د. الحسين الشيخ العلوي

يبدو من خلال التوجه العام الذي اتخذه مبعوث الأمم المتحدة بليبيا، غسان سلامة، أن هناك مسارًا أمميًّا جديدًا للتعاطي مع الأزمة، ومن مظاهره تحديث خارطة طريق تُطبَّق خلال سنة والتواصل مع جميع الفرقاء وهم لاعبون كثر، ويقرأ هذا التقرير مجمل خيوط هذه التطورات.

مقدمة 

كان تولي السياسي اللبناني، غسان سلامة، رئاسة البعثة الأممية للدعم في ليبيا نقطة تحوُّل في مسار الأزمة الليبية، عزَّز من حضور المحفل الأممي كراعٍ سامٍ للتسوية السياسية في ليبيا، وذلك عبر إجراءات حرص عليها السيد سلامة من البداية وحتى الآن، تمحورت حول:

أولا: قطع الطريق على تعدد المسارات وكثرة المساعي الحميدة من قبل الأطراف الدولية المنخرطة في الأزمة الليبية، وحصرها في الرباعي الراعي للتسوية السياسية في ليبيا بقيادة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

ثانيا: الصرامة في التعاطي مع الفرقاء الليبيين، كما غابت لغة المجاملات والمحاباة لفريق ما على حساب بقية الأطراف، كما درج على ذلك سلفاه، برناندينيو ليون ومارتن كوبلر، وتجلى ذلك في تجاوز مرحلة تعديل البنود الخلافية لاتفاق الصخيرات، عندما لمس مماطلة وتمطيط الوقت من قبل لجنتي الصياغة التابعة للبرلمان والمجلس الأعلى للدولة.

كما حرص غسان سلامة على منع سفراء دول عربية وأجنبية من التواجد داخل مقر البعثة الأممية بتونس في جلسات أكتوبر/تشرين الأول 2017، خوفًا من تأثيرهم على مجريات اللقاءات

ثالثا: منذ الأيام الأولى، حرص السيد سلامة على اللقاء بجميع الفرقاء الليبيين، ولم يتوقف عند السياسيين بل تجاوز ذلك إلى الفاعلين الاجتماعيين والنخبة الثقافية ونشطاء الوسط المدني، وحرص في أكثر من ظهور إعلامي على القول: إن مؤتمر المصالحة المزمع عقده في فبراير/شباط 2018، سيضم جميع الأطراف الليبية، بمن فيهم أنصار نظام القذافي وأنصار الملكية ، وهما الفصيلان اللذان تم استبعادهما من كافة التسويات السابقة بما فيها اتفاق الصخيرات في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2017 بالمغرب. 

في حين اتسم تعاطي قطاع عريض من الطيف السياسي الليبي مع الأزمة التي تمر بها ليبيا راهنًا بقدر كبير من الاستخفاف والبراغماتية النفعية، رغم تردي الأوضاع على كافة الصعد، والمخاطر المحدقة بالعملية السياسية برمتها؛ حيث لا يزال معظم الفرقاء على عنادهم ومكابرتهم، ويرفضون تقديم أي تنازلات للطرف الآخر؛ نظرًا لاستشراء عقلية المغالبة وانتزاع الحق بالقوة. 

تعدد المسارات 

عند بدء المبعوث الأممي، غسان سلامة، لمهمته في ليبيا، مطلع أغسطس/آب 2017، وجد أمامه العديد من المساعي الحميدة والمبادرات، أبرزها:

  • المبادرة المصرية.

  • مبادرة الاتحاد الإفريقي.

  • مبادرة الجزائر ومصر وتونس، التي عُرفت بالمبادرة الثلاثية لدول الجوار.

  • المبادرة الهولندية.

  • المبادرة الإيطالية.

  • المسار الروسيالسعوديالمصري.

  • المسار الفرنسيالبريطاني. 

أمام هذا العدد الكبير من المبادرات والمسارات المتوازية التي تُشتِّت الجهود الرامية إلى تسوية للأزمة الليبية، شرع السيد سلامة بالتشديد على ضرورة اقتصار المبادرات ومساعي التسوية على جهود بعثة الأمم المتحدة للدعم، وفي سبيل ذلك قام بسلسلة رحلات مكوكية إلى الدول المنخرطة وأصحاب المبادرات والمسارات، التي أكدت الواحدة تلو الأخرى على دعمها لخطة العمل الأممية.

