بقلم محمد مرسي محمد

تبحث الدراسة سوسيولوجيا إعلام الثورات العربية في المهجر من خلال رصد سياقات نشأته وتطوره ووظائفه ومحددات خطابه وأيديولوجيتهوعلاقته بمحيطه المحلي ومشكلاته؛

باعتباره ظاهرة اتصالية وسياسية نشأت في ظروف استثنائية للاستجابة لحاجات إعلامية ومعرفية وثقافية تخص الجمهور الذي يتعرض لهذا الإعلام.

الجزء الثالث

وظائف إعلام الثورات العربية المهاجر

تشابهت الحركات الاجتماعية التي قادت الربيع العربي في العديد من السمات؛ الأمر الذي انطبق أيضًا على الخصائص التي ميزت وسائل الإعلام الداعمة لها، سواء خلال عملية صعودها، أو في مرحلة المهجر حيث واجهت تحديات متعددة.

وفي هذا المحور، يحدد الباحث أهم الوظائف التي يحاول إعلام الثورات العربية المهاجر القيام بها في مقابل إعلام الثورة المضادة، معتمدًا على متابعته المستمرة لهذا الإعلام، وعلى خلاصة مقابلات معمقة أجراها مع عينة الدراسة التي شملت عشرين مبحوثًا من العاملين في قنوات المعارضة العربية بالمهجر وعدد من المتخصصين في الإعلام، ويمكن تلخيص هذه الأهداف في

  1. تزويد الجمهور بالمعلومات والمعطيات عن الشأن الداخلي من وجهة نظر التيار المؤيد لثورات الربيع العربي، حيث تلعب قنوات المعارضة في المهجر دورًا في تحقيق نوع من التوازن مع إعلام السلطة الأحادي الصوت والرؤية. كما تسعى لإعادة ترتيب أولويات الجمهور بشأن الأحداث الجارية محليًّا طبقًا لأجندة التيار الثوري، وبعيدًا عن أولويات الأنظمة الحاكمة.

  2. إشباع حاجة الجمهور المؤيد للثورات إلى خطاب يُمَثِّلُه، حيث عادة ما يتجه الجمهور إلى الوسيلة الإعلامية التي تقدم له المحتوى الذي يتوافق مع آرائه واتجاهاته، الأمر الذي تؤكده نظرية الاستخدامات والإشباعات التي تفترض أن الجماهير ليست سلبية تجاه وسائل الإعلام، ولكنها فعالة في عملية انتقاء الرسائل.

لكن هذا الإشباع ظل متركزًا بشكل أساسي على نقل الحدث دون أن يتناول بشكل جاد بقية الاحتياجات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والترفيهية، أي ما تحتاجه محطة تليفزيونية لتكون مقصدًا للمجتمع المتعطش إلى البديل المتوازن المؤثِّر

  1. محاولة كسر دوامة الصمتالتي تحاول النظم الحاكمة فرضها على الجمهور من خلال إغلاق وسائل الإعلام المعارضة، وتكميم أفواه المواطنين وإخراس أصواتهم، وإجبارهم على متابعة وسائل إعلام النظام التي لا تهتم بتغطية الأحداث بقدر ما تعمل على التعتيم أو التغطية عليها.

وإذا كان المغني الأميركي ذو الأصول الإفريقية، جيل سكون هيرون ، أنشد في السبعينات من القرن الماضي يقول: إن الثورة لن تتم تغطيتها في التليفزيون، فإن هذا تغيَّر تمامًا بعد ظهور الأقمار الصناعية ثم شبكة الإنترنت، وأصبح شيئًا من الماضي بانتشار شبكات التواصل الاجتماعي.

  1. العمل على زيادة رأس المال الاجتماعي بين قطاعات الشعب المختلفة والتأكيد على مصيرها المشترك، ومحاولة نزع الشرعية عن الأنظمة التي عادت للسيطرة على البلاد عبر الثورات المضادة، وذلك من خلال تسليط الضوء على المظالم التي تتعرض لها الشعوب، والتأكيد على أهمية اتحادها لرفع هذه المظالم والتطلع إلى مستقبل أفضل.

