تتغير كثيرا بل ربما ساءت أكثر خصوصا في منطقة الشمال الأفريقي بعد القلاقل السياسية في المنطقة.
وقبل الانتقال إلي مناقشة آفاق المستقبل في موضوع الاستثمارات النفطية الخارجية أحب أن أقول أن هناك أزمة جدية في موضوع من يدير هذه الاستثمارات في ليبيا. إذا ما أخذنا نماذج مقارنة من دول أخرى فأننا نجد عدة نماذج لهذا الغرض تتلخص في إدارة هذه الاستثمارات عن طريق القطاع النفطي خالصا إي الشركة الوطنية للنفط المملوكة للدولة وهذا النموذج موجود في الكويت ، فنزويلا ، السعودية وهناك نماذج تقوم على إدارة هذا القطاع بواسطة أجهزة في الحكومة بدون تدخل القطاع النفطي مثل ما هو موجود في بعض المشاريع في قطر و الإمارات ، و نماذج تقوم على الإدارة المشتركة للقطاع من الشركة الوطنية للنفط مع القطاع المالي أو المصرفي في الدولة وهو مطبق في النموذج الليبي.
لكل نموذج سلبيات و إيجابيات و أميل شخصيا للنموذج الأول حيث يعطي توازنا مرحليا و استراتيجيا للجهات النفطية و يمنع ازدواج الاولويات وتضارب الاهداف، وهو ما أثبت نجاحه على أرض الواقع.
النموذج الثاني (مثل شركة طاقة في الامارات) أثبت كذلك نجاحا جزئيا من حيث وحدة القيادة ولكنه لم ينجح بالكامل نتيجة دخوله في منافسة مع الشركة الوطنية للنفط وافتقاده لمصادر تمويل آمنة في أوقات شح السيولة وأضطراب الأسواق.
أما النموذج الأخير فكان الأسوأ من بين النماذج الثلاث حيث تنازعت قيادته مؤسستان تمتلكان أولويات مختلفة تماما و أهداف متناقضة ، كمثال بسيط هنا من الحالة الليبية هو المفاضلة التي وقعت فيها المؤسسة دوما ما بين تخصيص أموال لتطوير المصافي المحلية أو تخصيصها لتطوير مصافي خارجية. لا شك أن المؤسسة تمتلك العديد من الاسباب للذهاب في اختيار الخيار الأول و هو تطوير المصافي المحلية إلا أن الضغوط المالية الخارجية والتي قد تسبب أفلاس للمصافي الخارجية مما يهدد سمعة الصناعة النفطية الليبية و يعرضها لخسائر متتالية تحد من هذا الخيار احيانا، في حين أن القطاع المصرفي الليبي المشترك في إدارة هذه الاستثمارات يفضل الخيار الثاني حيث انه و ببساطة لا مصلحة له في اختيار تطوير المصافي المحلية، وهناك أمثلة كثيرة في هذا الخصوص.
آفاق المستقبل:
تتجه السوق النفطية العالمية سريعا إلي تغييرات جذرية سيكون لها بالغ الأثر على استراتيجيات الاستثمار النفطي الخاص و الحكومي.
بداية يجب التأكيد هنا أن توجه الدول النفطية للأستثمار الخارجي أصبح جزءً أصيلا من أركان سوق النفط العالمية.
المتغير الأول في هذا الخصوص هو تلك الموجة التي تبان لنا اليوم في الأفق في خصخصة المصالح و الأصول النفطية في الدول المنتجة للنفط. شركة آرامكو السعودية أعلنت أنها ستطرح أسهم في البورصة في 2018 ، وزارة البترول الكويتية أعلنت أنها تدرس خصخصة مصالح نفطية كويتية في الداخل و الخارج في مدى زمني يصل إلي 3 سنوات. بالتأكيد هناك خطط أخرى لم يعلن عنها بعد إلا أن هناك الكثير من الهمس في دول مثل الأمارات ، قطر والجزائر عن خطوات مشابهة بشكل أو آخر.
المتغير الثاني هو هجرة صناعة التكرير خارج أوربا بعد كل القيود البيئية التي فرضت عليها فأن نشاطاتها هناك أصبحت في نطاق ضيق جدا و محصور في تلك المصافي ذات التقنية العالية التي تستطيع مقابلة تلك الضغوط القانونية و إلا فأنها ستصبح خارج المنافسة.
الاستثمار في مثل هذه الصناعة سيتراجع و ستفقد الشركات المالكة للأصول في هذه الصناعة الكثير مما قد يهددها بالافلاس، ولكن في المقابل فأن صناعة التوزيع و تسويق المنتجات البترولية و الغاز تزدهر و تعطي عائدا جيدا على الاستثمار بها، وهو ما يدفع شركات كثيرة لإعادة تعريف نفسها على أنها شركات تسويقية و تنسحب من صناعة التكرير.
المتغير الثالث هو استمرار بروز سوق الشرق الأقصى كأكثر سوق جاذب للأستثمار في قطاعات الطاقة و النفطية و الغازية خاصة. هذا ما يدفع دولا مثل السعودية ، الكويت ، الجزائر ، روسيا إلي المنافسة على إمتلاك أصول نفطية في هذا السوق سواء من مصافي نفطية للتكرير أو خطوط أنابيب لنقل للمنتجات و الغاز وشبكات توزيع ، أو مستودعات تخزين للمساعدة في خفض تكاليف النقل و الاستفادة من التقلبات السعرية في هذا السوق
خلاصة القول هو أن ليبيا تحتاج إلي الفصل في العديد من المسائل المتعلقة بالاستثمارات النفطية أما عاجلا أو لاحقا و هي:
أولا: كيفية أدارة الاستثمار مع ملاحظة أن النموذج القديم المعتمد لم يحقق المأمول منه
ثانيا: تقرير ما إذا كان الاستمرار في صناعة التكرير في سوق أوربا المتراجع هو في مصلحة الاستثمارات النفطية الليبية
ثالثا: تقرير ما أهمية الاستمرار في الاستثمارات النفطية في السوق الافريقية
رابعا: هل يمكن تطوير استثمارات مربحة في الاسواق الصاعدة في الشرق .الاقصى او ان الوقت اصبح متأخرا
______________
أخبار ليبيا نفط