ومع حلول منتصف سبتمبر/أيلول 2017، تبلور توجه دولي يدعو إلى قصر التعاطي مع الأزمة الليبية على الرباعي الراعي للتسوية السياسية في ليبيا بقيادة الأمم المتحدة، وبهذا تم قطع الطريق على المسارات الموازية، وأصبح التركيز على خطة العمل التي قدمها غسان سلامة في إحاطته الثانية أمام المحفل الأممي في يوم 20 سبتمبر/أيلول 2017، التي مثَّلت خارطة طريق بمراحل ثلاث سقفها الزمني سنة، وتنتهي المرحلة الانتقالية في سبتمبر/أيلول 2018، لتدخل ليبيا بعدها في مرحلة الاستقرار الدائم، والشروع في بناء الدولة المدنية. 

خارطة الطريق الأممية لحل الأزمة الليبية 

طرح غسان سلامة، مساء الأربعاء 20 سبتمبر/أيلول 2017، خطة العمل الجديدة من أجل ليبيا، أمام الاجتماع الدولي رفيع المستوى الذي عُـقد بمقر الأمم المتحدة في نيويورك برئاسة الأمين العام، أنطونيو غوتيريس. وتضمنت هذه الخطة مراحل ثلاثًا، بسقف زمني مدته سنة، على النحو التالي:

المرحلة الأولي: تعديل الاتفاق السياسي الليبي: حيث اعتبر سلامة أن اتفاق الصخيرات هو الأرضية التي سيتم على ضوئها المضي في تحقيق اتفاق سياسي توافقي شامل بين الفرقاء الليبيين. لكن ينبغي تعديل النقاط الخلافية التي يتعلق معظمها بالمناصب السيادية في الدولة، ودور المؤسسة العسكرية، وبهذا الخصوص قال السيد سلامة: “لذا، يجب أن تكون المرحلة الأولى في هذه العملية تعديل الاتفاق؛ حيث ثمة توافق واسع في الآراء بشأن المسائل التي تتطلب التعديل. وسوف أقوم في الأسبوع المقبل، وبناءً على المادة 12 من الاتفاق السياسي الليبي، بعقد اجتماع في مكاتب بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا للجنة الصياغة للعمل على صياغة هذه التعديلات“.

المرحلة الثانية: مؤتمر وطني للمصالحة تحت رعاية الأمين العام للأمم المتحدة يهدف إلى فتح الباب أمام أولئك الذين تم استبعادهم، وأولئك الذين همشوا أنفسهم، وتلك الأطراف التي تحجم عن الانضمام إلى العملية السياسية. ويجمع أعضاء مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وغيرهم كثير ممن تمثيلهم ضعيف أو غير ممثلين على الإطلاق في هاتين الهيئتين. ونوَّه المبعوث الأممي إلى أنه سيُجرَى خلال هذا المؤتمر تحديدُ واختيارُ أعضاء المؤسسات التنفيذية التي أُعيد تشكيلها في البدء على أساس توافقي. وحُدِّد شهر فبراير/شباط 2018، موعدًا لهذا المؤتمر.

المرحلة الثالثة: استفتاء على الدستور وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، تنهي المرحلة الانتقالية، في حدود سنة من بدء خطة العمل في سبتمبر/أيلول 2017، لتدخل ليبيا من بعدها في مرحلة الاستقرار، بعد تشكيل حكومة مركزية واحدة تبسط نفوذها على عموم التراب الليبي. 

ونبَّه سلامة إلى أنه يجب أن يرتكز هذا التسلسل السياسي على إحراز تقدم ملموس في مجالات عدة :

  • على المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أن تستعد لهذه الأحداث الانتخابية.

  • إقامة حوار مع الجماعات المسلحة بهدف إدماج أفرادها في العملية السياسية والحياة المدنية.

  • أن تكون هناك مبادرة لتوحيد الجيش الوطني.

  • استمرار جهود المصالحة المحلية وتكثيفها.

  • اتخاذ إجراءات حاسمة لمعالجة قضية النازحين داخليًّا. 

