بقلم محمد مرسي محمد
تبحث الدراسة سوسيولوجيا إعلام الثورات العربية في المهجر من خلال رصد سياقات نشأته وتطوره ووظائفه ومحددات خطابه و“أيديولوجيته” وعلاقته بمحيطه المحلي ومشكلاته؛
باعتباره ظاهرة اتصالية وسياسية نشأت في ظروف استثنائية للاستجابة لحاجات إعلامية ومعرفية وثقافية تخص الجمهور الذي يتعرض لهذا الإعلام.
الجزء الاول
مقدمة
مع اندلاع ثورات الربيع العربي في العام 2011، شهدت دول حركة التغيير انفراجة إعلامية غير مسبوقة، وأصبح للمعارضة قنواتها وصحفها ومواقعها الإلكترونية الخاصة، لاسيما في مصر وتونس واليمن، بينما لم تسمح أجواء الحرب في سوريا بظهور إعلام احترافي ومستقر.
لكن بعد الانتكاسات التي تعرضت لها معظم الثورات العربية عادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل 2011، وبات من الصعب القيام بأنشطة إعلامية مؤيدة للثورات؛ رافضة للأنظمة القديمة من داخل دول حركة التغيير.
وكما هي الحال في معظم النماذج أو التجارب المشابهة عبر التاريخ المعاصر، فإن المعارضة اتجهت إلى إنشاء منصات إعلامية في الخارج، وكانت في معظمها قنوات فضائية.
وقد فرضت تلك القنوات نفسها على المشهد الإعلامي، وأصبح يُنظر إليها من قِبَل قطاع واسع من الفئات المؤيدة للثورات باعتبارها حاجة إعلامية ومعرفية وثقافية، وهو ما حوَّلها إلى ظاهرة اتصالية وسياسية تستدعي الكشف عن سياقات ظهورها وديناميات تطورها ونمط خطابها الإعلامي ومحدداته وأطره.
ويحاول الباحث في هذه الورقة رصد هذه الظاهرة الإعلامية ومقاربتها من خلال تحديد نشأة تلك القنوات وصيرورتها، وإبراز وظائفها، والمشكلات الرئيسة التي تواجهها، وتحديد خصائص خطابها، خلال الفترة الممتدة من يوليو/تموز 2013 إلى ديسمبر/كانون الأول 2017، وهي فترة تجاوزت أربعة أعوام تُمكِّننا من دراسة الظاهرة بشكل أكثر عمقًا.
واستخدم الباحث لرصد ظاهرة إعلام الثورات العربية المهاجر، وتحديدًا القنوات الفضائية، منهجًا وصفيًّا تحليليًّا ومقارِنًا، معتمدًا على تحليل خطاب عينة لأهم البرامج التي تقدمها تلك القنوات والمتاحة على حساباتها على يوتيوب، ومستخدمًا في ذلك النماذج المرتبطة بإعلام المهجر أو “إعلام الشتات“.
ولأن تحليل خطاب القنوات الداعمة لثورات الربيع العربي يجب أن يأخذ في الاعتبار الخلفيات الخاصة بالحركات الاجتماعية التي مثَّلت الرافعة الأهم لهذه الثورات، وطبيعة الصراع الذي تخوضه في ظل تمدد الثورات المضادة، ولكون هذه الحركات الاجتماعية هي القائمة على إنتاج الخطاب في إعلام الثورات العربية بالمهجر، فإن الباحث اعتمد أيضًا مرجعية التحليل النقدي للخطاب الذي قدمه نورمان فاركلوف، وهو مدخل يُمَثِّل جسرًا بين التحليل اللغوي للنص والعلوم الاجتماعية.
ويتشكَّل مجتمع الدراسة والعينة التي انطلق منها الباحث في مقاربة الظاهرة وجمع المعلومات والبيانات عن مكوناتها وأبعادها، من القنوات المصرية والسورية والليبية، فضلًا عن متابعة المواد التي قدمتها هذه القنوات وما سجلته عبر صفحاتها الرسمية على يوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي.
ولم يتناول الباحث الحالة التونسية التي لم تضطر للجوء إلى إعلام المهجر بشكل واسع، ولا الحالة اليمنية التي لم تنتج أيضًا إعلامًا ذا بال في الخارج بعد أن تحوَّلت الثورة إلى ما يشبه الحرب الأهلية واختلطت التحالفات بين أنصار النظام القديم والجديد على أسس قبلية وطائفية ومناطقية وسط تدخلات إقليمية.
وركز الباحث على القنوات الفضائية بسبب حضورها الواسع ومتابعتها من قِبَل أغلب فئات الجمهور العربي، كما سنبين لاحقًا، بالإضافة إلى دورها المهم في إنتاج المحتوى الذي تتداوله وسائل التواصل الاجتماعي، وتمتعها بمصداقية نسبية؛ إذ كشف تقرير لجامعة نورث ويسترن في قطر عن حالة الإعلام في العالم العربي خلال العام 2015 أن 78% من العرب يرون أن التليفزيون يُمَثِّل مصدرًا مهمًّا للأخبار، مقابل نسبة 73% للإنترنت بينما لا تزال الثقة في المضامين التي تقدمها صحافة المواطن غير تامة رغم توفرها على العديد من معايير الثراء الإعلامي.
كما أجرى الباحث عددًا من المقابلات مع المسؤولين والعاملين في القنوات الفضائية المؤيدة للثورات العربية في المهجر وعدد من خبراء الإعلام المتابعين لها، وبلغ عدد مفردات العينة 20 مقابلة معمقة مباشرة وغير مباشرة عبر سكايب.
