بقلم محمد مرسي محمد

تبحث الدراسة سوسيولوجيا إعلام الثورات العربية في المهجر من خلال رصد سياقات نشأته وتطوره ووظائفه ومحددات خطابه وأيديولوجيتهوعلاقته بمحيطه المحلي ومشكلاته؛

باعتباره ظاهرة اتصالية وسياسية نشأت في ظروف استثنائية للاستجابة لحاجات إعلامية ومعرفية وثقافية تخص الجمهور الذي يتعرض لهذا الإعلام.

الجزء الرابع

خصائص خطاب إعلام الثورات العربية

لا شك أن خصائص الخطاب الذي ينتجه إعلام الحركات الاجتماعية العربية في المهجر تختلف من بلد لآخر، لكن تبقى مساحة التشابه بينها في مجمل الخصائص والسمات أكبر كثيرًا من مساحة الاختلاف، كما أن خطاب المهجر يختلف بالضرورة عن ذلك الذي كان يتم إنتاجه على أرض الوطن، سواء في مرحلة ما قبل الثورات، أو في المرحلة التي جاءت بين اندلاعها في 2011 وبداية صعود الثورات المضادة في صيف 2013، ويسعى الباحث هنا إلى تقديم محددات جامعة لخطاب إعلام الثورات العربية المهاجر بشكل عام. 

***

لم يهتم الباحث في هذا الجزء من الدراسة بتحليل الخطاب الذي يركز على رصد بنية وتركيبة المعجم وخريطته فقط، أو حتى على تحديد السياق الذي ترد فيه وحدات هذا المعجم، وتحليل الهيئة البنائية للنصوص، ولكن تجاوز ذلك إلى التحليل النقدي للخطاب الذي ينطوي على اختيار الأحداث والقضايا البارزة والمضامين الإعلامية المرتبطة بها، ورصد مستويات توظيف الخطاب الإعلامي في خدمة الأغراض السياسية والاجتماعية والثقافية للقوى المؤثرة في المجتمع. فالتحليل النقدي للخطاب، كما يراه فاركلوف، يتأرجح بين التركيز على النصوص، وبين دراسة ما أسماه بـنطاق الخطاب، أي البناء الثابت نسبيًّا للغة الذي يشكِّل مكونًا في بناء الممارسات الاجتماعية والشبكة التي تؤلِّفها.

ولمزيد من الإيضاح، فإن التحليل النقدي للخطاب عند فاركلوف يتم في إطار ثلاثي الأبعاد، حيث يوجد النص ضمن عملية الممارسة الخطابية التي تتضمن إنتاج النص وتوزيعه واستهلاكه، على أن يأتي كل ما سبق ضمن إطار من الممارسات الثقافية الاجتماعية.

فهو بذلك يحاول الكشف عن المضمرات الأيديولوجية والثقافية في الخطاب الذي يمثِّل بشكل أو بآخرنوعًا من التعبير السيميائي عن الممارسة الاجتماعية. 

وجاء اختيار الباحث لهذا المدخل لكون الإعلام الذي نحن بصدده في هذه الدراسة في معظمهيتبنى خطابًا أنتجته حركات اجتماعية معبِّرة عن قطاعات مجتمعية شاركت في ثورات الربيع العربي، كما أن هذا الخطاب يتأثر بكونه ناتجًا عن وسائل إعلام مهاجرة؛ الأمر الذي يؤثر بشكل واضح في سماته وخصائصه. فالنظريات الاجتماعية تُثري تحليل الخطاب، فيما يزيد هذا النوع من التحليل من أهمية وقيمة البحوث الاجتماعية كما يقول فاركلوف. ويلخص الباحث أهم خصائص خطاب الإعلام العربي المهاجر فيما يلي:

1- الأدلجة: إن الخطاب الذي يجمع بين البنية الأيديولوجية والبنية السياسية أو الخطاب الهجينبحسب وصف الباحث زياد حميدان– صفة ملازمة لخطاب حركات الإسلام السياسي الذي يحاول استخدام النص الديني للعبور إلى السياسة، وهي حركات تُمَثِّل كتلة وازنة ضمن الحركات الاجتماعية التي شاركت في الربيع العربي.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، ظهر الخطاب المُؤَدْلَج عندما عالجت بعض القنوات المصرية تأييد قطاع من الأقباط للرئيس عبد الفتاح السيسي، وامتد الهجوم ليشمل رأس الكنيسة الأرثوذكسية نفسه والإشارة إلى تأييد الأقباط للنظام المصري لقمع المعارضة، كما ظهر كثيرًا في القنوات السورية خاصة عند الحديث عن المعارك في منطقة الساحل ذات الغالبية العلوية.

