عبدالمجيد مناصرة

ثالثا: التحديات
تركز هذه الورقة على عشرة تحديات مهمة فقط، بالرغم من أن العمل البرلماني في ظل الظروف القائمة تواجهه تحديات كثير وكبيرة.
1ـ تحدي الإنتماء:
تتعدد انتماءات البرلمانيين وأحيانا تتناقض وأحيانا أخرى تنازع أصحابها، ومن هذه الانتماءات: الدولة والأمة، الوطن والجهة، الحزب والقبيلة، المجتمع والطائفة، المذهب والإيديولوجيا، الحكومة والمعارضة..
وفي ظل مفهوم الدولة الحديثة وقيم المواطنة يتوجب على البرلمانيين تعميق انتمائهم للدولة والوطن وخدمة أهدافها والدفاع عنها مع أن انتخابهم يتمر غالبا على أساس حزبي، أو قبلي أو طائفي أو مذهبي، ولكن التحدي يكمن في قدرة العمل البرلماني على نسج هذه الانتماءات وتنسيقها بما يخدم قيم الديمقراطية والمواطنة والدولة الحديثة.
فالإنتماء إلى القبيلة أو الجهة أو المذهب أو الطائفة .. حتى إن لم يكن عن إختيار، فإنه لا يُنكر بل أحيانا قد يمثل عنصر قوى وأساس عصبية .. ولكن الإصطفاف الحاد يضرّ بالعمل البرلماني ويمزّقه ويخرجه عن مساره الوطني، وفي حالات معينة يفتح ثغرات كبيرة في جدران بناء الدولة الموحدة.
والانتماء الى الحزب يكون أساس القناعة بالبرنامج والأهداف وبالتالي فالحزب هو وسيلة لخدمة الوطن والدولة وليس شيء آخر ولا يمكن أن يخيّر البرلماني بين الدولة والحزب فيختار الحزب لأن الحزب هو جزء من الدولة، والدولة هي دولة الجميع، والمنافسة تكون على المسؤوليات والمعارضة موجهة ضد الحكومة وليس ضد الدولة.
ولذلك فإن إنتماء البرلماني للأغلبية الحاكمة أو الأقلية المعارضة مسألة تحتاج إلى وعي وطني وتحدي الإنتماء يفرض نفسه أيضا على العمل البرلماني لكي، لا يبقى محصورا فقط في الشؤون الداخلية متنكرا ومتخليا عن المسؤوليات تجاه الإنتماءات الإقليمية والعالمية التي تجعل من العمل البرلماني ينظر إلى ما حوله ويسائل نفسه عن دوره تجاه قضايا الاحتلال المستمرة، خاصة احتلال فلسطين وتهويد القدس وتقسيم الأقصى من طرف العدو الصهيوني .. وتجاه قضايا الشعوب والإنسانية: الحرية، الديمقراطية، حقوق الإنسان، ضحايا الحروب، اللاجئين، مواجهة العنصرية، محاربة الفقر وتحقيق التنمية ونشر السلم.
ويواجه العمل البرلماني هنا إنغماس البرلمانيين في القضايا المحلية وإنشغالهم بالأوليات الوطنية على حساب العمل على المستوى الإقليمي والعالمي مما يجعل العمل البرلماني المشترك ضعيفا لا ينال حيزا لائقا من إهتمامات البرلمانيين.
2 ـ تحدي الأداء:
دور العمل البرلماني لا تحدده فقط النصوص الدستورية والقانونية بل تحدده أيضا الأعراف السابقة والأفهام السائدة والأمال المعلّقة..
فإذا كانت النصوص تتحدث عن المهمة الوطنية للبرلماني وسلطته التشريعية ودوره الرقابي .. فإن الناخبين غالبا ما يرون في البرلماني ذلك الوسيط الداعم والخادم لهم، يستجيب لمطالبهم السياسية والنقابية والمحلية.
وهنا يبرز نموذج النائب الخدماتي الذي يفضله كثير من المواطنين وعلى أساس ذلك يحوز على أصواتهم في بعض التجارب وإن قليلة توجد ميزانيات خاصة للمشاريع التي يتصرف فيها البرلمانيون.. وهذا دور تنفيذي قد يتعارض مع مفهوم الفصل بين السلطات.
ويكمن التحدي هنا في قدرة العمل البرلماني على أن يكون مفيدا للدولة ومفيداد للناخبين، مع إدراكنا أنها مواءمة صعبة لأن حالات التناقض قائمة بين حاجات المواطنين ومقتضيات الدولة.
ولكن العمل البرلماني موكول إليه الأداء المتوازن المنبثق عن رؤية وقناعة جماعية، لأن الفرد يبقى ضعيفا وقد يتيه في دروب الخدمات وأرؤقة الدواوين، ومكاتب البيروقراطية.
3 ـ تحدي النموذج:
البرلمانيون الإسلاميون ينظر إليهم بنظرة أخلاقية ويحاسبون على أسس الأخلاق أكثر من أي معيار آخر، ويختارون بناءً على هذه الصورة المرسومة في أذهان الناخبين.
فالعمل البرلماني هنا منتظر منه أن يقدم النموذج الرسالي النزيه أولا والناجح ثانيا، والمتجاوز للحدود الجغرافية إلى الحدود الحضارية والإنسانية، وهذا التحدي كبير وثقيل، خاصة إذا كان هذا الغالب يقف في صف المعارضة مما يفقده كثيرا من أدوات التدخل والتوسّط وحل مشاكل الناخبين. ولكن دوره الوطني ونزاهة عطائه وأمانة سلوكه تمكنه من القيام بالمهام الموكلة إليه.
