تتضارب حوله المواقف محليا وإقليميا ودوليا

بقلم علي عبداللطيف اللافي

استعرضنا في الحلقة لأولى من هذه الدراسة التحليلية مواقف الأطراف المحلية الليبية من السراج بينما استعرضنا في الحلقة الثانية مواقف الأطراف الإقليمية وعلاقة السراج بكل محور أو طرف، ونستعرض في هذه الحلقة الثالثة مواقف الأطراف الدولية وطبيعة علاقات السراج الخارجية.

الجزء الثالت

ثالثا: المواقف الدولية من السراج وعلاقاته الخارجية

مؤثرات شخصية السراج في علاقاته الدولية

فائز السراج وكما بينّا من خلال الحلقتين السابقتين، هو شخصية هادئة ويغلب عليها الحذر والتردد وهو شخص غير صدامي ولا هو انفعالي، وهو اقرب للمحافظة سياسيا ودبلوماسيا ومن الصعب عليه أن يقدم على خطوات وعلاقات في اتجاه ضد الأحداث أو الارتباط الاصطفافي.

ولكنه قد يقبل أن يرتبط ضمن الخيارات المطروحة في ليبيا بلوبيات ومحافل عالمية لطبيعة ثقافته السياسية الناشئة رغم تطورها السريع والديناميكي مع أنه قادر أن يكتسب كاريزما سياسية مستقلة وأخذ مساحات تمكنه من اكتساب علاقات خارجية ودولية ممتدة مع رؤساء دول وفاعلين من قوى دولية نافذة.

ولكنه قد يضع نفسه أيضا خارج لوبيات الداخل مما يسهل لاحقا الانقلاب عليه وإخراجه من مسرح الأحداث (خاصة في ظل حديث مروج خلال الأيام الماضية أنه قد يطلب منه من اعضاء الرئاسي ضمن ترتيب معين أن يكون عضوا عاديا فقط في الرئاسي لا غير)

وعمليا أصبح السراج بعد أحداث جنوب العاصمة (في أغسطس الماضي)، يرفض الإملاءات والتجاوزات ويتمسك برؤاه وقراراته وبالترتيبات الرسمية وأصبح يتمتع بقدرات تراكمية مُعتبرة في التعامل البروتوكولي وفي اتخاذ المواقف وإدارة اللقاءات والعلاقات.

ومع ذلك سيبقى السياسي الذي يميل غالبا إلى الأخذ برأي مستشاريه في اتخاذ المواقف والقرارات الحاسمة وفي تنزيلها أو تحويلها الى أوامر نافذة، وهو يتجنب باستمرار الصدام وتوتير المواقف مع أي طرف إقليمي أو دولي ويميلُ الى البُعد الدبلوماسي وعدم إثارة أي مشكل وهو لا يميل للضغط أو الحرص على الدفع نحو مسارات بعينها، ويُؤمن بالحوار والمقاربة التفاوضية وحل الإشكالات بطرق دبلوماسية …

الأمريكيون والسراج

يرتكز الأمريكيون في سياساتهم على استحضار العملي لسيناريوهات عدة والدعم لأحدها في الوقت المناسب عندما يكون ذلك السيناريو متماهيا مع طبيعة التطورات والمصالح الأمريكية، والسراج هو احد السيناريوهات المطروحة أمريكيا لاعتبارات عدة وقد زار الولايات المتحدة الأمريكية قبل إمضاء اتفاق الصخيرات بين فرقاء الصراع الليبي.

وكانت الزيارة يومها ضمن وفد من الفاعلين الليبيين وقيل انه عقد لقاءات مهمة مع مؤسسات وشخصيات أمريكية مهمة ومؤثرة. كما زار واشنطن مرة ثانية نهاية 2017 كرئيس لحكومة الوفاق وقد ارتاح الأمريكيون لهدوء شخصيته والتزامه السياسي، ومعلوم أنه انفرد بالسفير الأمريكي في ليبيا في العاصمة التونسية في أكثر من مناسبة إضافة للقائه بالسفراء السبع في أغسطس الماضي.

