اعداد : د. محمد عبدالحفيظ الشيخ
تهدف هذه الدراسة الى تسليط الضوء على دور العامل الخارجي في عملية التحول الديمقراطي في ليبيا بعد عام 2011، منطلقين من فكرة مُفادها أن العامل الخارجي وفي مقدمتها تنافس القوى الإقليمية والدولية في ليبيا ساهم في توجيه مسار التحول الديمقراطي بعيداً عن طموحات الشعب الليبي،
الجزء الثالث
المطلب الأول: دور العامل الخارجي في عملية الانتقال الديمقراطي في ليبيا عام 2011
سقوط نظام القذافي بتلك التراجيدية ترك الساحة الليبية مفتوحة أمام تأثير فاعلين إقليميين ودوليين كثر، دونما اعتبارات المصلحة الليبية بكل محدداتها. طبيعة تلك التأثيرات في الغالب لا تأخذ بعين الاعتبار المصالح الليبية، وما يمكن أن تلحقه آثارها السلبية ببنية الأمن والاستقرار والتنمية في المشهد الليبي.
لقد ترافقت العوامل الداخلية، وبصفة خاصة الاعتبارات القبلية والمناطقية مع بعض العوامل الخارجية المتمثلة في تقديم الدعم لقوى خارجية إقليمية ودولية في الصراع بين قوى سياسية ليبية لصالح طرف دون آخر، مؤدية إلى مزيد من تصاعد أعمال العنف وتفاقم الأزمة السياسية الليبية، جملة تلك العوامل كان لها أثر مباشر في تعثر المسار الديمقراطي في ليبيا.
أولا: الدور الدولي
لا يمكن إغفال هواجس الدول الغربية، ومخاوفها مما يدور من حراك ثوري عميق في المنطقة محل هيمنتها واستغلالها، وما يمكن أن تكون له من تداعيات على مصالحها، وحرصها بأن تكون مثل تلك الثورات تحت طائلة تأثيرها، حتى لا تفقد السيطرة على مناطق امتيازاتها ونفوذها، وبالتالي لم يكن أمام الدول الغربية من خيار أمام الزخم الثوري التي تمر به ليبيا والمنطقة، إلا أن تكون حاضرة في تأثيرها تحت أي مسمى، وما أقدمت عليه من تدخل ليس حبا في الحراك الثوري التحرري في ليبيا، بقدر ما هي مخاوف مستقبلية لتداعيات الثورة ومحاولة ملئ فراغ والتحكم بإيقاع المرحلة المقبلة واللعب بمتغيراتها.
لقد انتهج القذافي سياسات عدائية تجاه الدول الغربية، كانت دافعا مشجعا ومحقرا لتدخلها في ليبيا وبالتالي انتهزت فرصة التدخل الإنساني للتخلص من نظام مغامر وغير مستقر في محدداته السياسية، ومحاولة صياغة النظام السياسي الجديد من خلال التحكم في قنوات اتخاذ القرار، كي تكون أكثر تأثيرا ونفوذا وذلك للحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاستثمارية الكبيرة.
ويمكن تحديد مواقف الأطراف الدولية في مواقف الولايات المتحدة ودول الإتحاد الأوروبي لا سيما فرنسا وبريطانيا وإيطاليا.
ـ الدور الأمريكي
لا يمكن الحديث عن تغيير في استراتيجية الولايات المتحدة تجاه الوطن العربي، إذ ستبقى المصالح هي التي تحكم السلوك الأمريكي المتعلق بالمنطقة، فقد ظلت الولايات المتحدة داعمة للأنظمة الاستبدادية، ولم تعط للديمقراطية أهمية تذكر في المنطقة العربية، بدليل بقاء بعض الرؤساء في السلطة لعقود طويلة.
ولخصت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة “كوندليزا رايس” أساس العلاقة بين الولايات المتحدة والدول العربية، وذلك في خطابها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2005، ويتمثل بدعم الأنظمة غير الديمقراطية مقابل تحقيق المصالح الأمريكية وعلى حساب الديمقراطية في هذه الدول، ولم تتغير هذه الإستراتيجية في ما يتعلق بالمنطقة حتى بعد الحراك الثوري.
