بقلم ليو كابوتشي
ساهمت الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها منطقة الهلال النفطي الليبي، التي تمتد على طول الساحل من سرت مرورا براس لانوف وصولا إلى منطقة الجفرة، في احتدام المنافسة من أجل السيطرة على إيرادات النفط،
خاصة مع تكثيف الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر جهوده للاستيلاء على المؤسسات الوطنية الرئيسية قبل الانتخابات الرئاسية، التي ستقام في شهر كانون الأول/ ديسمبر من سنة 2018.
الجزء الثاني
سيطرة الميليشيات على حقول النفط
على الرغم من هذا التطور المهم، إلا أن إعادة توحيد المؤسسة الوطنية للنفط لم يكن كافيا لضمان عودة معدلات إنتاج النفط إلى سابق عهدها.
ففي أوائل شهر آذار/ مارس من سنة 2012، انتخب زعماء المنطقة الشرقية من برقة مجلسًا إقليميا وأصدروا بيانا ينص على استقلالهم شبه الذاتي عن الحكومة في طرابلس.
لقد شكلت هذه النزعة الانفصالية تهديدًا مباشرًا لأداء صناعة النفط، حيث تمتلك برقة حوالي 60 بالمائة من احتياطي النفط الخام في ليبيا وتحتضن مينائي سرت وبنغازي، ثاني أكبر مدينة في البلاد.
وقد قاد الحركة إبراهيم الجضران، وهو مقاتل سابق من المتمردين وقاد كتيبة “حمزة” أثناء الانتفاضة ضد القذافي، التي شنت عمليات عسكرية على طول الساحل من أجدابيا إلى منطقة سرت، مسقط رأس القذافي.
في كثير من الأحيان، يشار إلى أن الجضران شخص ذو ميولات انفصالية اتحادية، ولكن يمكن وصفه بشكل أفضل بالسياسي البراغماتي الذي تحالف مع مجلس النواب والسلطات الغربية في طرابلس.
وفي نضاله من أجل الحصول على الاستقلال الذاتي لبرقة، استخدم الجضران آبار النفط الكبيرة بالمنطقة كوسيلة لممارسة الضغط السياسي على طرابلس.
وقد تولى قيادة قوات حرس المنشآت النفطية، التي كانت في السابق من إحدى أبرز الميليشيات في الشرق، حيث كانت خلال أوجها تضم أكثر من 20 ألف مقاتل.
في منتصف سنة 2013، استولت قوات حرس المنشآت النفطية على حقول النفط في السدرة وراس لانوف، وهما أكبر وثاني أكبر محطات نفطية في البلاد، مما عرقل مبيعات بقيمة خمسة مليارات دولار على الأقل.
في أعقاب عملية استيلائه على المحطات، هدد الجضران بإعلان الاستقلال إذا رفضت الحكومة منح شرق ليبيا مزيدًا من الحكم الذاتي على عائدات النفط. كما سمح بإبحار ناقلة محملة بحوالي 16 مليون دولار من النفط الخام من ميناء السدرة الشرقي تحت العلم الكوري الشمالي، على الرغم من أنه تم الاستيلاء على السفينة، على الفور، من قبل القوات البحرية الأمريكية.
مع سيطرة حرس المنشآت النفطية على حقول النفط الرئيسية في الشرق، تذبذب إنتاج النفط بشكل كبير بين سنة 2013 و2016، وبلغ ذروته عند 600 ألف برميل في اليوم خلال شهر آذار/ مارس من سنة 2015. ومع ذلك، يعد هذا الإنتاج أقل بكثير من مستويات الإنتاج المسجلة خلال فترة ما قبل الصراع، حيث كان يتم إنتاج 1.6 مليون برميل في اليوم.
