أحمد قاسم حسين

عقدت الدول المؤثرة في الأزمة الليبية سلسلة من المؤتمرات الدولية، منذ بداية المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام القذافي، ولم تسهم في وضع حد للأزمة التي ما زالت تعصف بالبلاد.

الجزء الثالث

حرب العاصمة وتعطيل المسار السياسي

أعلن حفتر بدء عملية عسكرية، في 4 نيسان/ أبريل 2019، باسم طوفان الكرامة“. وانطلق الهجوم على طرابلس بالتزامن مع وجود الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش فيها، واستطاعت حكومة الوفاق والقوى العسكرية المساندة لها امتصاص صدمة الهجوم، وتمكنت من صده، ودفعه إلى التراجع. وقد استمرت المعارك بين الطرفين، ولكن لم يتم حسمها لصالح أي منهما.

تجدر الإشارة إلى طلب حكومة الوفاق الوطني رسميًا من تركيا مساعدة عسكرية كان لها بالغ الأثر في سير المعارك في محيط طرابلس؛ إذ أرسلت تركيا قوات عسكرية إلى ليبيا بعد شهر من توقيع مذكرتَي تفاهم بينهما في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، كانت إحداهما تتعلق بتحديد مناطق الصلاحية البحرية، والأخرى تخص التعاون في المجال الأمني والعسكري، في وقت اعتمد فيه حفتر على الدعم العسكري الإماراتي والمصري إلى جانب شركة فاغنرالروسية.

استمرت العمليات العسكرية، ولم يستطع أي طرف من طرفَي النزاع (حكومة الوفاق حفتر وبرلمان طبرق) حسم المعركة لصالحه؛ ما دفعهما إلى إعلان وقف إطلاق النار. اللافت للانتباه عند العودة إلى القضايا التي جاءت في نصي إعلان وقف إطلاق النار الصادر عن كل طرف أنّ القضايا الخلافية ذاتها بين الفرقاء الليبيين المتمثلة في الالتزام بوقف إطلاق النار، وإجراء الانتخابات والقاعدة الدستورية التي تنظمها، واستئناف تصدير النفط، واسترجاع السيادة الوطنية، وخروج القوات الأجنبية والمرتزقة، التي ناقشها المجتمعون في ملتقى الحوار السياسي في جنيف كما سنبين لاحقًا، كانت محل خلافٍ وتناقضٍ في مقاربتهم لحل الأزمة الليبية.

برلين (2-1): ألمانيا والخوض في تضاريس الأزمة الليبية

قد يسهم الحوار الوطني الليبي في مجالات السياسات الدنيا Low Politics، مثل السياسات الصحية والتعليمية والتشغيل، تدريجيًا في الانتشار Spillover، ليشمل مجالات اقتصادية وسياسية في السياسات العليا High politics، وهو ما قد يُحدِث تحولًا تدريجيًا في ولاءات النخب الوطنية في الدولة الليبية التي تحتل مراكز السلطة

لم تكن برلين متحمسة للتدخل في الشأن الليبي على نحو مباشر، وهي التي اعترضت على التدخل العسكري ضد نظام القذافي ولم تعترف بالمجلس الوطني الانتقالي. ويعود ذلك إلى أسباب، منها ما يتعلق بتوجهاتها الاستراتيجية شرق أوروبا على اعتبارها منطقة نفوذ تاريخي لها، وكذلك الاختلالات الاستراتيجية التي رافقت عمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي تجاه الأزمة الليبية في ظل التنافس الفرنسي الإيطالي على النفوذ والسيطرة فيها، إضافة إلى حالة الإرباك والغموض في السياسة الخارجية الأميركية تجاه الملف الليبي.

لذا، ركزت الدبلوماسية الألمانية خلال الفترة 2011-2020 على الحد من التداعيات الأمنية والاقتصادية للهجرة غير النظامية انطلاقًا من السواحل الليبية، وإدارة التناقضات الداخلية في مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

واليوم، تسعى برلين إلى تعزيز وجودها في القارة الأفريقية عبر برامج التعاون والتبادل مع دول شمال أفريقيا وجنوب الصحراء في قضايا الاستثمار والأمن والهجرة، وذلك تحت مظلة أوروبية مشتركة. وفي سبيل ذلك، عقدت برلين، في 19 كانون الثاني/ يناير 2020، مؤتمرًا حول ليبيا، تمثلت أهدافه الرئيسة في التوصل إلى توافق في الآراء بين الدول الأعضاء المعنية بالأزمة الليبية، وتأمين مظلة دولية لحماية الحوارات الليبية حول مستقبل البلد.

وقد جسّد البيان الختامي لمؤتمر برلين 1″ خارطة طريق لحل الأزمة الليبية من خلال التأكيد على احترام سيادة الدولة الليبية وإنهاء كافة التحركات العسكرية من قبل أطراف النزاع أو الأطراف الداعمة لها على نحو مباشر، وعملية تسريح المجموعات المسلحة والميليشيات في ليبيا ونزع الأسلحة منها، أو إدماجها في مؤسسات الدولة المدنية والأمنية والعسكرية.