لقد ظهرت مؤشرات خطيرة تعزز هذه الرؤية انطلاقا من ارتباط مصالح الولايات المتحدة وحلفائها بالاستبداد وحساسيتها من أي عملية ديمقراطية تفضي إلى مؤسسات قد تشكل خطرا على أطماعها، برغم من تناقض
هذه الحالة من شعارات نشر الديمقراطية وحقوق الانسان، وحسب تعبير “جيمس بيكر” وزير الخارجية الأمريكي الأسبق أن الولايات المتحدة يمكن أن تتدخل في الثورات العربي من خلال وسائل دبلوماسية، ودعم اقتصادي ومادي، ولكن لن يكون هناك تدخل عسكري إلا في حالات استثنائية جدا مثل الحالة الليبية.
وتشير عدة تقارير أن خوف الولايات المتحدة والدول الغربية على مصالحها منذ بداية الأحداث العربية بسبب فقدان وانهيار النظم الحليفة لها، جعلها تضع خططها وبرامجها منذ البداية لاختراق تلك الثورات من خلال تأسيس شبكات الديمقراطية وأعدادها للمشاركة فيها وتوجيهها في الإتجاه الذي ترغب فيه.
التخوف الأمريكي كان حاضرا بوعي المترقب من تنامي التنظيمات الاسلامية وسيطرتهم على الحكم في ليبيا، وكشفت عن ذلك تقارير استخبارية غريبة، فضلا عن رغبة الغرب الجامحة في السيطرة على الثوار وجعلهم في حاجة دائمة للمساعدة، حتى يتم فرض الشروط عليهم أثناء الحرب وفي مرحلة ما بعد القذافي، وذلك حسب أقوال وليام بيرنز مساعد وزير الخارجية الأمريكي، إلى لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، لعدم القدرة على التنبؤ بما سيحدث بعد هذه الثورات.
لا يمكن تجاهل أهمية موقع ليبيا ضمن الاستراتيجية الأمريكية أو سياساتها الإقليمية بأفريقيا، فليبيا تحتل موقع هام يربط بين أجزاء هامة من أفريقيا شمال الصحراء وجنوبها. لذلك سعت الولايات المتحدة مبكرا لمحاولة إقناع القذافي بالانضمام إلى سياستها في أفريقيا أو عدم معارضتها على الأقل، وخاصة ما يتصل بالقوة المعروفة إفريكوم التي أسسها البنتاغون لمواجهة الإرهاب بيد أن القذافي عبر سرا وعلانية عن رفضه العام، بل محاربته لها ولأهدافها التي تسعى من خلالها إلى احتواء النفوذ الصيني المتزايد في أفريقيا وحرمانها من الوصول إلى الموارد في القارة السمراء.
ولقد وظفت الصين استثمارات هائلة في مجال الطاقة في مدينة بنغازي، وكان في ليبيا حوالي 30 ألف صيني، وهذا ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبرطانيا، تبدي استيائها من هذه السياسات في ليبيا.
كانت الأزمة الاقتصادية الحادة، من بين أهم الاسباب التي دعت الدول الغربية للتدخل في ليبيا، وذلك لتخفيف الأزمة المالية وإيجاد أسواق جديدة مفتوحة لهذه الدول، وكان لدى ليبيا أيضا فوائض مالية هائلة في وقت تعاني فيه أغلب الدول من أزمة مالية تقريبا، وكان ترك هذه الأموال ليتصرف بها القذافي كما يحلو له غير مناسب لمصالح دولية مختلفة، خاصة بعد أن أطلق القذافي سياسته في القارة الإفريقية، وخاصة منها مشروع “الدينار الذهبي“، فقد دعا الدول العربية والإفريقية لاستخدام هذه العملة البديلة وخاصة في التعاملات النفطية، حيث عارضت الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي الفكرة من أساسها، لكونها ستضر بعملاتها، الدولار واليورو.