كما من الثابت أن السراج مقبول من كل الدول التي تقوم بأدوار وظيفية للسياسات الأمريكية على غرار ما أوردناه أسفله حول علاقاته بالايطاليين والألمان إضافة للأردنيين وبقية الأذرع الإقليمية الخادمة للسياسات الأمريكية بشكل أو بآخر.

ولكن الأمريكيين براغماتيين وديناميكيين في رؤيتهم للتطورات والمتغيرات في المنطقة ولهم رؤية تقوم على القابلية للتغيير النسقي بين الأوضاع السياسية في كل من تونس والجزائر وليبيا ومصر من حيث العلاقات السياسية وتماهي ذلك مع السياسات الأمريكية وبالتالي فبقاء السراج من وجهة النظر الأمريكية أو بالأحرى دعم بقائه من عدمه مرتبط بالسياق الإقليمي وعاملي التأثير والتأثر بين كل من ليبيا وتونس من جهة وليبيا ومصر من جهة ثانية ووارد ذهابه أو بقائه بناء على وضعية تأرجح الوضع الليبي بين الخيارين التونسي والمصري.

طبيعة العلاقة مع الفرنسيين

ما يقود الفرنسيين هو المحافظة على وجودهم القوي في أكثر من حوالي عشر دول افريقية والمحافظة على المساحات الإستراتيجية اقتصاديا وسياسيا وطبعا يلعب الجنوب الليبي موقعا رئيسيا في تلك الإستراتيجية وبغض النظر عن اختلاف الرؤى في الإدارة الفرنسية الحالية تجاه الملف الليبي خاصة والعالم العربي عموما، قامت السياسية الفرنسية منذ سنتين على ثنائيتين:

أولا: معالجة ترتيبات الأزمة في ليبيا وانعكساتها على المصالح الفرنسية عبر التماهي مع الإماراتيين والمصريين على الأرض في فرض حاكم أقرب للعسكرية خاصة بعد احتواء الكرامة في الشرق الليبي.

ثانيا: الصراع مع الايطاليين في استقطاب الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في ليبيا الجديدة وحول ملفي النفط والغاز، مع أن الفرنسيين استغلوا في نهاية 2017 وبداية 2018 ضعف الحكومة الايطالية والتجاذب السياسي الداخلي بين مكوناتها فامتلكوا الملف إلا أنهم خسروه نتاج ترنح قرارات اتفاق باريس وربح الايطاليون في الأخير معركة إدارته.

والخلاصة أن الفرنسيين ليسوا حلفاء للسراج وأعينهم على خلفاء محتملين له رغم تغيير السفيرة ونية إعادة السفارة في أبريل المقبل وهم سيشتغلون خلال الأشهر القادمة على سيناريوهات بديلة تمكنهم من نفوذ خارج مربعات الجنوب الليبي بمعناه التاريخي.

السراج والعلاقة مع الايطاليين

يحرص السراج على دعم علاقاته مع الايطاليين باعتبارهم المعبر عن السياسات الأمريكية ومنفذين حرفيين لمتطلبات دورهم الوظيفي، وهم يعتبرون السراج خيارا حتى إيجاد البديل الأفضل وهو اختيار مرحلي معمول به منذ يونيو الماضي.

ومعروف أنهم لخّصوا موقفهم من الأزمة الليبية بعد باليرمو بالقول أنهم “ابتلعوا السراج وتقيئوا حفتر” مع التأكيد أنهم لا يزالون يشتغلون على حل يحتوي حفتر ولا يستبعده ولكنه لا يعطيه أكثر من حجم فاعل يضبط المنطقة الشرقية ضمن حل وفاقي يضمن مصالح الايطاليين، وهو ما يفسر تعدد سفرات حفتر والسراج إلى روما خلال الأسابيع الماضية بدلا من اللقاءات التي برمجت للالتئام في الأردن وبروكسل .

والخلاصة أن السراج سيبقى ورقة ايطالية حتى توضح خيار بديل ولكنه خيار مرتبط مرحليا بحل سياسي يضمن للجميع موقعا مريحا والايطاليين يؤطرون التغير في مواقفهم بناء على التماهي مع معطيات السياسات الأمريكية ووفقا لورقتي النفط والغاز والعلاقة المتغيرة في كل الاتجاهات مع المصريين.

