عبدالله الكبير

تقول الأسطورة الاغريقية أن سيزيف تمكّن بخبث من خداع إله الموت ثانتوس، إذ طلب منه أن يضع الأقفال في يديه وقدميه على سبيل التجربة، ثم على الفور قام بتكبيله، ليمنعه من قبض أرواح الناس.

غضبت آلهة الأولمب من سيزيف وحكمت عليه بدحرجة صخرة ضخمة من السفح إلى قمة الجبل، ولكن الصخرة تنزلق قبل وصولها للقمة وتعود لتسقط في السفح، وهكذا يقوم بتكرار المحاولة ولكن بلا جدوى.

أسطورة سيزيف يتم اسقاطها على كل فعل عبثي لاجدوى منه، ولا يتوقع أنه سيصل إلى النتائج التي يصبو إليها

 هذا ما تفعله سلطات الأمر الواقع منذ سنوات، فالانتخابات هي صخرة سيزيف التي لن يصل بها الفاعلون في المشهد السياسي إلى قمة النهاية، بل سوف تتدحرج عائدة إلى نقطة البداية، لتقوم سلطات الأمر الواقع بتكرار المحاولة أو التظاهر بذلك، من دون رغبة حقيقية في الوصول بها إلى محطتها الاخيرة، وإنجاز تغيير طال انتظاره

 يعرف الجميع تقريبا العقبات التي تحول دون انجاز الانتخابات، ومع ذلك ثمة ما يشبه الاجماع من سلطات الأمر الواقع على عدم ازالتها، رغم كل المناشدات والمطالبات المحلية، فالخلاف يتركز في الانتخابات الرئاسية، بينما لا خلاف ولا معوقات تحول دون إجراء الانتخابات التشريعية، ومع ذلك يصر طيف واسع محليا وإقليميا ودوليا على اجرائهما معا، مع تضمين مادة قانونية في التعديل الدستوري الثالث عشر، تنسف الانتخابات وتعتبرها في حكم الملغية، إذا تعطلت الانتخابات الرئاسية لأي سبب.

في آخر محاولات دحرجة صخرة الانتخابات عن طريق لجنة 6+6، نص التعديل الدستوري على اعتبار نتائجها نهائية وملزمة ولا تقبل المراجعة، ولكن معد ومخرج هذا التعديل كان أول من تراجع عما قرر الالتزام به، معلنا أن قوانين لجنة 6+6 غير مقبولة، مطالبا بمراجعة ماتوصلت له، وتحقيق المزيد من التوافق! وهكذا هوت صخرة الانتخابات مجددا إلى السفح.

التوافق بمقاييس رئيس مجلس النواب والقوى المساندة له هو فتح الباب على مصراعيه لترشح خليفة حفتر، وإزالة أي عقبات تحول دون منحه فرصة الترشح والفوز بمنصب رئاسة البلاد، والسماح بعودته للموقع الذي يشغله الآن في حالة عدم الفوز.

وهنا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار احتمال إلغاء الانتخابات بأي ذريعة يمكن صناعتها، وتتولى جوقة التضليل الترويج لها ونشرها والعمل على اقناع الناس بها.

 إذا في كل الأحوال لن تصل صخرة الانتخابات إلى قمة الجبل، إلا في حالة واحدة هي ضمان ترشح حفتر وتهيئة كل السبل لفوزه، خلاف هذه النتيجة يعني أن الانتخابات ستهوي إلى السفح، ويبقى الوضع كما كان، مع الزعم بأنهم سيكررون المحاولة حالما تتوفر الظروف الملائمة. تماما مثلما يفعل سيزيف منذ أن نزل عليه سخط آلهة الأولمب.

 وإذا كان العذاب الأبدي في الأسطورة الاغريقية يتحمله سيزيف وحده، فإن سلطات الأمر الواقع لا تتحمل أي عبء في تدوير المشهد، بل على العكس تماما، فهي تستمتع بكل امتيازات ونعيم السلطة والنفوذ، وتدرك أن عبور كل مراحل ومحطات الانتخابات، يعني نهاية هذه الامتيازات.

أما العذاب فهو واقع على الناس وعلى مستقبل البلاد، ومامن أمل في إنهاء هذا المشهد العبثي إلا بخروج الناس سلميا، والإطاحة بكل سلطات الأمر الواقع، ويتولوا بأنفسهم دحرجة صخرة الانتخابات إلى قمة الجبل.

____________

مواد ذات علاقة