إن الوعي الوطني بمخاطر التغلغل الأوربي في طرابلس وبرقة “ليبيا”، عرف طريقه إلى مختلف طبقات وفئات الشعب الليبي من مثقفين وعمال وفلاحين ورجال قبائل ورؤساء طرق صوفية.
الجزء الأول
إن النشاطات السلمية التي اتبعتها الأقليات الأجنبية للتغلغل في الكيان السياسي الليبي أرضا وشعبا واقتصادا وثقافة، وما كانت ترمي إليه تلك النشاطات وما سوف تؤدي إليه حتما في مستقبل علاقتها بليبيا، بل وما قامت عليه من أطماع استعمارية من حيث المبدأ..
إن تلك النشاطات أثارت حماس وغيرة العديد من أبناء الشعب الليبي على بلادهم، من منطلق وعيهم العميق بما كان يدور حولهم.
بدايات تحرك المجتمع المدني الليبي
وقد انعكس هذا الحماس في مظاهر النشاطات التنظيمية متنوعة الأغراض. ولعل من أبرز مظاهر وعي فئات المثقفين الليبيين آنذاك بمخاطر المستقبل، في ضوء طبيعة الحاضر المشاهَد، هو ظهور أول جمعية سرية أسست لثقافة المقاومة الاستباقية القائمة على فكرة الإعداد لمواجهة استعمار قادم لا محالة.
وقد عُرفت هذه الجمعية باسم “الجمعية الخيرية السرية”، التي تأسست في مطلع ولاية الوالي العثماني “أحمد راسم” في الفترة “1885 – 1896”. وقد قام بتأسيسها ثلاثة من الشباب هم.. “حمزة ظافر المدني” وهو من رجال العلم المشهورين في طرابلس، و”أحمد حسين النائب” رئيس بلدية طرابلس، و”إبراهيم سراج الدين” الذي كان أحد العلماء المسلمين الوافدين إلى طرابلس من المدينة المنورة.
إن هؤلاء الثلاثة قد اكتووا بما حلَّ بالأقطار الإسلامية المجاورة لإقليم “طرابلس وبرقة”، وبما ارتكبه الاستعمار في مصر والجزائر وتونس.
كما أنهم أدركوا أن إقليم “طرابلس وبرقة” آيل للغزو وربما للسقوط كما سقط غيره، بفعل عدوان إمبريالي جديد قادم.
لذلك فقد كان تشكيلهم للجمعية بمثابة محاولة فذَّة لبث ثقافة المقاومة بكل اشكالها المفترضة بين مختلف طبقات الشعب بشكل استباقي.
وقد بدأت عضوية هذه الجمعية بعشرة من الشباب الطرابلسي، استأجروا محلا تعود ملكيته لشخص يدعى “مصطفى آغا الأرضروملي” الكائن بشارع “ميزران” بطرابلس، واتخذوا منه مقرا لنشاطاتهم واجتماعاتهم السرية.
ومن خلال لقاءاتهم في هذا المكان الخفي عن الأعين، تبلورت لائحة تنظيمية استهدفت تأطير العلاقات بين الأفراد المنضوين تحت لواء هذه الجمعية، وقد عرفت هذه اللائحة التنظيمية من باب التستُّر على وظيفتها الحقيقية باسم “فوائد ونصائح خيرية”.
أبدت الجمعية اهتماما خاصا بالتعبئة العسكرية كي تعدَّ الشعب الليبي لمرحلة رأتها قادمة لا محالة، ستتم الحاجة فيها إلى سواعد الليبيين وأسلحتهم وحدهم للدفاع عن أرضهم.