إعلام المهجر: الوسيلة والرسالة
المهجر أو ما يُسمِّيه البعض بـ“الشتات” هو مصطلح يُطلق على هجرة مجموعات من البشر إلى أماكن بعيدة عن أوطانها حول العالم، ويتفاعلون فيما بينهم بمختلف الوسائل ويسعون للعودة إلى أوطانهم.
ويلعب الإعلام الذي تُنْشِئُه هذه المجموعات في الخارج (إعلام المهجر أو الإعلام المهاجر) دورًا مهمًّا في ربط هذه المجموعات؛ حيث يحفظ ذاكرة المجموعة المهاجرة، كما يسهم في ربط المهاجرين بالوطن الأم، ويسعى في الكثير من الأحيان إلى تغيير الواقع في بلدهم الأصلي خاصة عندما تُؤَمِّم السلطة الإعلامَ في الداخل، ويصبح إنشاءُ وسائل الإعلام في الخارج الحلَّ الوحيد المتاح أمام المعارضة لإيصال صوتها للجماهير.
ويُمَثِّل الإعلام المعارض في الخارج ظاهرة رافقت ظهور وسائل الإعلام الجماهيرية، مثلما حدث عندما أصدر ليون تروتسكي ، أحد قادة الثورة البلشفية، صحيفة البرافدا بشكل نصف شهري في فيينا بين عامي 1908 و1912 لتكون صوتًا للثوار في الداخل وتنقل أفكار أهم قادة الثورة إلى العمال والفلاحين.
وعندما قاد الخميني الثورة الإيرانية من الخارج كان يسجل أثناء وجوده في المنفى بباريس أشرطة تُنسخ وتُرسل لتوزع في الداخل الإيراني بهدف توجيه الثائرين على نظام الشاه.
وتُعَدُّ ظاهرة إعلام “المهجر” أو “المنفى” أو “الشتات” أو الإعلام المهاجر في العالم العربي حديثة إلى حدٍّ ما؛ حيث ظهرت مع الحالة الفلسطينية بعد العام 1948، وأدت صحافة المقاومة في الخارج دورًا كبيرًا في حشد الجماهير الفلسطينية وتوعيتها من خلال عشرات الصحف والمجلات والنشرات العلنية والسرية.
كما لعبت إذاعة صوت العرب دورًا مهمًّا في دعم حركات المقاومة العربية التي نشطت ضد الاستعمار في خمسينات القرن الماضي، وظهر هذا بشكل واضح في الثورة الجزائرية ضد فرنسا، حيث تم بث بيان الثورة في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 1954 عبر أثير صوت العرب من القاهرة، وقال الرئيس الجـزائري الأسبق أحـمـد بن بلة: “إن صـوت الـعـرب هـي صـوت الثــورة الجــزائرية“.
وخلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن العشرين بدأت الحركات المعارضة في مصر وسوريا وتونس وعدد من الدول العربية في تدشين منابر إعلامية تُبث من خارج الوطن؛ حيث أشارت المنظمة العربية لحرية الإعلام إلى أن العاصمة البريطانية كانت تستضيف 600 صحفي عربي، ويصدر منها نحو مئتي مطبوعة عربية في عام 1990 قبل أن تدخل مرحلة الفضائيات بعدد من القنوات مثل “المستقلة” التي بدأت البث عام 1999، والحوار عام 2006.
وأصدرت المعارضة العراقية للرئيس الراحل، صدام حسين، عشرات الصحف في الخارج مثل “الغد الديمقراطي” و“عراق الغد” و“الوفاق” و“بغداد“، و“المؤتمر” و“المدى” و“نداء الرافدين” و“الدستورية” و“الزمان“..إلخ.
كما ظهر إعلام الشتات العراقي بعد احتلال البلاد من قبل التحالف الذي قادته الولايات المتحدة في العام 2003، فدُشنت عشرات القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية العراقية والتي كان خطابها يختلف كثيرًا عن نظيره الذي تنتجه وسائل الإعلام المحلية ويتكيَّف مع توجهات مصادر التمويل.
وأخيرًا، جاءت أحداث الربيع العربي التي أفرزت مشهدًا إعلاميًّا جديدًا؛ فأصبحت بعض القوى والحركات الثورية تمتلك وسائل إعلام خاصة ما لبثت أن انتقلت للعمل في الخارج بعد تمكن الثورة المضادة من العودة إلى السلطة وتحولت إلى نمط “الإعلام المعارض في المهجر“؛ حيث هاجر عدد كبير من الإعلاميين المؤيدين للثورات والمناهضين للأنظمة الحالية إلى خارج البلاد لإنشاء وسائل إعلامية موجهة إلى الداخل.
إعلام الثورات العربية المهاجر: سياقات النشأة وإكراهات المَأْسَسَة والتطور
لم تشهد دول الربيع العربي انتفاضات وثورات على المستوى السياسي والاجتماعي فقط، بل عرف المشهد الإعلامي أيضًا تطورًا ملحوظًا؛ إذ استفاد من مناخ الحرية الذي انتشر خلال العاميين الأوليين من حركة التغيير، لكن مع تراجع الزخم الثوري وتمدد الثورات المضادة وتأثيرها على الحريات اضطرت وسائل الإعلام الداعمة للثورات العربية إما إلى الإغلاق بشكل نهائي أو إلى العمل من خارج البلاد، خاصة من تركيا.
***
محمد مرسي محمد ـ حاصل على الماجستير في الإعلام والدراسات الثقافية من معهد الدوحة للدراسات العليا. عمل لأكثر من عشرة أعوام في إنتاج الأخبار بعدد من القنوات الفضائية العربية، كما أنتج مجموعة من الأفلام الوثائقية، ونشر عددًا من الأبحاث في مجال الإعلام والاتصال.
___________