وعلى الرغم من التوقيع على الاتفاق السياسي الليبي، خلال شهر كانون الأول/ ديسمبر من 2015، لم تتمكن السلطات في طرابلس من استعادة السيطرة على المنشآت النفطية. لقد أتاح ذلك فرصة استراتيجية للجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، الذي بدأ بشن حملة معادية للإسلاميين في المنطقة المحيطة ببنغازي، بدعم من ممالك الخليج العربي التي كانت حريصة على تقليص النفوذ السياسي للإسلاميين في جميع أنحاء المنطقة.
خلال شهر أيلول/ سبتمبر من سنة 2016، شنت قوات الجيش الوطني الليبي هجومًا ضد فصائل قوات حرس المنشآت النفطية في الهلال النفطي، لتكتسب بذلك السيطرة الفعلية على حقول السدرة، وراس لانوف، والزويتينة. وخلال الهجوم نفسه، سيطرت قوات حفتر أيضاً على ميناء مرسى البريقة، الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 60 ألف برميل يومياً.
في أعقاب الاشتباكات، رفعت وحدة تابعة لحرس المنشآت النفطية حصاراً دام لمدة سنتين على خطوط الأنابيب التي تربط حقل الصحراء، الذي ينتج 330 ألف برميل يومياً، إلى مصفاة الزاوية في ليبيا وحقل الفيل إلى مجمع مليته.
وخلال شهر كانون الثاني/ يناير من سنة 2017، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط عن رفع “الوقف الاختياري” المفروض على الاستثمار الأجنبي في قطاع النفط، الذي كان قائماً منذ سنة 2011.
وسرعان ما ارتفع الإنتاج إلى مليون برميل يومياً في تموز/ يوليو من سنة 2017، مما يثبت نجاح الجيش الوطني الليبي في السيطرة على منشآت النفط وافتكاكها من قبضة حرس المنشآت النفطية.
لقد جذب استئناف العمليات العسكرية في أكبر الحقول الليبية الاهتمام الدولي، خاصة بعد عودة بعض شركات النفط الكبرى إلى الاستثمار في البلاد. فخلال شهر شباط/ فبراير، وقّعت شركة “روسنفت” الروسية اتفاقيات الإمداد والتعاون مع المؤسسة الوطنية للنفط، على الرغم من عدم توفر أي تفاصيل عن الصفقة.
وبعد بضعة أشهر، صرحت شركة “شلمبرجير” لخدمات حقول النفط الأمريكية بأنها ستستأنف عمليات مشتركة مع شركة سرت الليبية. وحتى شركة الطاقة الفرنسية “توتال” توسعت في عملياتها في ليبيا، حيث اشترت حصة نسبتها 16.33 في المائة في امتيازات شركة الواحة للنفط الليبية من شركة “ماراثون أويل” الأمريكية. في المقابل، لا تزال التهديدات الأمنية التي تشكلها مختلف الجماعات المسلحة والميليشيات المحلية قائمة، تشكل عائقا أمام عودة معظم الشركات الدولية إلى قطاع النفط الليبي.
تجدد انعدام الأمن في الهلال النفطي
لم يدم الهدوء الذي عمّ منطقة الهلال النفطي في ليبيا طويلا؛ فبتاريخ 14 حزيران/ يونيو، استولى مقاتلون تابعون لسرايا الدفاع عن بنغازي على محطتي التصدير الموجودة في راس لانوف والسدرة.
ونفذت سرايا الدفاع عن بنغازي، التي تضم مقاتلين من المرتزقة من جنوب ليبيا وتشاد والسودان، هجوما بقيادة الجضران. ولكن بتاريخ 21 من الشهر نفسه، تمكنت قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر من استرداد المحطتين مرة أخرى، بعد أن حظيت بالدعم من القوات الجوية التابعة لدولة الإمارات العربية.
وحسب ما أكده رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مصطفى صنع الله، أدى الصراع حول المحطتين إلى خسارة 450 ألف برميل من الإنتاج اليومي للنفط. وقد تسبب الصراع في إضرام النيران في ثلاثة صهاريج لتخزين النفط التي قد تستغرق عملية إعادة إصلاحها سنوات، وذلك وفقا لما أكدته الشركة الوطنية للنفط.
