بقلم د. علي اعبيد

بصرف النظر عن النظام السياسي، يمكن القول أن الدولة الليبية فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق الأهداف التي يصبو إليها المجتمع الليبي، وعجزت عجزاً بائناً عن اصلاح أو تقويم هذا الفشل، وكان عجزها واضحاً وصريحاً في جل القطاعات الحيوية.

رغم الآلاف الذين تخرجهم الجامعات ومؤسسات التعليم العالي كل عام، إلا أن مخرجات المنظومة التعليمية بكافة مراحلها لا تقترب نوعياً من الحد الأدنى لمخرجات المنظومات التعليمية المشابهة حتى في الدول النامية، في الوقت الذي لا تقل فيه تكاليف هذه المخرجات عن تكاليف قرينتها في منظومات تعليمية فائقة الأداء في الدول المتقدمة.

في ميدان الرعاية الصحية تبدو الصورة مشابهة، فالمستشفيات والمراكز الصحية لا تكاد تقدم الحد الأدنى من الخدمات الصحية التي تقدمها دول متوسطة الحال في محيطنا العربي، حتى أن المواطنين الليبيين لجأوا إلى هذه الدول اضطراراً، مع أن وضع ليبيا المالي أفضل بما لا يقارن من هذه الدول.

قطاعات المواصلات والنقل العام البري والجوي، والإدارة العامة، ومؤسسات الحكم المحلي كلها عاجزة عن تقديم خدمات مقبولة، مع تحمل الدولة والمواطن لتكاليف باهظة لهذه الخدمات الرديئة.
الاقتصاد كان الميدان الذي شهد أكثر الارتجال، وأيضا التبذير والهدر للموارد؛ فقد صرفت المليارات على مشاريع زراعية وصناعية لم يبق منها إلا أسمائها.

تلاشت بلا أثر تقريبا مشاريع السرير، والكفرة، والصلول الخضر، والجفرة، والجفارة؛ كذلك كان مصير عشرات المصانع مثل: النسيج في جنزور، والمواد الغذائية في المعمورة، والشاحنات والجرارات، والحواسيب، والكترونات قاريونس، ومجمدات مصراته، وغيرها كثير.

ولم يبق إلا مصانع الاسمنت، والحديد، ومصفاة الزاوية، ومجمع البريقة للبتروكيماويات؛ وهي جميعا تعمل بكفاءة متدنية للغاية، لكنها على الأقل تعمل.

وأصبح الاقتصاد الليبي ريعياً يعتمد اعتماداً كاملا على تصدير النفط واستيراد كل متطلبات الحياة.

العاملون في كل المشاريع الزراعية والصناعية انضموا إلى طوابير البطالة المقنعة في القطاع العام وزادوا من حدة التراكم والتكدس والهدر.

البنية التحتية أكثر من عاجزة عن أداء وضيفتها الأساسية، فمنظومة الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار تكاد تتوقف عن العمل، وفي كل شتاء تغرق المدن الليبية لمجرد هبوط كميات متوسطة من الأمطار.

تراكم القمامة وانتشارها أصبح سمة من سمات المدن الليبية.

انقطاع مياه الشرب، وانقطاع الكهرباء وعجزها المزمن عن تلبية الطلب أصبح مألوفا يتعايش معه المواطن رغم أنفه.

حاجة المواطن الملحة للخدمات ووجود القصور المزمن والحاد في مؤسسات الدولة الليبية دفع المواطن الليبي إلى البحث عن وسائل أخرى لمواجهة مشاكله، وكان أن نشأت أنماط من السلوك غير الحضاري الذي تحول في نهاية الأمر إلى نوع من الأمراض الاجتماعية.

هذا السلوك تجسد في انتشار الوساطة والمحسوبية، واستغلال المناصب وشراء الذمم، والتجاسر على المال العام.

كل الوسائل التي جربت في مكافحة هذا السلوك الشاذ فشلت في القضاء عليه، لأنها تعالج مظاهر سطحية تمثل أعراضاً، ولا تعالج جذور عميقة تمثل أسباباً.

الليبيون خبروا في العقود الماضية لجان التطهير، واللجان الثورية، والمحاكم الثورية، ثم أخيرا ما يعرف بالنائب العام دون اي تحسن في أداء مؤسسات الدولة ونوعية الخدمات.