كذلك، جاء البيان الختامي على ذكر الاتفاق السياسي الليبي الصخيراتبوصفه إطارًا قابلًا للتطبيق من أجل الحل السياسي في ليبيا، مع الدعوة إلى تأسيس مجلس رئاسي وتشكيل حكومة موحدة وشاملة.

وتجدر الإشارة إلى أن مجلس الأمن صدّق على نتائج مؤتمر برلين، وشدد على الحاجة إلى وقف دائم لإطلاق النار، والتزام جميع الدول الأعضاء بالامتثال التام لحظر التسليح، وفق قرار مجلس الأمن رقم 2510 (2020) الذي تقدمت به بريطانيا، وهو ما يعكس نوعًا من التنسيق بين برلين ولندن على ضرورة تطويق أي خيارات عسكرية قد تلجأ إليها أطراف النزاع الليبية.

وقد تشكلت لجنة متابعة لمسار برلين، وفي سبيل ذلك عقد مؤتمر برلين 2″، في 23 حزيران/ يونيو 2021، الذي اتفق فيه المجتمعون على ضرورة أن تجري الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 24 كانون الأول/ ديسمبر 2021؛ في الموعد المتفق عليه في خارطة الطريق التي تبنّاها ملتقى الحوار السياسي الليبي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 في تونس، وتبني الترتيبات الدستورية والتشريعية الضرورية لذلك، كما يتعين على الجميع القبول بنتائج الانتخابات.

وجاء في البيان أيضًا العمل على إصلاح قطاع الأمن ووضعه بكل حزم تحت سلطة مدنية موحدة وإشراف مدني موحد، وسحب جميع القوات الأجنبية والمرتزقة الذين وصل عددهم إلى 20 ألفًا من جنسيات مختلفة من ليبيا دون تأخير، وهو ما قد يثير حفيظة تركيا، ويعقّد من المشهد السياسي في ليبيا، خاصة أن وزير الخارجية الألماني هايكو ماس قد أشار إلى أن الأطراف التي تعهّدت خلال اجتماع برلين 1″ بسحب قواتها لم تَفِ بوعودها، في إشارة غير مباشرة إلى روسيا، وتركيا، والإمارات.

مسار جنيف: إجراء الانتخابات وتعقيداتها القانونية والدستورية

انطلق مسار ملتقى الحوار السياسي الليبي في 26 شباط/ فبراير 2020، وقد جمع الأطراف الليبية المختلفة على طاولة حوار في كل من تونس وجنيف، رغم الصعوبات التي تسببت في بطء إطلاقه، وعلى رأسها موضوع المحاصصة واختيار ممثلين عن الفرقاء الليبيين. وعلى الرغم من ذلك، انتظمت جلسات ملتقى الحوار، ونتج منها ثلاث لجان، هي:

  • لجنة الصياغة التي تشكّلت خلال الاجتماعات في تونس،
  • واللجنة القانونية التي بدأت أعمالها في 22 كانون الأول/ ديسمبر 2020، ومهمتها وضع القاعدة الدستورية التي ستجري بموجبها الانتخابات الرئاسية والحكومية في كانون الأول/ ديسمبر القادم، وفق ما نصت عليه خارطة الطريق للحل في ليبيا التي أقرها الفرقاء الليبيون في تونس تحت مسمى وثيقة البرنامج السياسي الوطني للمرحلة التمهيدية للحل الشامل،
  • واللجنة الاستشارية التي بدأت أعمالها في 13 كانون الثاني/ يناير 2021 في جنيف.

قادت المشاورات في ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف إلى اختيار محمد المنفي رئيسًا للمجلس الرئاسي وعبد الحميد الدبيبة رئيسًا للوزراء في الخامس من شباط/ فبراير 2021، وقد صوت البرلمان الليبي في 10 آذار/ مارس 2021، على خلاف ما قام به مع حكومة الوفاق الوطني، لصالح منح الثقة للحكومة الانتقالية التي شكّلها الدبيبة.

لكن سرعان ما تفجّر خلاف قانوني ودستوري حول موعد إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والقاعدة الدستورية التي ستجري بموجبها. وقد تركز الخلاف حول طريقة انتخاب رئيس الدولة؛ إما عبر الاقتراع المباشر، وإما بانتخابه بواسطة نواب البرلمان، وهو ما يعني أنه لن تُجرى انتخابات رئاسية، وأنه سيُكتفى بالانتخابات البرلمانية في حال انتخابه عبر نواب البرلمان.