يعكس الهجوم الأخير لسرايا الدفاع عن بنغازي خطأ عسكريا استراتيجيا ارتكبه الجنرال حفتر، الذي ترك موانئ الهلال النفطي غير مؤمنة جيدا وركز أكثر على الفتوحات الأخرى شرق البلاد.
وعلى الرغم من أن الجيش الليبي نجح بسرعة في استعادة حقول النفط، رفض حفتر تسليم المحطات التي سيطر عليها لصالح المؤسسة الوطنية للنفط التي تتخذ من طرابلس مقرا لها.
وفي 25 حزيران/ يونيو، أعلن المتحدث الرسمي باسم الجيش الوطني الليبي، أحمد المسماري، أن الجيش سيسلم السيطرة على الموانئ إلى المؤسسة الوطنية للنفط المنافسة الواقعة في مدينة بنغازي، التي لا تزال نشطة على الرغم من عملية إعادة دمج الشركتين سنة 2016، الأمر الذي اعتبر بمثابة مقامرة سياسية من قبل الجنرال.
ومن جهته، قال المسماري إن هذا القرار يهدف إلى منع “الإرهابيين” من تلقي رواتبهم المتأتية من عائدات النفط عن طريق مصرف ليبيا المركزي، الذي يدفع الرواتب إلى مجموعة واسعة من الميليشيات الليبية، بعد أن أصبح الآلاف من رجالهم يتمتعون برواتب من الدولة منذ انهيار نظام القذافي.
لكن، سرعان ما تم التنديد بهذه الخطوة، وقد تم اعتبارها غير قانونية من قبل المؤسسة الوطنية للنفط الواقعة غرب البلاد والمجتمع الدولي على حد السواء. وفي الخامس والعشرين من حزيران/ يونيو، أعلن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط الواقعة غرب البلاد، مصطفى صنع الله، عن وجود قوة قاهرة في مرفأي راس لانوف والسدرة، وقد تم تمديد هذا القرار إلى ميناء الحريقة والزويتينة في الثاني من تموز/ يوليو.
كما أصدرت السفارة الأمريكية في ليبيا بيانا مشتركا وقعته مع كل من فرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة، تعيد من خلاله التأكيد على أن الموارد الليبية “يجب أن تبقى تحت سيطرة المؤسسة الوطنية للنفط الشرعية بصفة حصرية”.
وعلى وجه التحديد، أوضح البيان أنه إذا كانت المؤسسة الوطنية للنفط الواقعة شمال البلاد تحاول بيع النفط، فستنتهك بذلك قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2259 و2278 و2362، وهو ما يؤكد أن الموارد النفطية يجب أن يتم تشغيلها وبيعها تحت السلطة الوحيدة التابعة لحكومة الوفاق الوطني.
مقامرة حفتر
تعد الخطوة التي اتخذها حفتر مقامرة سياسية بامتياز، فقد بات الجنرال الليبي الآن يمتلك الورقة الرابحة منذ سيطرته على مدينة درنة، كما ستلعب الأرقام دورا مهما في أي حكومة وطنية موحدة بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي ستعقد في كانون الأول/ ديسمبر المقبل.
تحديا لحكومة طرابلس بشأن السيطرة على الإيرادات النفطية، يعمل حفتر على تعزيز شرعيته على موانئ الهلال النفطي.
وتعتبر هذه المنطقة موطنا للعديد من القبائل التي لها نفوذ سياسي كبير، بما في ذلك قبيلة المغاربة، التي أعرب قادتها عن استيائهم من الجيش الوطني الليبي بسبب فشله في تحسين مستوى معيشتهم وأمنهم، ولم ينضموا إلى جهود حفتر في التصدي لسرايا الدفاع عن بنغازي.