مشكلات إعلام الثورات العربية في المهجر

من خلال المقابلات التي أجراها الباحث مع أفراد عينة الدراسة من الإعلاميين والخبراء في الإعلام الذين يعملون في وسائل إعلام عربية مؤيدة للربيع العربي وتعمل في المهجر، ومن خلال الملاحظة المباشرة، والزيارة الميدانية لاثنين من هذه القنوات في إسطنبول والدوحة، توصل الباحث إلى أن أهم المشكلات التي تواجهها القنوات العربية في المهجر تتمثل في النقاط التالية:

ضعف التمويل وغياب الشفافية: حيث يفترض الباحثان، جون مكارثي وماير زالد ، أن المظالم والقيم المشتركة وحدها لا تكفي للنجاح، وإنما لابد من آليات لحشد الموارد من مال ووقت وجهد ودعم خارجي. وقد ترتب على ضعف التمويل في الكثير من الأحيان شكاوى من العاملين تتعلق بعدم انتظام الرواتب أحيانًا وضعفها في أحيان أخرى، كما أن نمط التمويل المبني على التبرعات واستخدام واجهات إعلامية وسياسية تُخفي الملاك الحقيقيين يؤدي في النهاية إلى سيطرة نمط إداري غير مؤسسي تغيب عنه المحاسبة ويفتقر إلى الشفافية.

لذلك، تُضطر وسائل الإعلام المعارضة بالمهجر، في كثير من الأوقات، إلى الإغلاق لعدم قدرتها على مواصلة الإنفاق على العمل الإعلامي المكلِّف.

الضغوط السياسية: حيث تتعرض البلدان التي تستضيف وسائل الإعلام المعارضة إلى ضغوط سياسية كبيرة، وهو ما يظهر بشكل واضح في حالتي تركيا وقطر، كما تتعرض هذه القنوات للتشويش والإغلاق من قِبَل الأقمار الصناعية المملوكة لبعض الدول العربية، بينما يتعرض العاملون فيها إلى مضايقات كبيرة من طرف سفارات بلادهم بالخارج.

تأثير الممولين على السياسات التحريرية: يظهر ذلك بشكل واضح عندما يتغير الممول، أو حتى عندما تتغير تحالفات الممولين، بل رصد الباحث بعض الحالات التي يقوم فيها الممول باستخدام الوسيلة الإعلامية في تصفية خلافات شخصية مع بعض المنافسين السياسيين.

قلة الخبرات وضعف الكفاءة: بسبب ضعف الإمكانيات المادية لقنوات المعارضة من جهة، وبسبب الضغوط السياسية والتحديات الأمنية التي تواجهها من جهة أخرى، فإن الكثير من الكفاءات الإعلامية تعزف عن العمل فيها مفضلة الانضمام إلى وسائل إعلام أكثر استقرارًا.

ضعف التواصل مع مؤسسات الدولة: وهو ما يؤدي إلى حجب الكثير من المعلومات المهمة التي تكمل الصورة لدى الإعلام المعارض، بالإضافة إلى خوف الكثير من المصادر من التعاون معها خشية حملات التنكيل المادي والمعنوي التي تمارسها الأنظمة؛ الأمر الذي يؤثِّر بالضرورة على المحتوى الذي تقدمه القناة.

قلة عدد المراسلين على الأرض: والاقتصار على النشطاء المتعاونين قليلي الخبرة، والاعتماد بشكل كبير على المواطن الصحفيوما يُتداول على مواقع التواصل الاجتماعي.

ورغم أن النشطاء والمواطنين الصحفيين يقدمون في الكثير من الأحيان معلومات وصور مهمة، إلا أن غياب المراسل المحترف يؤثِّر بشكل واضح على جودة المنتج الإعلامي.

وفي الحالة الليبية، فإن افتقار الساحة الإعلامية للكفاءات المحلية اضطر وسائل الإعلام التابعة لأطراف الصراع إلى الاستعانة بإعلاميين عرب لتغطية مشهد ليبي شديد التعقيد اجتماعيًّا وديمغرافيًّا وسياسيًّا يصعب عليهم إدراكه والتعبير عن أبعاده، وهو ما يؤدي في كثير من الأحياء إلى تقديم طرح سطحي لقضايا .معقدة

***

محمد مرسي محمد ـ حاصل على الماجستير في الإعلام والدراسات الثقافية من معهد الدوحة للدراسات العليا. عمل لأكثر من عشرة أعوام في إنتاج الأخبار بعدد من القنوات الفضائية العربية، كما أنتج مجموعة من الأفلام الوثائقية، ونشر عددًا من الأبحاث في مجال الإعلام والاتصال.

___________

مواد ذات علاقة