وبدورها، اعتمدت القنوات الليبية خطابًا حادًّا بعد أن شهد الشارع السياسي انقسامًا أيديولوجيًّا في وقت كانت تحتاج فيه إلى اتفاق على أسس بناء الدولة بعد الثورةوتفاقم هذا الانقسام بشكل واضح منتصف عام 2013 بين قنوات تدعم التيار الإسلامي بجناحيه، الإخوان وكوادر الجماعة الليبية المقاتلة سابقًا، وأخرى تدعم التيار العلماني وأبرز مكوناته تحالف القوى الوطنية (ليبرالي).

2- إنتاج سرديات غير واقعية: وذلك بسبب الابتعاد لسنوات عن مجريات الشأن الداخلي، والاقتصار على المعلومات التي يتم الحصول عليها من خلال المراسلين ووكالات الأنباء ووسائل الإعلام، وأيضًا بسبب الرغبة في إظهار تداعي الثورات المضادة،

وهو عادة ما يُنتج تصورات غير دقيقة عمَّا يجري على الأرض؛ حيث تنتج هذه القنوات في كثير من الأحيان واقعًا موازيًا يتناسب مع تصوراتها، بدلًا من أن تنتج خطابًا يتواءم مع سيرورة الواقع.

فقد روجت قنوات المعارضة المصرية لأخبار مثل وضع وزير الدفاع، صدقي صبحي، قيد الإقامة الجبرية، واعتقال مساعد القائد العام للقوات المسلحة لشؤون تنمية سيناء، الفريق أسامة عسكر. ومرض بشار الأسد في سوريا والعديد من الأخبار غير الصحيحة عن فاروق الشرع مثل رئاسته لمؤتمر سوتشي.

وفي ليبيا، روَّجت عدة قنوات ووسائل إعلامية لشائعات مثل اغتصاب عدد كبير من المواطنات على يد قوات القذافي، وغيرها من الأخبار غير الدقيقة.

3- انتشار خطاب المظلومية: عندما قادت مدرسة شيكاغو، ذات التوجه السلوكي، الدراساتِ العلميةَ الأولى للحركات الاجتماعية اعتبرتها ردَّ فعل عفويًّا على مظالم ظهرت في إطار الدولة. لذلك، كان من الطبيعي أن يتضمن الخطاب الذي تنتجه الحركات الاجتماعية العربية في المهجر قدرًا من الغضب؛ الأمر الذي يلبي حاجات عاطفية عند الجمهور الذي يشعر بالظلم الواقع عليه، لكنه يؤدي أيضًا إلى تبني عبارات عاطفية وغير عقلانية في الكثير من الأحيان، فيتم التركيز على السلبيات فقط، وتقديم صورة مجتزأة لدى جمهور هذه القنوات بهدف زعزعة شرعية النظام الحاكم وإثارة سخط المواطنين، فنرى كلمات مثل النظام الفاشل، وانهيار الدولةوالمشاريع الوهمية“…إلخ.

وبالرغم من كون الكثير من هذه السلبيات حقيقية إلا أنه يتم تضخيمها بشكل واضح، كما أن هناك بعض الإيجابيات التي لا يتم ذكرها.

4- المبالغات وعدم الدقة في نقل الأخبار: وهي خاصية تميِّز الإعلام العربي بشكل عام، بل وتظهر بشكل أكبر في الإعلام الرسمي، لكنها تظهر أيضًا بشكل واضح في إعلام الثورات العربية بالمهجر، كما حدث في تحليل علاقة المذيع أحمد موسى بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وحادثة التشكيك في نسب القذافي، ويتكرر الأمر مع القنوات السورية خاصة في أخبار المظاهرات التي قد تشير إحدى القنوات إلى أنها تجري في مكان ثم يتبين وقوعها في مكان آخر، الأمر الذي يدفع القناة للاعتذار، على أساس أنها أخطاء غير مقصودة.