تسعى الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز قبضتها والسيطرة على الموارد الاستراتيجية للقارة الأفريقية وعلى رأسها النفط. وتشعر الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، بالقلق إزاء التهديدات التي تتعرض لها هيمنتها في المنطقة. وعليه، فإنها تعمد، كما هو الحال في الشرق الأوسط، إلى الدفاع عن هيمنتها وتوسيعها من خلال التدخل العسكري تحت ذرائع كثيرة منها، تعزيز الديمقراطية حماية حقوق الإنسان ومحاربة الارهاب.
وفي تصريح خاص لـ “سبوتنك” بتاريخ 23 فبراير 2018، قال محمد سعيد القشاط سفير ليبيا السابق في السعودية “إن الولايات المتحدة تستهدف من تواجدها في ليبيا، السيطرة على الثروات النفطية واليورانيوم، وكذلك الاستفادة من موقعها الجغرافي“. وأضاف “نقل عناصر تنظيم داعش الإرهابي إلى ليبيا خلال السنوات الماضية تم بإشراف الولايات المتحدة، التي مهدت لهم الطريق، حتى يكون تواجد التنظيم ذريعة للتدخل، وهو ما يتم العمل عليه الآن بشكل مكثف“.
وأكد القشاط على أن التدخل الأمريكي في ليبيا لن يكون الهدف منه الحل، بل إطالة أمد الصراع، كما هو الحال في الدول، التي تدخلت فيها مثل سوريا والعراق وغيرها من الدول العربية.
ـ الدور الأوروبي
يمثل موقف دول الاتحاد الأوروبي ذات الوزن الثقيل لا سيما فرنسا وبريطانيا من التغيير في ليبيا، قمة الانتهازية والتغيير في المواقف تبعا للمصالح. لقد سبق وأن بنت هذه الدول علاقات قوية مع نظام القذافي الاستبدادي، لا سيما بعد حدوث الانفراج في علاقات ليبيا مع الغرب في عام 2003، حيث سارعت الشركات الغربية والأمريكية بالعودة إلى ليبيا وإبرام الصفقات مع نظام القذافي، بل أن رؤساء دول وحكومات الغرب سعوا لمساعدة شركاتهم مثل (إيني، شيل، شيفرون، توتال، ويبسول وغيرها)، إلى العودة إلى ليبيا، كما كانت اتفاقات نفطية عقدها المجلس الوطني الانتقالي عام 2011 مع دول غربية، في الوقت الذي ظلت فيه مسألة دعم الديمقراطية وحقوق الانسان هامشية بين مكونات العلاقات الثنائية.
تميزت مواقف دول الاتحاد الأوروبي للتدخل في ليبيا بنوع من السرعة في الأداء، والهواجس السياسية، ويعود 1لك بالدرجة الأولى إلى المخاوف من مستقبل ليبيا ما بعد القذافي. وقد تجلت أهمية الدور الفرنسي والبريطاني في تحمل جزء كبير من تكلفة التدخل، حيث قامت هاتان الدولتان بقيادة الأغلبية الساحقة من الطلعات الجوية مع مساهمة بسيطة من بعض الدول المشاركة.
ويمكن ان يفسر جزئيا تردد إيطاليا في تأييد فرض الحضر الجوي على ليبيا، وعدم مشاركتها في هذه الحملة ضد النظام في ليبيا، الخوف على الاستثمارات أو قد تتعرض المنشأت التابعة لها للتدمير، وتحتل شركة إيني مرتبة متقدمة من حيث ضخامة الاستثمارات الإيطالية في ليبيا التي يناهز حجمها 30 مليار دولار، فضلا عن عقود الشركات إيطالية أخرى، إلا أنها عادت وشاركت لاحقا في فرض الحظر على ليبيا، لكي تبقى محافظة على مكانتها ومصالحها في مرحلة ما بعد القذافي.
اتخذت فرنسا قرارها سريعا بالتدخل، وأبدت استعدادها للمساهمة في حماية المدنيين في ليبيا، وذلك لتفادي تأخرها في التعاطي مع الربيع العربي، خصوصا بعد التردد تجاه ثورتي تونس ومصرن وبذلك الدبلوماسية الفرنسية جهودا كبيرة من أجل إقناع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لاصدار قرار دولي يهدف إلى حماية المدنيين في ليبيا.
