د. الحسين الشيخ العلوي

يبدو من خلال التوجه العام الذي اتخذه مبعوث الأمم المتحدة بليبيا، غسان سلامة، أن هناك مسارًا أمميًّا جديدًا للتعاطي مع الأزمة، ومن مظاهره تحديث خارطة طريق تُطبَّق خلال سنة والتواصل مع جميع الفرقاء وهم لاعبون كثر، ويقرأ هذا التقرير مجمل خيوط هذه التطورات.

***

اللاعبون السياسيون: التوزيع المناطقي والحظوظ السياسية

أولًا: المنطقة الشرقية

يظهر اللاعبون السياسيون في الشرق الليبي في العلن وكأنهم كتلة سياسية واحدة متجانسة أمام الإعلام، إلا أن التحركات من خلف الكواليس تُخفي قدرًا هائلًا من الصراع والخلافات التي بدأت مؤخرًا تطفو على السطح؛ ففي المنطقة الشرقية راهنًا يوجد فريقان سياسيان يتصارعان ولكل منهما تحالفاته داخل مجلس النواب وخارجه، هما:

ـ فريق يتزعمه المستشار عقيلة صالح:

هذا الفريق وبحكم سيطرته على مجلس النواب لمدة ثلاث سنوات، ووجود شخصيات سياسية مهمة بصفة استشارية أصبح أكثر الفرق تنظيمًا ويتكئ على أرضية صلبة وله امتدادات مهمة في الوسط والغرب والجنوب، ناهيك عن وجود العدد الأكبر من نواب المنطقة الشرقية ضمن هذا الفريق.

يتبنى هذا الفريق بشكل قاطع دعم المستشار عقيلة لرئاسة المجلس الرئاسي، ويتخذ من هذا الأمر عنوانَ التفاوض الرئيسي مع أي تكتل أو مجموعة أخرى، وحظوظ هذا الفريق هي الأوسع والأكبر ولديه قدرة كبيرة على المناورة بحكم خبرة من يقودون العمل السياسي فيه.

وتكمن حنكة هذا الفريق السياسية في تباعده تدريجيًّا عن خليفة حفتر، الذي يبدو أن الجنائية الدولية تحضِّر له ملفًّا جنائيًّا لمقاضاته في الانتهاكات التي اقترفتها قوات جيش الكرامة، والتي يرقى بعضها إلى جرائم حرب.

ـ فريق يتزعمه فتحي المجبري، وهو نائب رئيس المجلس الرئاسي حاليًّا:

هذا الفريق يتبنى طرح تقديم فتحي المجبري لمنصب رئيس الوزراء. ويعتمد هذا الفريق على بعض نواب الدائرة الرابعة بمدينة إجدابيا وبعض الأصوات الإعلامية المؤيدة والمنتفعة من المجبري، حظوظ هذا الفريق تبدو ضعيفة، نظرًا لأنه غير منظَّم ويفتقر إلى الكوادر السياسية الفاعلة أو القيادات الاجتماعية ذات الثقل القبلي، عكس الفريق الأول.

وهذا الفريق على علاقة وثيقة بخليفة حفتر.

ثانيًا: المنطقة الجنوبية

يبلغ عدد نواب المنطقة الجنوبية 34 نائبًا من أصل 200 نائب، وهي الكتلة الأصغر قياسًا بعدد نواب الشرق والغرب، ويظهر في المشهد الآن في الجنوب الليبي شخصية محورية هي عبد المجيد غيت سيف النصر وهو عضو المجلس الانتقالي السابق والسفير الحالي في المملكة المغربية.

استطاع عبد المجيد سيف النصر ضم كتلة وازنة من نواب الجنوب إلى فريقه. وهو يقدم طرحًا عقلانيًّا يبدو مقبولًا من الجميع حتى الآن. يتمثَّل في تقديم نفسه لمنصب نائب رئيس المجلس الرئاسي، وفي هذا حكمة، وذلك بابتعاده عن منصب الرئيس الذي يشهد تنافسًا محمومًا.

وهذا الأمر يجعل حظوظ عبد المجيد تتقدم على منافسيه، رغم أن خيارات الجنوب الليبي حتى كتابة هذا التقرير لم تُحسمْ بشكل نهائي، لكنَّ حظوظَ عبد المجيد متقدمةٌ، لاسيما أن المنافسين له لهم أعداء كثر بالإضافة إلى تعذر حصولهم على دعم حقيقي من النواب، وأبرز هؤلاء المنافسين السياسي ووزير خارجية في نظام القذافي سابقًا، عبد الرحمن شلقم، والدبلوماسي السابق، الشيباني بوهمود.

وهذان المنافسان يطمحان إمَّا لرئاسة الحكومة أو لرئاسة المجلس الرئاسي والمنصبان عليهما تنافس قوي من الشرق والغرب.