لا بل إن وجود بنود في مجموعة “النصائح”، تتحدث عن ضرورة تجنب أخطاء الثورات السابقة التي قامت ضد الأتراك، من قِبَل مختلف رجال المدن والقبائل والطرق الصوفية، يدل بما لا يدع مجالا للشك، على أن هذه الجمعية كانت لها فلسفتها الخاصة في الثورة وفي ثقافة المقاومة اللتين كانت تعد الشعب الليبي على أساسهما ووفق أصولهما ليوم مرتقب، عبر خلق أواصر التوحد والتكاتف الحركي بين أوسع قطاعات من الشعب الليبي، وعبر تأكيدها على الاهتمام باللغة العربية وبالعرق العربي، وهو ما يعكس وعيا سياسيا راقيا في ثقافة المقاومة الاستباقية القائمة على الإعداد لمقاومة مستعمر مرتقب من قبل أهل البلاد وهم العرب وليس الأتراك الوافدين.
إلا أن القناصل الأوربيين الذين خشوا من النشاطات التعبوية المتفاقمة لهذه الجمعية في تعطيل مشاريعهم الاستعمارية التي راحوا يخططون لها، وشوا بها إلى الوالي العثماني الذي أمر باعتقال قياداتها، ومن بينهم “إبراهيم سراج الدين” الذي حاكمه الوالي بتهمة خيانة النظام والتآمر على الحكم.
وقد كان من نتائج هذه المحاكمة أن تم نفي “حمزة ظافر المدني” و”أحمد النائب”، وسجن “إبراهيم سراج الدين” لفترة طويلة.
كما شردَت السلطات التركية أعضاء الجمعية ومحبيها في طول البلاد وعرضها ظلما وبهتانا.
أما إجابات “إبراهيم سراج الدين” على الأسئلة الموجهة إليه من محاكميه، فقد كشفت عن وعي عميق بظروف الإقليم، وبالمؤامرات المحدقة بليبيا وشعبها وخيراتها.
وقد أمكن من خلال الوثائق الوطنية المتاحة عن هذه المحاكمة التأكيد على النقاط التالية:
1 – انتقد سراج الدين نمط إدارة الدولة العثمانية للبلاد ذاكرا أمثلة على أسباب ومواضع انتقاده، من بينها انحطاط المعارف، وارتباك الحياة الاقتصادية وخاصة تجارة القوافل مع السودان والتجارة الداخلية التي هيمن عليها رأس المال الأجنبي، واختلال الأمن في دروب القوافل المارة بالصحراء.
2 – أدان سراج الدين موقف السلطات العثمانية في طرابلس بعد أن أعادت المهاجرين التونسيين الفارين من ضنك العدوان الفرنسي على تونس، متهما إياها بالتعاون مع الاستعمار الفرنسي ضد المسلمين في تلك البلاد.
3 – أدان سراج الدين الحكومة العثمانية بإهمالها تدريب الأهالي وتعليمهم استخدام السلاح لمواجهة العاديات المرتقبة التي كانت تلوح من وراء الأفق.
4 – شرح سراج الدين بسعة أفق زعيم يمتلك هو وأعضاء جمعيته نظرة ذات طبيعة شاملة للمد الاستعماري في العالم الإسلامي، ما يخطط له من تقويض النظم الاقتصادية لبلاد المسلمين.
كما أن إجاباته دلت على فهم عميق للدور النضالي الذي كان يجب أن تقوم به القيادات الحية في صفوف الشعب لمجابهة الخطر الأوربي المتوقع، وذلك بالدعوة الصريحة إلى اقتناء السلاح والتدرب على استخدامه.
تؤكد الوثائق الوطنية التي تكشف عن أسماء أعضاء الجمعية الخيرية التي نشأت في ليبيا نهايات القرن التاسع عشر، والتي تولت إعداد الشعب الليبي ثقافيا لروح المقاومة بشكل استباقي، أنهم كانوا من مثقفي مدينة طرابلس في البداية، ثم من مثقفي ليبيا عموما في وقت لاحق عندما توسعت وتنامت أعمالها ونشاطاتها.