كما ثار جدل حول أسبقية إجراء الاستفتاء بشأن الدستور على إجراء الانتخابات. وحملت القاعدة الدستورية أيضًا شروطًا لترشح الرئيس، أبرزها ألّا يحمل جنسية أخرى، وألّا يكون مُدانًا في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان؛ ما يضع حدًّا لطموحات حفتر في تصدّر المشهد العسكري والسياسي في البلاد، لكن توجد ثغرة في مسودة القاعدة الدستورية قد تكون لصالحه متعلقة بالترشح لرئاسة الدولة في حال التخلي عن جنسيته الأجنبية، وهو ما قد يثير جدلًا دستوريًا جديدًا نظرًا إلى مخالفة تلك المادة لمواد في دستور 2017 التي تشترط عامًا كاملًا، وكذلك مشروع قانون الانتخابات الذي يشترط ألّا يكون المترشح حمل هو أو أي من والديه أو زوجته جنسية أخرى.

كما شكلت قضية تسمية وزير الدفاع إحدى قضايا الخلاف التي ساهمت في فشل مسار جنيف؛ إذ يحتفظ رئيس الحكومة الدبيبة، بمنصب وزير الدفاع لنفسه منذ تولي مهماته في شباط/ فبراير المنصرم، في حين يسعى حفتر إلى تأكيد دوره في العملية السياسية في ليبيا من بوابة قدرته على بسط سيطرته العسكرية والأمنية في شرق ليبيا، وعلى وجه التحديد منطقة الهلال النفطي ذات الأهمية الجيوسياسية.

لقد فشل مسار جنيف في وضع ليبيا على مسار عملية انتقالية تبدأ بانتخابات رئاسية وبرلمانية في كانون الأول/ ديسمبر المقبل، وهو ما يُدخل البلاد في حالة من عدم اليقين، لكن المتغير الذي طرأ على مسار الأزمة هو الموقف الأميركي الذي يضع فيتوعلى العمليات العسكرية في ليبيا عبر تصريحات مسؤولين في الإدارة الأميركية التي تشدد على تفعيل الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وداخل حلف الناتو، من أجل تصحيح الأخطاء التي قامت بها إدارة دونالد ترامب، والتي أثّرت تأثيرًا مباشرًا في العلاقات الأطلسية، إضافة إلى إعادة توجيه أهداف الاستراتيجية الأميركية في أفريقيا في ظل تنامي النفوذ الصيني والروسي،

وهو ما قد يؤسس قاعدة جديدة في إدارة الأزمة الليبية تقوم على منع أي طرف من القيام بعمل عسكري، وإفساح المجال أمام حوارات داخلية بدعم القوى والأطراف المؤثرة في الملف الليبي؛ ما قد يسهم في التوصل إلى صيغة اتفاق سياسي أو نسخة محدثة من الاتفاق السياسي الليبي الصخيرات، خاصة في ظل ضغط بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على الفرقاء الليبيين بهدف إجراء الانتخابات في موعدها.

خاتمة

باتت مخرجات المؤتمرات الدولية جزءًا من الأزمة السياسية في ليبيا، فما إن تهدأ جبهات القتال في البلاد حتى تندلع معارك سياسية وقانونية بين الفرقاء، نظرًا إلى الخلاف والجدل الذي يدور حول توصياتها وقراراتها (ينظر الجدول المتعلق بأهم المؤتمرات الدولية حول الأزمة الليبية).

ويمثل الصراع على السلطة والمحاصصة المناطقية والقبلية بين القوى السياسية والعسكرية العاملَ الرئيس الذي يفجّر الخلافات والتناقضات فيما بينها، ويزيد من حدة التدخلات الخارجية وتأثيرها،

وهو أمرٌ يستدعي إجراء حوار وطني ليبي على قاعدة الفصل الحادّ بين الجوانب السياسية والجوانب الوظيفية في عملية بناء الدولة ومؤسساتها الهشة، والتركيز على النهج الوظيفي في القطاعات المختلفة في هذه المرحلة، وإرجاء البحث في الجوانب السياسية التي عادةً ما تحكمها اعتبارات التنافس والنزاع على المصالح والنفوذ بين القوى السياسية والعسكرية المحلية.

في حال تحقيق حكومة الدبيبة حدًّا أدنى من الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد، خاصة بعد أن صدّق البرلمان على حكومته التي باتت تحظى بإجماع داخلي، واعتراف دولي، قد يسهم الحوار الوطني الليبي في مجالات السياسات الدنيا Low Politics، مثل السياسات الصحية والتعليمية والتشغيل، تدريجيًا في الانتشار Spillover، ليشمل مجالات اقتصادية وسياسية في السياسات العليا High politics، وهو ما قد يُحدِث تحولًا تدريجيًا في ولاءات النخب الوطنية في الدولة الليبية التي تحتل مراكز السلطة، حيث تنقل تلك الولاءات إلى مراكز السلطة الجديدة التي توسّع من صلاحياتها في التأثير في بناء مؤسسات الدولة الليبية على نحو يمهد الطريق لمصالحة اجتماعية وسياسية تنهي حالة الانقسام والتشظي بين أقاليم ليبيا الثلاثة (طرابلس، وبرقة وفزان)، ويقلل من آثار التدخلات الخارجية في الشأن الليبي.

____________

مواد ذات علاقة