العلاقة مع الألمان

لعب الألمان دورا محوريا في مراقبة المتغيرات سنتي 2011 و2012 في كل المنطقة المغاربية، وهم بدوا هادئين في قراءة بل والتفاعل مع التطورات المتسارعة منذ 2014 في ليبيا وبدوا مراقبين وليسوا بفاعلين.

ولكن من المنتظر حضورهم المتنامي خلال الأسابيع والأشهر القادمة وتحولهم إلى قوة اقتراح وفعل، أما رسميا فيمكن التأكيد أن الألمان يسندون السراج وحكومة الوفاق ويفضلون انتصار خيار فبراير مع مصالحة وتوافق بين جميع الأطراف مع أنهم متماهين أيضا مع بعض السياسات الأمريكية في المنطقة.

العلاقة مع بقية دول الاتحاد الأوروبي

تسند بقية الدول الأوروبية حكومة الوفاق باعتبارها معترف بها دوليا وأمميا وذلك لا يُغيب أدوار قوية صامتة للسويسريين والهولنديين (مفاوضات فندق الغابي في أغسطس الماضي مثالا) والبلجيكيين خاصة في ترتيب لقاءات وحوارات وبعض أجندات وأدوار وساطة في عدد من الملفات.

وهو ما يعني أن بقاء السراج من عدمه ستؤثر فيه هذه الدول بأنساق معينة بناء على الأدوار والأجندات التي اشرنا إليها، أما مواقفها المعلنة رسميا فسترتبط بفعل ومواقف البعثة الأممية .

الروس والسراج دعم لا يتجاوز الرسمي والدبلوماسي

رغم أن سياسات الروس تتسم بالغموض ورغم أنهم يعلنون رسميا أنهم يقفون على نفس المسافة مع جميع الأطراف والفرقاء فإنهم واقعيا وعمليا لا يبدون مرتاحين للسراج والفريق المقرب منه، فالروس مفتوحين في خياراتهم الغير الرسمية على حفتر وبعض رجال النظام السابق وسيف القذافي خاصة بل وبذلوا مجهودات في العمل على إعادته للساحة خلال سنتي 2016 و2017 وتواصلوا معه مجددا منذ شهرين أو بالأحرى تفاعلوا مع محاولات مقربين منه.

وقد استقبلت روسيا كل الأطراف على غرار عضو الرئاسي احمد معيتيق كما امتدت علاقاتهم مع حفتر في أكثر من مناسبة وكانت آخرها زيارته لموسكو يومي 07 و 08 نوفمبر الماضي (قبل مؤتمر باليرمو بخمس أيام فقط) مع الإشارة إلى أن بوتين لم يستقبله يومها واقتصر الأمر على لقاء له مع وزير الدفاع وشخصيات أخرى ثانوية.

أما آخر تطورات الموقف الروسي فهي تصريحات السفير الروسي الأسبوع الماضي المؤكدة على دعم حكومة الوفاق و ضرورة المضي في الحل السياسي.

والخلاصة أن الروس حذرين وعلاقتهم دبلوماسية مع الرئاسي الحالي والسراج ولكنهم لا يميلون إلى الأطراف الظاهرة حاليا في الساحة السياسية كما أنهم بالتأكيد حريصين على عدم الاشتباك المعلن والصريح مع الأوروبيين في الملف الليبي.

العلاقة مع المملكة البريطانية

يغلب على الأنجليز المضي في تكريس الخيارات بعيدا عن الأضواء وإن كانوا متماهين مع الأمريكيين بالأساس، فانه يمكن الجزم انهم داعمين حاليا للسراج رغم اشتغالهم على الأرض على السيناريوهات الأخرى وخاصة البديلة منها وهم حذرين أمنيا (قاموا بعملية بيضاء لترحيل دبلوماسيين في سبتمبر الماضي بدت يومها مفاجئة للمتابعين)، وهم يشتغلون على حلول بعيدة المدى ويرتبون سياساتهم على سنوات وعقود وليس وفقا لمتغيرات يرونها تكتيكية.

الصينيون والملف الليبي

الحضور في افريقيا وخاصة استثماريا تغلب على العقلية الصينية وبالتالي فمواقفهم المعلنة تتجنب الاصطفاف المباشر أو الاستفزاز أو الركون والاصطفاف لطرف ما في الصراعات داخل البلدان، معلوم أن للسراج علاقات مع الصينيين وشركاتهم أثناء عمله كمهندس وهو يحضى اليوم كسياسي برضا الصينيين من حيث المواقف الرسمية المعلنة.