وهذا النموذج منحاز إلى قضايا الأمة وشعوبها ينتصر للحق، ويصدع به ويرفع صوت المظلومين والمقهورين عاليا، ويتبنى قضايا الضعفاء والمستضعفين بجرأة وشجاعة ودون تمييز على أساس جغرافي أو سياسي أو لغوي أو طائفي.
4 ـ تحدي الديمقراطية:
البرلمانيون هم نتاج الديمقراطية ولكن في بلداننا الدمقراطية ليست كالديمقراطية إنما هي عندنا ديمقراطية مركوبة بالاستبداد أو لقل هي من نوع ديمقراطية الواجهة أو ديمقراطية الوجهين أو ديمقراطية الوجهاء ، أو هي من نوع الديمقراطية المحدودة التي لا تسمح بالتغيير، أو من نوع الديمقراطية الهشة القابلة للأنقلاب عليها،
ومع ذلك فهي تتيح حيزا للعمل يزيد وينقص، ومساحة للنضال تضيق وتتسع، وجب توظيفهما بالاستمرارية في النضال لمزيد من الديمقراطية ..ولتوطينها توطيناً ليس بعده استبداداً ولا إنقلاباً، عبر مسار الإصلاح والتغيير لتحقيق أهداف الشعوب وطموحاتهم في الحياة الحرة الكريمة، والتمتع بكامل حقوقهم الجماعية والفردية ..
ووجب هنا التذكير أيضا على أن النهج المتبع للوصول لهذه الغايات هو النهج السلمي الديمقراطي، وبضرورة التمسك به والثبات عليه مهما كان صعبا وطويلا وأمامه معوقات شديدة وعقبات كثيرة .. فهو الأسلم والأرحم والأوفق.
إن المعالجات التي تتم من أجل مكافحة العنف والإرهاب وتوطيد السلم والاستقرار لن تؤت ثمارها السليمة إن لم تؤطر داخل المنظومة الديمقراطية، لأن الديمقراطية بطبيعتها طاردة للعنف والتطرف والإرهاب، وجالبة للأمن والسلم والتنمية، وهذه غايات جامعة تسعى من أجلها كل الشعوب وتكلف بما ممثليها وحكوماتها وحكامها.
والتحدي الديمقراطي يبرز في تجربتنا الديمقراطية من خلال ما أسميه “الفخ الديمقراطي” ويتمثل في كون أحزابنا الإسلامية الملتزمة بالنهج الديمقراطي، تشارك باستمرار في العملية الانتخابية.. وهي عملية متحكم في نتائجها من طرف الحكومة تزويرا أو تزييفا،
وبالتالي لا تتيح مجالا واسعا لتحقيق إصلاحات إو إجراء تغييرات، وبالتالي تكون نتائج المشاركة ضئيلة ومحدودة، وأمام رفع سقف الآمال والطموحات يرفع سقف الخطاب والوعود..
تبدأ جموع من الناخبين بالإمتناع عن المشاركة في الإنتخابات ما دامت لا تنتج تغييرا، وبالتالي تحرم أحزابنا ومرشحينا من كتلة أصوات معتبرة، مما اضطر بعضهم إلى المقاطعة بعد ذلك. ولكنهم وجدوا أنفسهم مرة أخرى أمام ضرورة المشاركة، وباستمرار المشاركة تستحكم خلقات هذا الفخ وتبقى أحزابنا رهينة الديمقراطية المحدودة التي لا تسمح بالتغيير إلا ما كان بطيئا ومحدودا ويحتاج إلى طول البال وسعة الأفق ودوام العمل، وتراكم الجهود.
فما المخرج من هذا الفخ؟
هل هو البحث عن البدائل الأخرى للديمقراطية؟
أكيد لا.. لأن كل البدائل الأخرى محصورة بين: الإرهاب والإستبداد .. وهي مدمرة وتمدد في عمر الأنظمة الديكتاتورية وتعطيها مبررات البقاء والإستمرار وتؤجل ساعة التغيير الحقيقي والمنشود.
فالحل يكمن ببساطة في ضرورة إتباع مسارات العمل المرحلي التالية:
ـ الإستمرارية في النضال الديمقراطي بوعي حكيم ونفس طويل وحس وطني رفيع.
ـ إصلاح المجتمع بالأفكار الراقية والقدوات الصالحة والأعمال الميدانية.. فحقيقة كما تكونوا يولى عليكم!.
ـ تطوير الأحزاب السياسية فكرا وتنظيما وأداة فشرط الإصلاح الصلاح والصلاحية.
ـ توطين الديمقراطية وترسيخ دعائمها بالإصلاحات السياسية المستمرة والمتقدمة.
ـ الحرص على الحوار والتوافق في إدارة الخلافات والتنوعات مع مختلف المكونات الوطنية.
ـ تنمية الإقتصاد لتلبية حاجات الشعب والقيام بواجبات الحكم .. فالدولة قوية بإقتصادها القوي.
ـ صناعة تحالفات وطنية وإقليمية ودولية داعمة للديمقراطية.
واضح من خلال هذا الشرح أن التحدي هنا يكمن في قدرة العمل البرلماني على توسيع دوائر الحرية وتوطين الديمقراطية وتكريس قيم التداول السلمي على السلطة وفرض إحترام الجميع لقواعد المنافسة النزيهة.
…
يتبع
____________
المنتدى العالمي للبرلمانيين الإسلاميين