ماتيو كولومبو و نينكي هوكيلينجن


السلطة المتنازع عليها: أوضاع الشرطة الليبية اليوم
على الرغم من الهدوء النسبي الحالي، لم تتحسن الأوضاع الأمنية العامة في ليبيا كثيرًا.
ووفقًا لمؤشر الجريمة المنظمة العالمي، فإن ليبيا لديها أعلى معدل جريمة في المرتبة العشرين. وشدد التقرير على أن “الجريمة المنظمة في ليبيا مرتبطة إلى حد كبير بقرب الميليشيات والمجموعات الإجرامية من الطبقة السياسية“.
وتقول الوثيقة إن الجماعات المسلحة غير الخاضعة للمساءلة والمنظمات غير الرسمية تشارك في عدد كبير من الأنشطة المحظورة، لا سيما تهريب البضائع غير المشروعة، والاتجار بالبشر، وتسويق الوقود المهرب في السوق السوداء.
على هذه الخلفية يبحث هذه التقرير في المعوقات الخارجية التي تقوّض أداء الشرطة الليبية في مكافحة الجريمة. فأجريت 25 مقابلة مع خبراء وضباط شرطة ليبيين وموظفين في وزارة الداخلية وضباط من الاتحاد الأوروبي في الفترة بين يونيو وأغسطس 2022 وكان أغلب الضباط من الجفرة وغات ومصراتة والخمس وطرابلس والزاوية
لم يركز البحث على المنطقة الشرقية بسبب صعوبة الوصول إلى المنطقة وبسبب المخاوف الأمنية، ولأن الاتحاد الأوروبي يعمل في الغالب في الغرب الليبي، حيث مقر حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليًا.
ومع ذلك، إن عدم وجود نتائج من المنطقة الشرقية في هذا التقرير لا يترجم إلى أداء أفضل من جانب الشرطة المحلية في تلك المنطقة. حيث لا يمكننا ببساطة الإدلاء بأي بيانات مستنيرة لأنه لا توجد منشورات موثقة كافية أو مصادر أخرى موثقة جيدًا حول هذه المسألة ومن الصعب إجراء المقابلات بأشخاص لأسباب أمنية وسياسية.
بالنسبة للغرب الليبي، تُظهر النتائج التي توصلنا إليها أن التحديات الرئيسية التي تواجه قوة شرطة لتكون أكثر فاعلية يمكن تصنيفها في أربع فئات رئيسية:
1) انتشار الجماعات المسلحة ؛
2) البيئة السياسية الليبية.
3) سوء الإدارة في الأجهزة الأمنية.
4) وجود آليات بديلة لحل النزاعات.
أولا– انتشار الجماعات المسلحة
هناك اعتقاد سائد بين مسؤولي الاتحاد الأوروبي وضباط الشرطة الليبية بأن الجماعات المسلحة تضر بأداء الشرطة بشكل مباشر وغير مباشر. وأشار المشاركون في الاستطلاع إلى تأثير الجماعات المسلحة على أداء الشرطة الليبية بعدة طرق:
الطريقة الأولى، تشير إلى أن الجماعات المسلحة القوية هي التي تقوم بمهام حفظ الأمن، مثل الاعتقالات وتسيير الدوريات في الشوارع، وذلك بفضل وضعها شبه الرسمي في البنية التحتية الأمنية الرسمية.
على سبيل المثال، يقول مسؤول كبير في وزارة الداخلية إن قوات الردع الخاصة ، التي تدير بحكم الأمر الواقع مطار معيتيقة في طرابلس، “معروفة بتوقيف الأشخاص واعتقالهم بطريقة مستهدفة“.
ويجادل مسؤولان متوسطي المستوى في وزارة الداخلية بأن “رئيس الوزراء الدبيبة يعتمد على ولاء مليشيات غنيوة (بقيادة عبد الغني الكيكلي) ، الذي كان منذ يناير 2021 ، على رأس ما يسمى بجهاز دعم الاستقرار، وأبرمت الحكومة صفقة لمنحهم السيطرة على جهاز الأمن الداخلي. مثل هذا الترتيب السياسي يسمح لـ جهاز دعم الاستقرار بإجراء عمليات الشرطة، ويعرّف الجهاز مهمته عبر موقعه الرسمي على الإنترنت بأنها” الحفاظ على الأمن والنظام العام والسلامة وإنفاذ القانون” .
ويشير الأشخاص الذين تمت مقابلتهم إلى أن نقل مهام الشرطة من القوات الرسمية إلى الجماعات المسلحة يعني أن العديد من الليبيين يرون في كثير من الأحيان مثل هذه الجماعات على أنها المصدر النهائي للأمن.
الطريقة الثانية التي تقوّض بها الجماعات المسلحة الشرطة في ليبيا تتعلق بتصور المواطنين للجماعات المسلحة على أنها أقوى من الشرطة.
ومما يعزز هذا التصور أن أقوى الجماعات المسلحة تتمتع بتدريب جيد ومعدات أفضل من الشرطة.
ولخص أحد المستجيبين بأن هذه الظاهرة موجودة على نطاق واسع بالقول “إنهم [الشرطة الرسمية] لا يمكنهم التدخل عندما تتقاتل الميليشيات والعصابات المسلحة ولا يمكنها إنهاء التظاهرات”. وعندما يتعلق الأمر بالعنف الحقيقي، فإن قدرة الشرطة تصبح معدومة.