ويبدو أن سلسلة المحاضرات التي كانت تُلقَى على مسامع تجمعات هؤلاء الشباب في علوم مختلفة، وخاصة في علمي الجغرافيا والسياسة اللذين كانا يتعرضان لكيفية التوسع الاستعماري الأوربي في العالم الإسلامي، قد تمكنت من خلق بذور وعي عميق بمتطلبات الجهاد لمقاومة التغلغل الأوربي الاستعماري في البلاد.
هذا ويمكننا استخلاص فلسفة وفكر هذه الجمعية الخيرية السرية الأم لجهة ثقافة المقاومة الاستباقية، التي كانت بحق، الحبلَ السِّري الذي ربط الشعب الليبي منذ بواكير إحساسه بالمؤامرة، بمستقبله المرتقب وهو يتعرض لها، كي يعيشَها واعيا بتفاصيلها، عارفا بكل تداعياتها، ومتوقعا كل نتائجها، ومؤمنا بنفسه كشعب قادر على التخلص من أتونها، ومدربا وجاهزا سياسيا وعسكريا لمواجهة صانعيها من أساطين الاستعمار الأوربي، حتى النهاية..
نقول.. يمكننا استخلاص فلسفة هذه الجمعية فيما أورده ميثاقها ونظامها الداخلي في المواد الخمسة عشرة الأولى منه، وهي على النحو التالي:
المادة الأولى (الثوابت) :
وتنص على أهمية العضو المنضم إلى الجمعية، ويظهر ذلك من خلال الاحتفال الخاص والمهيب بانضمامه إليها، ضمن طقوس تُرَسِّخ الثوابت الوطنية والقومية والدينية للشعب الليبي.
المادة الثانية:
وتنص على ضرورة السؤال عن العضو إذا غاب أكثر من يومين، وعيادته إذا مرض، والأخذ بيده إذا تعرَّضَ لأيِّ مُلِمَّة.
المادة الثالثة (اليقضة الشعبية):
وتنص على أن على العضو الحضور كل ليلة إلى مقر الجمعية ومعه خبر جديد، سواء كان داخليا من الولاية، أو خارجيا يكون قد سمعه أو قرأه، كي يلقيه على مسامع الأعضاء الآخرين. وهو ما ينطوي على التحريض على تتبع أخبار الأوربيين المتغلغلين، ونشاطات القناصل، والتجار الوافدين من أوربا، والمتعاونين معهم من أبناء البلد، فضلا عن مواقف الوالي العثماني ورجاله.
المادة الرابعة (استقطاب الزعامات الوطنية):
وتنص على ضرورة توجيه الدعوة إلى الشخصيات البارزة لاستقطابها، مثل زعماء الطوائف الصوفية والشخصيات المتنفذة.
المادة الخامسة (التعبية الشعبية):
وتنص على ضرورة ربط طبقات الشعب كافة بالجمعية، سواء من أجل الحصول على دعم المتنفذين في مقاومة الخطط الاستعمارية، أو من أجل تعبئة الطبقات الشعبية المختلفة وإعدادها ليوم المواجهة الذي كان يقترب.
المادة السادسة (التعددية الحركية):
وتنص – انطلاقا من وعي تنظيمي وحركي عالٍ باستحالة دمج كامل الشعب تحت مظلة تنظيمية وحركية واحدة – على الإكثار من تأسيس الجمعيات الشبيهة، نظرا للفائدة التعبوية الكبيرة الكامنة في انتشارها في ربوع الوطن، على أن تتآلف فيما بينها في إطار الحوار الحر المفتوح الرامي إلى المصلحة الوطنية العامة، في ضوء رؤية مركزية تمثلها الجمعية الأم.. وقد جاء نص الفائدة السادسة في “النصائح” على النحو التالي:
“يجب على الجمعية أن تستسهل كل صعب حتى تكثر الجمعيات في البلاد بحيث تجعل غرضها المقصود تكثير جمعيات الوطن. فإذا كثرت الجمعيات وحصلت المناظرة والمسابقة بينها إلى فعل الخير، تكون قد وصلت إلى الدرجة المقصودة التي لا صعوبة بعدها”.