ومنذ البداية كان الموقف البريطاني مؤيدا ومنسجما مع الموقف الفرنسي، حيث بادرت كل من فرنسا وبريطانيا إلى قصف كتائب القذافي المندفعة بسرعة نحو بنغازي، كما أسهمت في توفير الغطاء الجوي لمساندة الثوار في معاركهم حول مدينة إجدابيا وباتجاه البريقة، كما ساهمت بريطانيا وفرنسا أيضا بقيادة الأغلبية الساحقة من الطلعات الجوية مع مساهمة بسيطة من الدول الأخرى المشاركة.
وبعيدا عن مزاعم نشر الديمقراطية وحماية حقوق الانسان، فإن المصالح الاقتصادية والاسترتيجية كانت وراء الموقف الفرنسي بالتدخل في ليبيا، وهذه المصالح تتضمن في المقام الأول التخلص من الإرباك الذي سببه القذافي للسياسة الفرنسية في أفريقيا، عبر مشاريع ومنح ومساعدات قدمها لأنظمة ودول فقيرة، للحد من اعتمادها على فرنسا، علاوة على قلق فرنسا من الدور المتنامي للصين خصوصا في المجال الاقتصادي والاستثماري، إذ عجزت الشركات الفرنسية الكبرى عن منافسة تظيراتها الصينية التي تقدم قروضا ومنحا للدول الأفريقية، لمساعدتها على استثمار ثرواته، بما يحقق منفعة متبادلة للطرفين، بعد أن كانت الشركات الفرنسية تتعامل مع بلدان أفريقيا كمصدر للمواد الخام وسوقا لتصريف منتجاتها الصناعية.
لذلك سارعت فرنسا بالتدخل العسكري في ليبيا حتى يكون لها نصيب وافر، سواء ما يتعلق بعقود النفط والغاز أو إعادة الإعمار، لأن فرنسا لم يكن لها نصيب وافر في مجالات الاستثمارات والعقود في سوق الطاقة الليبي.
وتأتي الرسالة التي نشرتها صحيفة ليبراسيون الفرنسية، وتضمنت وعدا من ثوار ليبيا خلال قمة لندن بإعطاء فرنسا 30% من النفط الخام في البلاد، مقابل تقديم الدعم العسكري للثوار، ورغم أن فرنسا نفت ذلك فإن وزير الخارجية الأسبق، “الآن جوبيه“، رأي أنه من المنطقي أن تتمتع الدول التي دعمت الثوار بأكبر الفرص.
بات واضحا أن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا مهتمة بجني مكاسب الإسهام في إسقاط نظام القذافي، دون إيلاء اهمية تذكر سواء على صعيد تقديم مساعدات لبناء مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، أو مساعدة ليبيا في عملية التحول الديمقراطي، واتضح ذلك جليا من خلال تردد تلك الدول في اتخاذ خطوات في هذا الإتجاه، وهو ما أسهم في اختراق الدولة وإضعافها.
وربما كانت الفوضى هي الهدف التي سعت إليه الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لتحقيقه من وراء تدخلها العسكري في ليبيا، لا سيما بعد أن وجدت تلك القوى نفسها مدفوعة لهذا الاختيار ، بعد أن صعب عليها تطوير استراتيجية واضحة إزاء التطورات المتسارعة في هذا البلد، وبعد أن دفعتها إلى هذا الاختيار دول خليجية كان لديها طموح أكبر في الرؤية والهدف.
…
البقية في الجزء الرابع
***
د. محمد عبدالحفيظ الشيخ ـ رئيس قسم العلوم السياسية، كلية إدارة الأعمال، جامعة الجفرة ـــ ليبيا
***
مجلة العلوم السياسية والقانون : العدد العاشر ” أغسطس – آب ” سنة “2018” وهي مجلة دولية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي المانيا– برلين.
تُعنى المجلة في الدراسات والبحوث والأوراق البحثية عمومًا في مجالات العلوم السياسية والعلاقات الدولية،والقانون والسياسات المقارنة، والنظم المؤسسية الوطنية أو الإقليمية والدولية.
____________