بفضل علاقتها الوثيقة بالسياسيين المنتفذين، تتمتع الجماعات المسلحة بسهولة الحصول على التدريب برعاية أجنبية. كما أشار أحد المشاركين بسخرية، “من كانوا أصدقاء لوزير الداخلية [السابق]، خالد مازن، يتم وضعهم على القائمة الأولى في برامج التدريب الدولية“.
ويتحدث أيضًا عن عدم التوافق بين توقعات التدريب في الاتحاد الأوروبي لإحداث تغيير ذي مغزى، والتطبيق العملي لمثل هذه السياسات في سياق يكون فيه لليبيين شبكاتهم وتفضيلاتهم الخاصة.
فيما يتعلق بالشرطة، يؤكد مسؤول في الأمم المتحدة على حقيقة أن “لديهم 27 مركزًا تدريبيا خاصًا بهم، لكن التخطيط والمناهج والمرافق كلها قديمة جدًا وتحتاج إلى صيانة وتحديث“.
أخيرًا، يجادل مستجيبون بأن الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تدير برامجها التدريبية الخاصة لقوات الأمن، مشيرين بشكل أساسي إلى تركيا.
الطريقة الثالثة تكمن في أن الجماعات المسلحة تحصل بشكل منهجي على الأموال العامة التي كانت ستُوجّه بطريقة أو أخرى إلى الشرطة.
على سبيل المثال، اشتكى مسؤول أمني من مصراتة من أن “كل الأموال تذهب إلى الميليشيات وليس للشرطة“، ليس فقط فيما يتعلق بالرواتب ولكن أيضًا من خلال ما تتحصل عليه الجماعات من خلال نفوذها السياسي.
وأضاف نفس المجيب أن الجماعات المسلحة “تجد طرقًا للمراوغة لسحب الأموال من الدولة” ، مثل “الادعاء بأنهم بحاجة إلى سيارات جديدة (…) وبعد الحصول عليها يتم بيعها في السوق السوداء أو حتى السوق العامة“.
عندما قابلنا مسؤولين في الاتحاد الأوروبي للتحقق من هذا الادعاء ، أكده البعض بينما رفضه آخرون.
الطريقة الرابعة المتكررة هي أن الشرطة لا توقف ولا تعتقل أعضاء الجماعات المسلحة الضالعين في أنشطة إجرامية.
السبب الأول هو أن بعض الضباط يحتفظون بصلات مع أعضاء الجماعات المسلحة. على سبيل المثال، لاحظ أحد العاملين في الميدان أن هناك عددًا ثابتًا من ضباط الشرطة هم، في بعض الحالات، أعضاء جماعة مسلحة (سابقين) وقد أدمجوا في الشرطة ولكنهم بقوا يحتفظون بعلاقاتهم بالجماعات المسلحة.
السبب الثاني هي وجود ضغوط سياسية قوية لمنع التحقيقات ومعاقبة أعضاء الجماعات المسلحة المتورطين في الجرائم، حيث يبدو أن بعض الجماعات المسلحة القوية لها تأثير قوي على وزير الداخلية.
على سبيل المثال، شهد اثنان من المشاركين المرتبطين بوزارة الداخلية بالوضع الذي تم فيه اعتقال اثنين من أعضاء جهاز دعم الاستقرار في حالة سكر من قبل الشرطة في طرابلس ولكن تم إطلاق سراحهم لاحقًا بفضل وساطة وزارة الداخلية. لم نتمكن التحقق من هذه المعلومات بشكل مستقل، لكنها توضح تصورات المواطنين للضعف العام للشرطة.
أخيرًا، يبدو من المقابلات أن هناك اختلافات في المواقع المختلفة فيما يتعلق بتأثير الجماعات المسلحة على الشرطة المحلية.
في مدينة الزاوية، على سبيل المثال، هناك تنافس مستمر بين الجماعات المسلحة المختلفة على النفوذ، مما يُترجم إلى خطر أن تكون الشرطة عاجزة أمام الجرائم العنيفة ، وأن يقتصر عملها على القيام بأعمال محدودة فقط.
مدن أخرى، بما في ذلك طرابلس، تتميز بتحالف مهيمن من الميليشيات القوية، التي لا تزال قوتها بعيدة عن أن تكون بلا منازع. تتمتع هذه الجماعات المسلحة بالدعم السياسي، وبالتالي تحصل على الأموال الطائلة والتدريب الراقي الذي كان من الممكن أن يتم توجيهه إلى الشرطة، وتلك الجماعات تقوم بمهام الشرطة في هذه المناطق، ويبدو أن عمل الشرطة في ملاحقة الجرائم التي يرتكبها أعضاء الجماعات المسلحة محدود جدا .
في مدينة غات، تتواجد القوات المسلحة التابعة لحفتر إلى جانب قوة الشرطة المحلية.
…
يتبع
***
ماتيو كولومبو ـ باحث مبتدئ في وحدة أبحاث النزاعات، ويركز عمله على الديناميكيات السياسية المحلية والدولية الحالية في بلاد الشام وتركيا ومصر وليبيا.
نينكي هوكيلينجن ـ تعمل في وحدة الاتحاد الأوروبي والشؤون العالمية. بصفتها زميلة أبحاث ، يدور عمل نينكي بشكل أساسي حول العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا بالإضافة إلى دور تركيا وتأثيرها في منطقتها.
_______________
