تحرير‪ :‬‬‫لويس‬ ‫مارتينيز ‬(مراجعة‪:‬‬‫ أصالة‬ ‫ختاش)

إن الهيكل الحالي للعلاقات بين المجتمع والدولة في شمال إفريقيا هو نتيجة لعوامل متعددة كانت تؤثر على دول المنطقة منذ ما قبل استقلالها.

استطاعت أنظمة دول شمال إفريقيا الحفاظ على نوع معين من النظام في المنطقة حتى فترة الانتفاضات العربية، أين وجدت حكومات ما بعد الاستعمار نفسها تواجه تهديدًا جديدًا ليس فقط لاستقرارها ولكن أيضًا لبقائها وديمومتها.

في هذا السياق، ومن منظور سياسي تاريخي طويل المدى، يقدم لويس مارتينيز، متخصص وذو خبرة في شؤون شمال إفريقيا، تحليلا موجزا للتطور السياسي في المنطقة منذ الانتفاضات العربية، مسلطا الضوء على العوامل الأساسية التي تشكل وتتحدى التماسك القومي لدول شمال إفريقيا من خلال دراسة السياسات التي نفذتها حكومات هذه الدول للحفاظ على الوحدة الوطنية والبقاء على قيد الحياة في عصر يعتبر جديداو متعمقبل إن مارتينيز يخطو خطوة أخرى إلى الأمام من خلال تحليل لماذا وكيف نفس هذه السياسات هي قيد المراجعة حاليا.

يتكون الكتاب من ثمانية فصول. يستكشف الفصل الأول على نطاق واسع، عملية بناء الدولة في شمال إفريقيا منذ استقلالها.

يتم فحص التحديات الاجتماعية والسياسية التي تواجهها الحكومات في الفصل الثاني.

بناء على الفصلين الأولين، يفحص مارتينيز التطورات السياسية في دولى شمال إفريقيا: تونس وليبيا والمغرب وأخيرا الجزائر في فصول منفصلة.

يبحث الفصلان السابع والثامن في الإطار الأمني لما بعد الربيع العربي في شمال إفريقيا، بدءً من دور الجماعات الجهادية، إلى قضية تدفقات المهاجرين إلى الإتحاد الأوروبي، والضغط الذي يصاحبها.

يلقي مارتينيز الضوء على معضلة استجابات الحكومات لمطالب المجتمع المدني عند معالجة العنف الجهادي ويشرح كيف أنه يهدد التماسك الوطني.

في الختام، يشدد المؤلف على ما يجب فعله لإعادة بناء الشعور بالانتماء والولاء في شمال إفريقيا.

في كتابه، يؤكد المؤلف على حقيقة أن تصميم دول شمال إفريقيا ما بعد الاستعمار هو تعبير عن إرث الدولة الاستعمارية.

ليبيا والمغرب والجزائر وتونس يربطهم ماض مشترك: القمع الاستعماري.

واجهت هذه الدول صراعا طويلا من أجل الاستقلال، والضمير القومي هو أن يوحد هذه الدول القومية المختلفة؟

بتعبير أدق، إذا لم يكن الصالح العام من أولويات الأنظمة الحاكمة، فكيف يتم ضمان الولاءات الوطنية؟

انطلاقا من هذا السؤال المدئي يفحص المؤلف التماسك الوطني الذي يعتبره قضية قديمة فتحت مرة أخرى.

تمثل إحدى حججه الرئيسية في أن المشكلة الحقيقية تكمن في هيكل وأساس تشكيلة الهوية الوطنية وهو الشيء الذي أدى إلى فشل دول شمال إفريقيا في تأطير الهويات التي يمكن أن تحافظ على التماسك الاجتماعي والشرعية السياسية وأمن الحدود.

تفاقمت هذه المشكلة بسبب النمو السكاني السريع والبطالة المرتفعة، مما دفع الجماعات الجهادية لمحاولة تشكيل هوية وطنية إسلاميةجديدة.

نتيجة لذلك، كان القتال ضد الجهاديين أحد ألأدوات الرئيسية التي استخدمتها هذه الدول لإعادة بناء الروابط الأساسية لانتماء الدولة وتعزيز السيطرة على الحدود.

يجادل مارتينيز بأن الاستثمار المفرط للحكومات في الجهود المبذولة لاستعادة التماسك والأمن الوطنيين أدى إلى بروز مشكلة أخرى ـ إهمال البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة.

