بقلم عبد المطلب الوحيشي
من المؤكد أنك استغشيت ثيابك أو وضعت أصابعك في أذنيك وما زلت تُصر على أن تستكبر، وإلا لأستمعت إليها .. فهذه مغازلة تصف الفاتنة التي لا تعرف حقها ..
أقرأها بعد أن تتناول فطورك .. و”صحة شريبتك” .. بالحمص أو بدونه … ولكل الطرابلسيين الأماجد والطرابلسيات الماجدات “لكم كل الود …رمضانكم مبروك“!
***
يا طرابلس “قوليله”
تبدأ الرحلة حيثما أردت .. تُسارع في خُطاك أو تمشي على مهل .. لكن لايمكنك ألا أن تسبر غور تاريخ تليد. فتكتشف أنها رومية الأسم .. أغريقية الكنية فينيقية الوجد, إسلامية الهوى … شيد “أشباروس قيصر بنيانها.. تلبس”المدن الثلاث” ثوباً أخاذاً .. تتوشح “إويا” رداءً منتقشاً .. وتكتحل العروس بسحر آخاذ …
تُرسل جدائلها في كل باب … أنَّى دخلت تكون لك البُشرى .. من “المنشية” تطيب أوقاتك .. من باب البحر” .. يبادلك قوس “ماركوس أوريليوس” التحية … يُشرِّع “باب زناتة” دفتيه .. ويهب نسيم البحر فتتخبل الرشقات .. ينبعث نفساً رقيقاً فينتعش كل شئ.
هنا أثر السجود. هنا الصالحين والأشراف … في صحن جامع “الناقة”
أثارهم .. في “قرجي”… سيماهم … في “جامع الخروبة” مزامير الذكر … هنا في جوانب“درغوت” يلتحف الدين والإيمان .. هنا أهل العلم والصّلاح، هنا أحفاد “بن العاص” … في “ الشعاب”.. كان اللوح والدواة .. يطُلُّ “الغافقي” قاضي المدينة .. ويكتب أبو الحسن بن مخلوف الطّرابلسي مُصنّفه ..
هنا قُطِع دابر “فرسان يوحنا” .. هنا يتحلق الرجال حول “يوسف باشا” فتعلوا الهامات … هنا أُحرقت “فيلادلفيا”.. هنا “سليمان” “وبالخير” “والمريض” “ورمضان”… هنا “الجمهورية الأولى”… هنا يكتب “بشير بك” فصلاً من فصول الإستقلال.
هنا المملكة … هنا زيتونها .. وذاك النخيل في وجدانها…
في مقهى (زرياب) يُنيخُ الفن والأدب راحلته … من الفنون والصنايع .. من أرفف الكتب والدوواين عند “النائب” و“الفرجاني”… حول تلك الطاولة تكون شجون “قنابة” و”بوشويشه” و “طريبشان”و ”الفقي”.. هنا يُنهي “المصراتي” كتاب “غومة”… يرسُم “اللباد” صوره … هناك يتحسس “على صدقي” ”مواقع الإقدام للشمس اللعوب”.. هنا بلد الطيوب.
هنا في ميزران , في الظهرة “وقرقارش, في ردهات سوق الجمعة, ينتشر اللحن. فتتمايل العروس طرباً … وتُغمض أهدابها .. ويضوع “المالوف” في أركانها .. ”تطيب أوقاتها”… ”يطرز الريحان” وشاحها.. يغني“منكوسة” “الصبا” ، يُحرك “أقنيص” وتر “النوى” ويُنسج “عريبي” نغم “المنفرجة” .. فلا يكون إلا هوىً عذرياً ليس له كتمان .. يلثم الموج “السرايا” ويطبع قبلاته على جنباتها…
هنا ستحتسي “الثالثة باللوز” في شارع الوادي عند “سي عبدالله” .. عند “سي سعيد”سترشف الشاي المعطر بالكاكاوية .. هناك عند “سي الجيلاني” يكون “للسحلب” طعماً خاصاً…
عند “الصالحين” يستهويك مذاق “البيتزا” “والقرنيطة” .. هنا “نفص” التن من “سي الهادي”..
تمضي الرحلة … هنا الميناء … إلى “المشير” وسوق الرباع .. هنا حومة غريان …ذاك فتىً حنطى اللون يحمل سفرة الخبز إلى “كوشة الصفار” ..
هنا “الرايس أسماعيل”.. هنا “الفروج” و”القاجوج” .. على مائدة “الجمعة”
هنا ربطة العنق الأنيقة..
هنا الغنج والدلال بين ثنايا “الفراشية”..
هنا “القمجة” و“السروال” و“الفرملة” .. تتراص “”الصدارات”.. فتبين “النجمة الصغيرة”.. تزهو الفاتنة في “الجلوة” .. تشرق “النجمة الكبيرة”.. يعبق “المحضر” بالياسمين .. تظهر “الأندلس” في “التدريجة”
هناك “الزقوزي ..بحانبه “البسكي”.. و”الأحول”
هنا “التيحة”. والأهلي .. هنا”كوريا” وبومليانة وبومشماشة.
هنا شهداء “جامع القصر”
هنا تداعى جسد العروس في فبراير بالحمى “لبنغازي”… هنا هب الأشاوس .. هنا خاطت “صبرية” علم الاستقلال..
هنا تخضب ميدان “الشهداء” بدماء الأطهار ..
هنا ياسادة “طرابلس” التي فتحت ذراعيها … هي التي رحبت بكل قادم .. هنا الحاضنة … هنا التي انتصرت على كل غازي .. هنا الروح.
هنا يخُطُّ التاريخ سطوراً من فخار… فيكتب مناهل العز …
هنا “عروس بحرنا” !
_____________
المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك