تمر مدينة بنغازي، المدينة الثانية في ليبيا، بأزمة أمنية وسياسية واجتماعية حادة، أدت إلى اقتتال داخلي وتمزق اجتماعي وخراب عمراني وانتهاك واسع لحقوق الإنسان.
ورغم مكانة المدينة، تاريخيا واقتصاديا وسياسيا، إلا أن أسبابا، محلية وخارجية متظافرة، أدت إلى تصعيد التناقضات الاجتماعية والسياسية وحسم الاختلافات بالحديد والنار، حتى بلغت الأزمة مدى يصعب معه تحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار على المدى المنظور.
الجزء الثاني
عملية “الكرامة”: الحسم الدامي
منتصف شهر فبراير 2014، دعا اللواء المتقاعد خليفة حفتر إلى تحرك عسكري يهدف إلى وقف أعمال المؤتمر الوطني العام، غير أن الدعوة لم تلق، يومها، تجاوبا يذكر في طرابلس أو بنغازي.
ورغم فشل التحرك، حينها، فقد ظهر حفتر، ثانية، عبر إحدى الفضائيات التي تبث من الإمارات العربية المتحدة، في شهر مايو من العام نفسه، معلنا إطلاق عملية عسكرية تحت مسمى “كرامة ليبيا”. وقال حفتر في بيانه أن العملية تهدف إلى “تطهير ليبيا من الإرهاب والعصابات والخارجين عن القانون والالتزام بالعملية الديمقراطية ووقف الاغتيالات خصوصا التي تستهدف الجيش والشرطة”.
وتشكلت قوات “الكرامة”، التي قادها حفتر من مقره بمعسكر الرجمة جنوب شرق بنغازي، من عسكريين سابقين ومجموعات قبلية تحت مسمى “الصحوات” و”أولياء الدم”. ومنذ ذلك التاريخ، وعلى امتداد أكثر من ثلاث سنوات، شهدت بنغازي معارك دامية ضد مقاتلي “مجلس شورى ثوار بنغازي” لم يستثن منها حي من أحياء المدينة.
يذهب جل المتابعين للأوضاع في مدينة بنغازي إلى أن عملية “الكرامة”، كانت أكثر تعقيدا ودموية وكلفة مما كان يعتقد في البداية، وأن سرعة الحسم العسكري التي روج لها حفتر ومساندوه، في البداية، لم تستند إلى قراءة واقعية للمعطيات السياسية والاجتماعية والأمنية بالمدينة.
فعلى مستوى الكلفة البشرية، التهمت العملية أرواح آلاف من الأشخاص، جلهم من الشباب، وأضعافهم من الجرحى والمبتورين.
وإلى جانب ذلك يشير تقرير فريق الخبراء التابع الأمم المتحدة المقدم إلى مجلس الأمن الدولي، بداية مارس 2018، إلى أن عدد المهجرين من المدينة، منذ انطلاق عملية “الكرامة” بلغ 55 ألف مهجر، فيما أشارت منظمات حقوقية، في تقارير سابقة إلى أن عددهم الحقيقي أضعاف ذلك، وأن الذين هجروا قسرا، سواء من العائلات المحسوبة على الثوار أو ممن تهدمت بيوتهم الواقعة في بؤر الصراع، لا يقل عن ثلث سكان المدينة.
ومنذ انطلاق العملية، في مايو 2014، تصاعدت عمليات الانتقام والعقاب الجماعي وحرق المساكن والاستيلاء على الأملاك والقتل خارج القانون.
ووثقت المنظمات الحقوقية مئات الحوادث التي جرت بالمدينة وكان ضحيتها مدنيون اتهم أقاربهم بالتعاطف أو التواصل أو القتال مع “مجلس شورى ثوار بنغازي”، وأضحى مشهد الجثث المقيدة والملقاة في مكبات القمامة أمرا مألوفا.
كما صارت أشرطة الفيديو التي تظهر القيادي السلفي المدخلي آمر المحاور في قوات حفتر محمود الورفلي، وهو يطلق النار على رؤوس المعتقلين على طريقة تنظيم “داعش”، متواترة ومتكررة
ما بعد “الكرامة”
رغم إعلان المشير خليفة حفتر السيطرة الكاملة على مدينة بنغازي، في شهر يوليو الماضي، تواصلت الاشتباكات الضارية في مناطق الصابري وسوق الحوت وسيدي اخريبيش، لعدة أشهر، وسقط جراءها عشرات القتلى من الطرفين، قبل أن ينسحب من تبقى من مقاتلي “مجلس شورى ثوار بنغازي”.
ورغم صور الدمار الرهيب الذي أصاب أغلب أحياء المدينة التي ظلت، لأكثر من ثلاث سنوات، تحت نيران المعارك الضارية بمختلف أنواع الأسلحة والقصف الجوي الأجنبي الذي تنفذه طائرات تنطلق من قواعد بنينا والخادم والخروبة، فإن العديد من المراقبين كان يتوقع عودة الاستقرار إلى المدينة، ما يسمح بانطلاق إعادة إعمار ما تهدم، غير أن الأحداث الجارية، منذ ذلك التاريخ إلى اليوم، تنبئ بأن الاستقرار مازال بعيد المنال، وأن الشروخ التي أحدثتها الدماء الغزيرة ستظل مفتوحة ونازفة لأمد طويل.
وبعد أشهر من إعلان حفتر السيطرة الكاملة على المدينة، مازالت أعمال الخطف والقتل خارج القانون ومشاهد الجثث حاضرة، وأضيف إليها معطى أمني جديد، يتصاعد نسقه يوما بعد يوم، متمثلا في السيارات المفخخة التي تحصد أرواح المدنيين والمسلحين، على حد سواء، دون أن يعلن أي طرف مسؤوليته عنها.
وبعد أشهر من الإعلان المذكور مازالت أشرطة الفيديو التي توثق التصفيات الجماعية للمعتقلين من قبل مسؤولين عسكريين تتوالى، دون مساءلة، رغم المطالب المتكررة لمحكمة الجنايات الدولية.
وفي السياق الأمني ذاته، تشهد المدينة، منذ أشهر، بوادر خطر احتراب داخل صف “الكرامة” بين المحسوبين على المشير حفتر والمحسوبين على قوات “الصاعقة”، حيث يعمد منتسبو “الصاعقة”، دوريا، إلى إغلاق الشوارع بالقوة احتجاجا على قيام حفتر بتقليص صلاحيات آمر القوة وتهميشها لوجستيا وماليا.
أما على مستوى التوازنات القبلية بالمدينة، فقد بدأت قبيلة العواقير، التي دفعت عددا كبيرا من أفرادها منذ انطلاق عملية “الكرامة”، تشعر بخيبة أمل مقابل التضحيات التي قدمتها، خاصة بعد الهجوم الذي شنه مسلحون تابعون لحفتر على بوابة برسس، حيث مقر وكيل وزارة الداخلية بحكومة الوفاق فرج قعيم العقوري، واعتقاله وقتل عدد من أتباعه، وهو ما اعتبر إهانة للقبيلة، قوبلت باحتجاجات متكررة وبغلق للطرقات.
وكما كانت حسابات البداية بعيدة عن الدقة، ولم تفلح العمليات العسكرية في تحقيق حسم سريع، يبدو أن حسابات ما بعد “الكرامة” في تحقيق الاستقرار السياسي والأمني في مدينة بنغازي وإعادة إعمارها مجرد أمنيات متعالية عن معطيات الواقع.
فالشرخ الاجتماعي الذي أحدثته التصفيات المتبادلة بين المتصارعين، وتهجير أعداد كبيرة من العائلات، وضعف المؤسسات الأمنية وتعدد ولاءاتها، وتمكين العصبيات القبلية والعشائرية والجهوية، وإعادة تشكل المجموعات المتشددة في خلايا سرية، وتصاعد انتهاكات حقوق الإنسان، ومساعي تأسيس حكم عسكري شمولي، والتدخل العسكري والسياسي الخارجي المباشر وغير المباشر، كلها عوامل متظافرة تدفع نحو تمديد أزمة المدينة وتعقيدها.
خاتمـة
لا يتيسر فهم السياق الدامي الذي تمر به مدينة بنغازي، حاليا، إلا بالحفر، عميقا، في معطيات التاريخ والجغرافيا وفي التركيبة الاجتماعية والقبلية والروابط العصبية، وفي الانتكاسات التي عرقلت تأسيس الحد الأدنى من ملامح الدولة المعاصرة في ليبيا عموما، وفي الأدوار الإقليمية المضادة منذ اندلاع الثورات العربية.
وبناء عليه، يقتضي الاستشراف الموضوعي لمآلات الأحداث في المدينة الإقرار بأن الأزمة ستظل قائمة على المدى المنظور، فيما تظل تداعياتها مؤثرة على المدى المتوسط، حتى لو اتجه مؤشر الأوضاع في ليبيا نحو الاستقرار، وهو احتمال غير وارد ما لم تتوفر إرادة محلية وإقليمية ودولية تدفع في هذا الاتجاه.
_______________