5- غياب الرؤية الناظمة للخطاب: وهو ما أدى إلى أن إعلام الثورات العربية في المهجر يعمل بشكل ارتجالي، حيث غالبًا ما يحدد العاملون في سلاسل الإنتاج الإخباري الخطابَ الذي يتم إنتاجه بناء على آرائهم الخاصة والانطباعات التي تكونت من خلال النقاشات فيما بينهم وبين المقربين منهم أو متابعيهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويظهر غياب الرؤية بشكل واضح عندما يقدم اثنان من المذيعين في نفس القناة آراء متناقضة في قضية بعينها.

6- اضطراب الخطاب بشأن الآخر الثوري“: يقول محمد عابد الجابري: إن الأناعندما تتمركز في دائرة من الدوائر، فإنها تتخذ من الدوائر الأخرى آخرلها.

وقد كان التمركز في المرحلة التي أعقبت ثورات الربيع العربي في الأغلب على أساس الدوائر الثقافية وليس السياسية أو الاقتصادية، وهو ما أدى إلى تنافس على أسس غير سليمة أفضى لمنازعات بين الكيانات الثورية، حدثت تارة عندما حاولت تلك القوى المتنافسة حصاد مشاركتها في الثورات، وتكررت مجددًا بشكل أوسع عندما بدأت تدفع ضريبة هذه المشاركة بعد وصول الثورات المضادة للسلطة، فالأطراف التي فشلت في اقتسام المكاسب من باب أولى ستخفق في التكافل خلال مرحلة تحمل الخسائر.

ورغم غلبة الخطاب الداعي إلى الوحدة بين الأطراف المؤيدة للربيع العربي في قنوات إعلام الثورات العربية بالمهجر، إلا أنها لا تنفك تدخل من حين لآخر في مناكفات مع التيارات الثورية الأخرى، فمثلًا في القنوات المصرية عادة ما تثار قضايا تتعلق بتباين المواقف من الانقلاب على الرئيس المعزول محمد مرسي.

كما شهدت ليبيا العديد من المناكفات في هذا الشأن، أما سوريا فكثيرًا ما يظهر على شاشات قنواتها في المهجر انفصام بين خطاب السياسيين المفاوضين باسم الثورة والمسلحين المتواجدين على الأرض.

7- التأكيد على مبادئ الديمقراطية: يتسم خطاب إعلام الثورات العربية المهاجر بنزعته الديمقراطية؛ إذ يدعو إلى الاحتكام للشعب باعتباره صاحب السيادة؛ ففي مصر يطالب بانتخابات نزيهة والعودة إلى المسار الديمقراطي، وفي سوريا توجه قنوات المعارضة بالخارج انتقادات واسعة للنظام بسبب قتله للديمقراطية، واعتبار الانتخابات التي يجريها مجرد تمثيلية.

وفي ليبيا عملت هذه القنوات على تنوير المواطنين، والدعوة للمشاركة الفعالة في العملية الانتخابية.

8- النظرة إلى مؤسسات الدولة: رغم أن الكثير من وسائل إعلام الثورة في المهجر يتبنى أفكارًا قريبة من أفكار التيارات الإسلامية، إلا أنها كثيرًا ما تنظر إلى الدولة من منظار ماركسي عندما تعتبر أنها نوع من حكم الطبقة، أو حتى الفئةالتي لا تُمَثِّل الشعب، وهو ما ظهر جليًّا في خطابها سواء في مصر؛ إذ تعتبرها نوعًا من حكم طبقة الضباط (العسكر)، أو حكم الطائفةالمدعومة من المجتمع الدولي في سوريا، كما ينتشر خطاب في بعض قنوات المهجر الليبية مفاده أن البلاد تشهد محاولات لعودة رجال معمر القذافي (الأزلام).

ورغم أن خطابي المعارضة والسلطة يكادان يشتركان في استخدام نفس المخزون المعجمي، إلا أن دلالات كل منهما تختلف بحسب مرجعية هذا الخطاب؛ حيث تعود السلطة لمرجعية الدولة الحديثة، بينما تعود المعارضة لخليط من المرجعيات الدينية والفلسفية التي تأخذ في الاعتبار مفهوم الدولة الحديثة في الاعتبار.