من حيث محتوى الكتاب، هناك نقاط قوة وضعف.

أولا، نقاط القوة، كتاب مكتوب بشكل مفصل ودقيق يوسع من فهم القارئ لهشاشة الأنظمة المغاربية والتحديات التي تواجهها اليوم.

ما وجدته ذا قيمة هو الطريقة التي يوضح بها المؤلف كيف تتعلم دول شمال إفريقيا من تاريخها. على سبيل المثال، تم استيعابالمظاهرات بنجاح من قبل السلطات في الجزائر والمغرب بسبب التجربة السابقة لكلا البلدين في الثمانينيات.

علاوة على ذلك، فإن التأكيد على دور بناء الأمة باعتباره الانشغال الرئيس للدول المغاربية هو إضافة معتبرة للأدبيات والدراسات المتعلقة بالربيع العربي، لأنه في الواقع ما حدد بقاء الدول بعد الثورات العربية ويفسر بطريقة ما التحول الديمقراطي في تونس والحرب الأهلية الحالية في ليبيا ـ إرث القذافي.

فيما يتعلق بمحدودية الكتاب، يسلط مارتينيز الضوء على التحديات التي تفرضها الأنظمة المغاربية الهشّة وأدواتها الضعيفة في الاستجابة لمطالب سكانها وكذلك المطالب الإقليمية.

يجادل بأن معظم هذه التحديات والمشاكل كانت موجودة بالفعل عندما حصلت البلدان على استقلالها.

ومع ذلك، فإنه يعطي أهمية أقل لدور حكومات ما بعد الاستعمار الطويل الأمد في فساد النخبة، والذي يعد أحد المصادر الرئيسية للمشاكل العويصة التي تواجهها دول المغرب العربي اليوم.

لقد تغير دور النخب في شمال إفريقيا. على سبيل المثال، قبل استقلال الجزائر، لعبت النخب السياسية والدينية والثقافية أدوارا كبيرة في بناء ثقافة مقاومة الاستعمار.

لكن منذ المراحل الأولى لاستقلالها، شهدت الجزائر ولادة نوع جديد من النخب.

سمحت الحكومة الجزائرية للنخب الجديدة بل ودفعتها إلى تعزيز وإظهار هيمنة سلطتها بدلا من استخدامها لإصلاح ما خلفه الاستعمار من ضرر وراءه.

ونتيجة لذلك، أصبح كل شيء في الجزائر ملكا للنخب بدلا من الشعب، وهو الوضع الذي سهل فساد النظام التعليمي والاقتصاد من خلال الحد من خيارات التنمية.

تحدث مارتينيز عن الكيفية التي حددت بها عملية بناء الدولة في شمال إفريقيا فرصها في البقاء بعد الانتفاضات العربية.

في الجزائر، يقودنا الفحص الدقيق لظاهرة الفشل التي ميزت عملية بناء الدولة إلى ملاحظة جوهرية: هذه العملية كان لابد أن تمر عبر قناة محددة، وتتمثل هذه الأخيرة في التعايش والتنافس السلمي بين السطلة الحاكمة والبقية من النخب في المجتمع.

يعتبر فشل هذه القناة عاملا مركزيا مسئولا عن فساد وضعف شرعية النظام الحاكم، وهو فساد وصل إلى مستوى خطير خلال النصف الثاني من الثمانينيات، والذي أعاد، بعد ما يقرب من عقد منذ الاستقلال، إيقاظ الوعي السياسي للشعب وأدى إلى انتفاضتهم: الحراك.

اليوم، تغير انتفاضة المواطنينسياسات الدول الاستعمارية السابقة، صحيح أن مستقبل دول المنطقة غامض ولكن هناك شيء واحد مؤكد: شمال إفريقيا تعلمت وما زالت تتعلم من ماضيها.

بشكل عام، يعد الكتاب مساهمة مدروسة جيدا ومفيدة للغاية في المناقشات حول السياسة العربية بعد الانتفاضات.

يمكن أن يكون ذا فائدة وأهمية للأكاديميين والطلاب والباحثين وأي شخص يرغب في فهم البنية السياسية والاجتماعية للدولة المغاربية، سواء في الماضي أو اليوم.

____________

مواد ذات علاقة