ثم إن هناك اسميْن من داخل مجلس النواب لديهما حظوظ متفاوتة، هما: حميد حومه النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، والنائب أبو صلاح شلبي عن الشاطئ، ومن المتوقع حصول تفاهمات داخل كتلة الجنوب تفضي لتوزيع المناصب المقترحة والأطراف التي تتقاطع مصالحها مع الجنوب سوف تسعى لإيجاد توافقات قدر الإمكان حتى يتم الاستفادة من كتلة نواب الجنوب. وقد قطع فريق المستشار عقيلة صالح شوطًا في التفاهم مع عناصر فاعلة من نواب الجنوب. 

ثالثًا: المنطقة الغربية

تمور المنطقة الغربية بقدر كبير من التعقيدات، نظرًا لعدم تجانس سكان المنطقة، وللكثافة العددية بها، ولحجم التناقضات داخلها، ولهشاشة وسرعة تبدل الولاءات والتحالفات. ويزيد عدد نواب المنطقة الغربية على نصف مقاعد مجلس النواب قليلًا. 

وتتركز الصراعات ولعبة الكواليس داخل العاصمة طرابلس، التي يتنافس فيها العديد من الفرق والكتل النيابية، التي تدور معظمها حول فريقين رئيسيين، يظهران كمعسكر واحد في العلن، وفي الباطن يخفيان قدرًا هائلًا من التنافس والصراع البيني، وقد بدأ الكثير منه يطفو على السطح:

1. فريق المجلس الأعلى للدولة: الذي يترأسه عبد الرحمن السويحلي، وهذا المجلس صاحب الاختصاص الأصيل في مشاركة مجلس النواب، من خلال لجنة الصياغة المشتركة بينهما لتعديل الاتفاق السياسي. وعبد الرحمن السويحلي، أكثر شخصية إثارة للجدل في المنطقة الغربية، ويختلف مع معظم السياسيين في المنطقة الغربية بمن فيهم كتلة مصراتة التي ينحدر منها.

وقد اكتسب مؤخرًا أهمية متزايدة جرَّاء مشاركة المجلس الأعلى للدولة الذي يترأسه في مفاوضات وجولات تعديلات الاتفاق السياسي في تونس. 

لا يخفي السويحلي طموحه في أن يكون ضمن المجلس الرئاسي المصغر المزمع إنشاؤه، رغم إدراكه لرفض الغالبية لهذا التوجه، من هنا كان تشدد ومماطلة لجنة الصياغة التابعة للمجلس الأعلى للدولة في مفاوضات وجولات تونس؛ حيث حرصت لجنة الصياغة التابعة لمجلس الدولة على عدم تقديم تنازلات لتمرير التعديلات حتى تضمن أن يكون السويحلي شريكًا فعليًّا في التسوية السياسية الراهنة.

وقد كان لافتًا ومستغربًا تشدُّد لجنة مجلس الدولة في مفاوضات وجولات تونس الأخيرة وتركيزها على نقاط خلافية تجاوزها الزمن. 

2. فريق المجلس الرئاسي الحالي: ويتزعمه فائز السراج، ويتبع هذا الفريقَ عددٌ من نواب البرلمان الذين يُعرفون بالنواب الداعمين لحكومة الوفاق، بالإضافة إلى تجمعات أخرى صغيرة أبرزها تكتل مصراتة. ويواجه فائز السراج تحديات صعبة هذه الأوقات وهو لا يخفي طموحه لرئاسة المجلس الرئاسي المصغر من جديد، وفي أسوأ الأحوال رئاسة الحكومة. وتقدر مجموعة النواب الملتفَّة حول فائز بالعشرات. 

رابعًا: أنصار النظام السابق

طيلة السنوات القليلة الماضية كان الصراع السياسي، الذي يتحول أحيانًا إلى معارك عسكرية طاحنة، يدور في المجمل بين كتلتين رئيسيتين، هما: كتلة الشرق، وكتلة الغرب، وكان الولاء في الجنوب يتوزع بين هاتين الكتلتين. إلا أنه ومنذ سنتين بدأت كتلة ثالثة تتعزز وتتقوى من صراع هاتين الكتلتين، هي كتلة أنصار النظام السابق، التي يرجع الفضل في بروزها القوي على الساحة الدولية منذ أشهر إلى المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية الذي يترأسه الدبلوماسي الليبي السابق، العجيلي البريني وإلى التحركات الدبلوماسية الهادئة التي قام بها وعلى مدار سنة ونصف السنة، بشير صالح، مدير مكتب القذافي، الذي تربطه علاقات شخصية مع العديد من زعماء العالم لاسيما في إفريقيا وأوروبا. 

***

د. الحسين الشيخ العلوي ـ باحث وجامعي موريتاني مهتم بالشأن المغاربي وقضايا الساحل.

___________

مواد ذات علاقة