المادة السابعة (دور القبيلة الاجتماعي والسياسي):
وقد نصت على خص قبائل البادية باستهداف استقطابها، نظرا لما لها من أهمية كبيرة في إعاقة التغلغل الأجنبي عبر مسالك الصحراء ودروب القوافل. إذ نصت على أن يعتبر أعضاء الجمعية التركيب الاجتماعي القبلي بمثابة جمعيات سياسية حادت عن الطريق السوي، ولذلك يجب على الجمعية إرشادها وتعديل القوانين التي تحكم العلاقة بينها وبين نظام الحكم.
المادة الثامنة (الوعي السياسي والأمني):
وتنص على تنشيط الوعي السياسي محليا، ومراقبة نشاط الأقليات وتوجيهه لمصلحة البلاد.
المادة التاسعة (الانفتاح المحسوب على الآخر):
وتنص على ضرورة التزام أعضاء الجمعية باحترام الأجانب وإكرامهم، وخاصة أولئك الذين تواكب مصالحهم مصلحة الوطن، بحيث تتمكن الجمعية من مدِّ جسور الصداقة مع أوربا قدر ما تستطيع لما فيه مصلحة البلاد.
المادة العاشرة (مراقبة المال السياسي وحركته):
وتنص على ضرورة اضطلاع الجمعية بالسعي إلى الكياسة فيما يخص رؤوس الأموال الأجنبية، وخاصة أموال اليهود والنصارى، وألا تخرج مصلحة هؤلاء عن مصلحة المواطنين المخلصين لمصلحة البلاد. ومعنى ذلك ألا يخرج نطاق توظيف أموالهم عن المشاريع النافعة للبلاد، أما ما يخالف ذلك فيجب أن يعامل معاملة الأموال المُخَلْخِلَة للنظام السياسي والاقتصادي في البلاد.
المادة الحادية عشرة (السرية النضالية):
وتنص على سرِّيَّة العمل، وعلى الالتزام بالقانون الداخلي للجمعية.
المادة الثانية عشرة (التعبئة الروحية والوطنية):
وتشير إلى الإهمال الذي تعرضت له البلاد أثناء الحكم العثماني، وتُلزم كل عضوٍ بإبداء الغيرة على الوطن والدين والجنس واللغة، وعلى نساء العرب المسلمين وأطفالهم وأموالهم وشرفهم الذي عبث به الزمان، وذلك بإظهار الحمية والغيرة بالقول والفعل تسابقا نحو عمل الخير.
المادة الثالثة عشرة (الانتصار لله وللوطن):
وتنص على أهمية إعلاء شأن القيم السابقة كمرحلة مهمة من مراحل الإحياء والتيقُّظ الوطني، مشيرة إلى أن على كل عضو الاعتقاد بأن قيامه بهذه الفوائد والنصائح انتصار لله الذي تعطلت أحكامه في البلاد منذ طغى العثمانيون وخرجوا عن تعاليم الدين الحنيف.
المادة الرابعة عشرة (أهمية الثقافة السياسية):
وقد ركزت على العناية بالتثقيف الشعبي وبمتابعة ما ينشر في الصحف.
المادة الخامسة عشرة (التعامل الذكي مع السلطات الأمنية الحاكمة):
وقد أشارت إلى أهمية إظهار الولاء والطاعة للسلطان العثماني تحاشيا للاصطدام بقوات الأمن التركية في مرحلةٍ هي مرحلة إعداد شعبي لمواجهة المخططات الاستعمارية القادمة التي سوف تهل على الولاية العثمانية.
…
البقية في الجزء التالي
***
د. أسامة كعنان ـ كاتب وباحث أردني من أصل فلسطيني
___________
المصدر: صحيفة رؤية ليبية