ويبدو أن الجنرال قد نجح في جعل نفسه بطلا في الكفاح ضد الفساد المتفشي، ومن خلال تحركاته تلقى حفتر بيانات دعم من الهيئات السياسية المحلية في كل من حوض سرت، وفي مناطق مثل جالو وأوجلة وجخيرة.
بالإضافة إلى هذا الهجوم المثير للجدل من قبل القبائل المحلية، يتمثل هدف حفتر الآخر في ضمان تمويل مستقر للجيش الليبي، الذي يعتمد حاليا على البلدان الخليجية لتمويل حملاته العسكرية والسياسية.
خلال بيان أصدرته القيادة العامة للجيش الليبي في الرابع من تموز/ يوليو، حدد حفتر خمسة شروط أساسية لإعادة فتح موانئ النفط، أولها استبدال مدير مصرف ليبيا المركزي، الصديق عمر الكبير، فلطالما أراد حفتر تعيين رئيس جديد لهذه المؤسسة، متهماً الكبير بتفضيل غرب ليبيا وحكومة طرابلس.
من خلال تسليط الضوء على الجدل القائم على الكبير، انتخب مجلس النواب في كانون الأول/ ديسمبر من سنة 2017، محمد الشكري محافظا لمصرف ليبيا المركزي، في محاولة منه لإزاحة الكبير.
ومع ذلك، لم يتم قبول تعيين الشكري من قبل المجتمع الدولي وحكومة الوفاق الوطني، ولم يتم متابعته مطلقا. ومن المؤكد أن تعيين شخصية موالية لحفتر على رأس مصرف ليبيا المركزي سيعزز سلطة الجيش الليبي في الاستثمار والأشغال العامة، وقد تم اقتباس هذه الفكرة من التجربة المصرية، حيث شارك الجيش المصري وتولى زمام الأمور الاقتصادية في البلاد.
في نهاية المطاف، سلم الجنرال حفتر الموانئ إلى المؤسسة الوطنية للنفط التي تتخذ من طرابلس مقرا لها، التي استأنفت عمليات الإنتاج والتصدير في 11 تموز/ يوليو سنة 2018. ولكن، غذت هذه الحادثة التوترات التي طال أمدها حول موانئ الهلال النفطي، مع معارضة الميليشيات المتمركزة غرب البلاد لأي شكل من أشكال التعاون مع حفتر.
وقد تم التأكيد على ذلك من خلال رفضهم حضور مؤتمر باريس الذي عقد في أيار/ مايو، الذي ضم كلا من الجنرال خليفة حفتر، ورئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح عيسى. ومن بين تلك الميليشيات، يعد المجلس العسكري بمصراتة القوي المدعوم من قبل قطر من أعنف معارضي الجنرال حفتر، وسوف يستخدم كل الوسائل المتاحة له لوقف صعود الجنرال إلى السلطة.
من المحتمل أن تشن فصائل المجلس العسكري بمدينة مصراتة هجومًا كبيرا على موانئ الهلال النفطي، بغية وضع المنطقة تحت السيطرة الحصرية للمؤسسة الوطنية للنفط التي تتخذ من طرابلس مقرا لها.
وقد تكون للمصادمات المتجددة في حقول النفط الرئيسية في ليبيا تأثير كارثي على اقتصاد البلاد، حيث شكلت عائدات النفط أكثر من 93 بالمائة من إجمالي دخل الحكومة في الأشهر الستة الأولى من سنة 2018. وقبل خمسة أشهر من الانتخابات الحاسمة لمستقبل البلاد، تبقى المعركة حول موانئ الهلال النفطي الليبي التي لم تنته بعد أمرا مؤكدا.
***
ليو كابوتشي ـ خريج الشؤون الدولية والعلوم السياسية من ذوي الخبرة في إدارة المخاطر وتطوير الأعمال.
_____________