لقد تفاقم الفساد مع تفاقم الفشل في تقديم الخدمات بمستوى الحد الأدنى، وأعتقد الجميع أن الحل هو في تغيير الأشخاص، فظهرت دورات التغيير السريع في المناصب المتوسطة والعليا، ومن سخرية الأقدار أن هذا التغيير قد زاد الأوضاع سوءاً، فبقدر ما أزاح الأشخاص الفاشلين والفاسدين، أزاح ايضا الصادقين والناجحين..!

لماذا كل هذا الفشل ؟

سؤال يؤرق كل ليبي يعاني معاناة مزمنة من سوء الخدمات ولامبالاة مؤسسات الدولة وعجزها عن إصلاح أدائها.

في الواقع الفشل ليس وليد الساعة، وهو ليس مجرد خلل عرضي حدث في لحظة سهو، لقد كان الفشل العام للجهاز التنفيذي للدولة الليبية نتيجة طبيعية لجملة من السياسات العشوائية التي أتسمت بغياب الرؤية، والسطحية في فهم المشاكل، وهشاشة التخطيط في رسم علاجها، وأدت في نهاية المطاف إلى تكون خلل بنيوي عميق في تركيب الدولة الليبية، لازالت تعاني منه اليوم، وستعاني منه إلى ما شاء الله.

المقام لا يتسح لسرد كل السياسات العشوائية التي أدت إلى نشوء هذا الخلل وتفاقمه، لكننا سنبين أهمها وندرس أثرها المدمر في نشوء القصور المزمن.

عندما يتحول الجهاز التنفيذي للدولة من منظومة هدفها تقديم خدمات معينة لأبناء المجتمع وبجودة ومعايير محددة، إلى منظومة هدفها امتصاص البطالة وتوفير فرص العمل، يصبح من الطبيعي زيادة التراكم وكثرة التزاحم، وتدني جودة العاملين، وتصبح الإدارة أكثر صعوبة، ويحدث القصور في الخدمات التي هي السبب والمبرر في وجود الجهاز التنفيذي أصلاً.

لقد مارست الدولة سياسة التوظيف العشوائي في كل القطاعات، وتضخم الجهاز التنفيذي في الدولة إلى درجة تجاوزت مستوى التشبع بأكثر من الضعف، وأحيانا بأكثر من أربعة أضعاف (قطاع التعليم مثلا)، حتى ظهرت المفارقة المثيرة للسخرية التي تقول: أن الجهاز الإداري الفيدرالي في الولايلت المتحدة الأمريكية التي يتجاوز عدد سكانها 300 مليون نسمة، أقل عددياً من الجهاز الإداري للدولة الليبية التي يقل عدد سكانها عن 6 مليون نسمة..!

اعتقد واضعو هذه سياسة التوظيف العشوائي في كل القطاعات أن توفير فرص عمل للناس، ومن ورائها مرتبات لهم بغض النظر عن أدائهم، هو عنصر مهم في محاربة الفقر وتثبيت السلم المجتمعي والاستقرار السياسي.

للأسف لم يكونوا قادرين على إيجاد حلول أكثر كفاءة لمثل هذه الاشكاليات، فلجأوا إلى الحلول السهلة، رغم أنهم يعرفون محاذذيرها الخطيرى..!

سياسة أخرى وضعت موضع التنفيذ منذ منتصف السبعينات، وهي ما سميت في وقتها بالتصعيد لاختيار شاغري المناصب الإدارية القيادية مع ترسيم مجموعة من عدة أفراد تسمى لجنة شعبية لإدارة المرفق أو المؤسسة.

الهدف الحقيقي لهذه السياسة كان الحصول على رضا الناس بالايحاء إليهم أنهم يملكون مقاليد الأمور في بلادهم، وفي نفس الوقت تحميلهم المسئولية عن أي خلل باعتبارهم يملكون حرية التصرف.

هذا رغم أن الديمقراطية الحقيقية تعني اخضاع المؤسسات التشريعية فقط لآليات الانتخاب، أم المؤسسات التنفيذية فهي مجرد مواقع إدارية يقودها أفراد مختارون وفق الكفاءة والخبرة من قبل المؤسسات التشريعية نفسها ويصبحون مسؤلين أمامها؛ بمعنى أن الادارة علم وليس موضع سلطة يخضع لأليات الاختيار والانتخاب.