فمثلًا عندما تتحدث السلطة عن الشعب، فإنها تقصد مجموع المواطنين الذين يعترفون بها كسلطة شرعية ويطيعون أوامرها ولا ينخرطون في نشاطات معارضة، لدرجة أنها في مصر مثلًا قسَّمت الشعب إلى شعبين وعبَّرت عن ذلك في أغنية جرى بثُّها على نطاق واسع في القنوات الرسمية تقول: “إحنا شعب وانتو شعب“. بينما تعتقد المعارضة أن الشعب هو مجموع المواطنين فيما عدا السلطة، مستخدمة عبارات من قبيل: “جيش السيسي، شرطة الانقلاب، شبيحة بشار“…إلخ.

9- لم تقتصر أجندة وسائل إعلام الثورة في المهجر على القضايا المحلية؛ حيث اهتمت أيضًا بالقضايا الإقليمية والعربية العامة التي تؤثِّر على مصير الثورات، وخصوصًا ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والقدس، وانتقاد مواقف الأنظمة منها، بالإضافة إلى متابعة الصراع الإقليمي الدائر بين محورين يضم الأول بحسب هذه القنواتمؤيدي الربيع العربي وبعض الدول مثل قطر وتركيا، فيما يضم الآخر مناهضي ثورات الربيع العربي، وفي مقدمتهم أنظمة الحكم في مصر والسعودية والإمارات.

وقد ظهر ذلك خلال عملية الانقلاب الفاشلة بتركيا في يوليو/تموز 2016، كما ظهر أيضًا في الأزمة الخليجية التي اندلعت في يونيو/حزيران 2017. 

خلاصة

إن السرديات التي تتحكم في فكر وخطاب إعلام الثورات العربية في المهجر تتمثَّل في السعي إلى إعادة الأمل في نفوس وعقول الجمهور بعد وصول الثورة المضادة للسلطة في منتصف العام 2013، باعتبار أن خطاب هذا الإعلام هو بالأساس ناتج عن حركات اجتماعية (مُؤَدْلَجَة) تعبِّر عن قطاعات واسعة من الجمهور شاركت بشكل فاعل في ثورات الربيع العربي.

ورغم ارتباط الخطاب الذي تقدمه بالجماهير ودعمه الواضح للمسارات الديمقراطية، وتأكيده على وحدة مصير شعوب المنطقة، إلا أنه مثقل بحمولة أيديولوجية واضحة، وكثيرًا ما يُنتج سرديات غير واقعية، بل وغير دقيقة أحيانًا، مقدِّمًا في الوقت ذاته رؤية ضبابية لمفهوم الدولة الحديثة وسبل التعامل مع دينامياتها.

لذلك، فإن إعلام الثورات العربية، وخاصة القنوات الفضائية، يحتاج إلى إعادة النظر في المضمون الذي تقدمه، وذلك من خلال الاعتماد على إجراءات مخطط لها، ورسم سياسات تحريرية ناتجة عن رؤية واضحة. 

ويرى الباحث أن ظاهرة إعلام الثورات العربية في المهجر تحتاج إلى المزيد من الدراسات ليس على الصعيد الإعلامي فقط ولكن على الصعيد السوسيولوجي والاقتصادي والسياسي أيضًا، فهي حالة معقدة تتأثر بعوامل متشابكة، كما أن لها تأثيرات لا يستهان بها على الواقع المعيش للشعوب؛ الأمر الذي يستدعي إجراء أبحاث عابرة للتخصصات تسعى للإحاطة بجوانب الظاهرة المختلفة

***

محمد مرسي محمد ـ حاصل على الماجستير في الإعلام والدراسات الثقافية من معهد الدوحة للدراسات العليا. عمل لأكثر من عشرة أعوام في إنتاج الأخبار بعدد من القنوات الفضائية العربية، كما أنتج مجموعة من الأفلام الوثائقية، ونشر عددًا من الأبحاث في مجال الإعلام والاتصال.

___________

مواد ذات علاقة