أي دور للقوى الدولية في المستقبل السياسي للسراج

لا يختلف اثنان أن مستقبل الأنظمة السياسية العربية منذ السبعينات يُدار بمنطق القابلية للاصطفاف لأحد المحاور الإقليمية رغم إعادة التشكل المستمر لتلك المحاور، إلا أنه أيضا مرتبط بمصالح الأوروبيين والأمريكيين باعتبارهم فاعلين رئيسيين في تركيبة المحاور الإقليمية وخيارات ثقافية وسياسية واقتصادية تؤثر فيها بأنساب معينة محافل ولوبيات عالمية وشركات عابرة للبلدان والقارات.

وبالتالي يمكن الـتأكيد أن مستقبل ليبيا كبلد ومستقبل حكومة الوفاق ورئيسها فائز السراج مُرتبط بقدرتهم على التماهي مع التطورات البينية داخل المحورين الاقليميين وعدم السقوط في الاصطفاف لأحدهما بسبب ظروف ليبيا الذاتية والموضوعية اضافة للتطورات المنتظرة والسريعة الممكنة والمتوقعة داخل المحورين الإقليميين الحاليين وفي العلاقة بينهما (المحور “القطري – التركي” – المحور “المصري – الإماراتي – السعودي”).

وفي التفاعل المباشر مع تطورات السياسات الأوروبية والغربية وفي التماهي أولا وأخيرا مع آمال وطموحات الشعب الليبي ذلك أن الأمريكيين وحلفائهم الدوليين لا يتعاملون ولا يسندون إلا من كان قويا على الأرض ويكتسب ثقة الفاعلين الاجتماعيين وخاصة في بلد تغلب على الشخصية المحلية فيه عوامل “القبيلة” و”الغلبة” و”الغنيمة”.

وفي الأخير فإن السراج وفي انتظار متغيرات جديدة ووفقا للرأي السائد حاليا لدى الفاعلين الدوليين سيبقى في واجهة الأحداث ولكن مرحليا فقط ومعلوم أن هناك اليوم في ليبيا وفي انتظار ترتبات الملتقى الوطني الجامع، أربع سيناريوهات ممكنة وهي تراتبيا:

السيناريو الأول: إطالة المرحلة الانتقالية لمدة سنة ونصف أو سنتين مما يمكن غلق الملفات الحارقة وانجاز المصالحة ثم ختاما انجاز الاستحقاقات الانتخابية ضمن اطر صحيحة وضمن رؤية سياسية هادئة .

السيناريو الثاني: انجاز الاستحقاقات الانتخابية بنسختيها الرئاسية والتشريعية خلال السنة الحالية (ماي أو سبتمبر.

السيناريو الثالث: مزيد من التجاذبات والصراعات مما يعني السقوط في خيار تكريس النموذج العراقي عبر حماية شركات أمنية أجنبية لحقول النفط وإنشاء منطقة خضراء في العاصمة طرابلس والمدن القريبة منها وعندها سيتقاتل الليبيون إلى ما لا نهاية لا قدر الله.

السيناريو الرابع: دفع قوى إقليمية لسيناريو العسكرة وإعادة محاولة الدفع نحو خيار “سيسي ليبيا” أو إعادة البحث عن انتاج “قذافي 2 “، وهو سيناريو شبه مستحيل ومما يعني تحققه الدخول في أتون حرب أهلية مدمرة لا قدر الله .

ومرحليا يبدو وجود السراج واردا في كل السيناريوهات رغم أن وجوده في بعضها سيكون بروتوكوليا بينما سيكون وجوده في السيناريوهين الأول والثاني رئيسيا ولكنه مرحلي، أما وجوده ما بعد الاستحقاقات الانتخابية فذلك أمر ثان مرتبط بعوامل سياسية محلية وإقليمية.

***

علي عبداللطيف اللافي ـ كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

______________

المصدر: صحيفة الرأي العام العدد 90 بتاريخ 10 يناير 2019

مواد ذات علاقة