آلية التصعيد ساعدت أشخاص، يفتقرون للخبرة التراكمية الناتجة عن العمل في ذات المؤسسة لفترة طويلة، في القفز مباشرة إلى دفة الإدارة، وحيث أن بقاءهم في مناصبهم مرهون بموعد التصعيد القادم، لذلك من المعتاد أن يستغل معظم المصعدين تلك الفترة للاهتمام بمصالحهم وبناء شبكة علاقات، وبالطبع أهملوا مهامهم التي كلفوا بها، هذا إذا فهموا وأمتلكوا الخبرة أصلا لانجاز هذه المهام.

كما أن وجود مجموعة أفراد (لجنة شعبية) على رأس أي مؤسسة يسبب في ضياع المسئولية القانونية، وتعدد الأراء والخصام عند إتخاذ القرار.

سياسة الفك وإعادة التركيب كانت مكملة لسياسة التصعيد في استفحال القصور في الجهاز التنفيذي للدولة. كل دول العالم تعتمد الهيكلية الأنسب لتقديم أفضل الخدمات لمواطنيها، ولا تعتمد أي معيار لهذه الهيكلية إلا معيار الكفاءة والجودة في الخدمات؛ بمعنى آخر الهيكلية المعتمدة في الدولة لا تخضع لاعتبارات جهوية مناطقية، أو عشائرية، أو حتى سياسية، المعيار دائما هو الفاعلية فقط.

ومتى ما تم الوصول إلى الهيكلية المناسبة، بعد دراسة وتخطيط علمي دقيق، تبقى هذه الهيكلية مستقرة وثابتة لأطول فترة ممكنة ولا تتغير إلا وفق ظروف محددة وملموسة.

في بلادنا عملية الفك وإعادة التركيب في المؤسسات التنفيذية تتم وفق عملية عشوائية بالكامل حتى أن بعض الهيكليات لم تستقر أكثر من بضعة أشهرن الأمر الذي خلق حالة من عدم الاستقرار الإداري وربكة حقيقية في تنفيذ المشاريع، خصوصاً تلك التي تتجاوز فترة تنفيذها عمر الوحدة الإدارية المشرفة عليها، ويصبح تتبع مثل هذه المشاريع بالغ الصعوبة في ثنايا الوحدات الإدارية المندمجة، أو التي تغيرت طبيعة عملها، أو تغيرت أسماءها، أو تلك التي حلت بالكامل وتلاشت من الوجود.

إضافة إلى تغيير الهيكلية، ساهم التغيير المكاني لمراكز تقديم الخدمات في المزيد من الفوضى والمزيد من التراكم؛ فقد نقلت مؤسسات الدولة الرئيسية إلى سرت من طرابلس، ثم إلى الجفرة، ثم عاد بعضها إلى طرابلس في عملية عشوائية غير منظمة.

تطلب الانتقال من مكان إلى آخر توفير مقرات، وتوظيف المزيد من العاملين، وصرف المزيد من الأموال على مستلزمات التشغيل، وهلم جرّا.

الإفراط في وضع اللوائح التنظيمية والقوانين المنظمة للعمل التنفيذي في الدولة أدى هو الآخر إلى زيادة الفوضى؛ فكلما حدث تغيير في الهيكل الإداري التنفيذي ظهرت لوائح ونظم جديدة أو معــّدلة عن نظم قديمة، وتعددت بذلك النظم واللوائح إلى درجة التضارب حتى أصبحت عاملا أساسيا في إرباك العمل أو الخدمة.

مثال ذلك تغيير التعليم الثانوي من نظام الثانوية العامة إلى نظام الثانوية التخصصية ذات الأربع سنوات، ثم لاحقاً الثانوية التخصصية ذات الثلاث سنوات سبب ربكة في كيفية التعامل مع الراسبين في السنة الرابعة، هل يمكن اعتبارهم من الحاصلين على الشهادة الثانوية باعتبارهم قد تجاوزوا السنة الثالثة؟

يتبع

***

د. علي اعبيد ـ وزير التربية والتعليم السابق

_____________

مواد ذات علاقة