محطة تونس وما وراء كواليسها

بعد ستة أيام على تقديم الممثل الخاص للأمين للعام للأمم المتحدة، غسان سلامة، لخطة العمل الخاصة بليبيا كخارطة طريق لحل الأزمة الليبية، بدأت أول مرحلة من مراحلها الثلاث يوم 26 سبتمبر/أيلول 2017؛ حيث تم تشكل لجنة مكونة من ثمانية أعضاء من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، لتعديل البنود الخلافية في اتفاق الصخيرات المتعلقة بالمادة الثامنة الخاصة بقيادة المؤسسة العسكرية، ومسألة تشكيل السلطة التنفيذية وصلاحياتها.

قَبِل مجلس النواب تحت ضغوط دولية بتعديل المادة الثامنة بدلًا من إلغائها، وقدَّم المجلس العديد من المقترحات بشأن شكل المناصب داخل المؤسسة العسكرية، مؤكدًا استمرار وجود قائد الجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر، على رأس المؤسسة العسكرية. 

الجولة الأولى من المحادثات استمرت أسبوعين وتمخضت عن اتفاق الطرفين على تشكيل مجلس رئاسي من ثلاثة أعضاء، رئيس ونائبيْن. 

استؤنفت الجولة الثانية من جلسة الحوار للجنة الصياغة المشتركة لمجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في تونس، 15 أكتوبر/تشرين الأول 2017، بحضور رئيس البعثة، غسان سلامة.

وشهدت هذه الجولة تعليق جلسات المفاوضات بسبب رجوع مجلس الدولة عن النقاط التي سبق أن تم الاتفاق حولها في الجولة الأولي؛ الأمر الذي جعل لجنة الصياغة التابعة لمجلس النواب تطالب لجنة المجلس الأعلى للدولة بتقديم ما اتُّفق عليه كتابة، وعلقت مشاركتها في المفاوضات لمدة يومين، تم بعدها استئناف المفاوضات بعد تلبية شرطها. 

وفى مساء السبت 21 أكتوبر /تشرين الأول 2017، اختتمت لجنة صياغة تعديلات الاتفاق السياسي الليبي جولتها الثانية في تونس، التي توصل فيها الطرفان إلى توافق بشأن فصل السلطة التنفيذية إلى مجلس رئاسي ومجلس للوزراء، إضافة إلى تحديد تركيبة المجلس الرئاسي وصلاحياته ومعايير ترشيح أعضائه. 

خلال مدة شهر ونصف الشهر من منتصف سبتمبر/أيلول حتى أواخر أكتوبر/تشرين الأولي 2017، تقاطرت مئات الشخصيات الليبية من مختلف الكتل والأحزاب والهيئات والمؤسسات والقيادات الاجتماعية والناشطين والحقوقيين والصحافة، ومؤسسات المجتمع المدني، على الضاحية الشمالية الراقية لتونس المسماة قمرت“. 

والمتتبع للشأن السياسي الليبي عن قرب، يدرك أن اللعبة الحقيقية، هي ما يتم تداوله من وراء الكواليس بين الفرقاء الليبيين، وأن ما يظهر منها للعلن، ما هو إلا النزر اليسير من مكاسرة سياسيةأقل ما يمكن أن يقال عنها: إنها لعبة مصالح ضيقة، واللاعب الأبرز فيها المال السياسي الفاسد الذي أفلح حتى الآن في شراء الذمم وإبرام صفقات لشراء الولاء في ماراثون عبثي لا يقيم وزنًا للمصالح العليا للدولة الليبية، ولا للمعاناة اليومية للمواطن الليبي الذي تطحنه الفاقة والعوز وقلة الحيلة في بلد ينام على بحيرة من النفط قُدِّر مخزونها بـــ77 مليار برميل أي حوالي 6% من الاحتياطي العالمي، مما يعني أن العمر الافتراضي لإنتاج النفط الليبي يصل إلى 112 عامًا من تاريخنا الحالي . وقد أعلنت المؤسسة الوطنية الليبية للنفط، يوم 28 يونيو/حزيران 2017، عن وصول احتياطي الغاز في البلاد إلى 6.54 تريليونات قدم مكعب، وهو ما وضع ليبيا في المرتبة الـ21 عالميًّا في احتياطيات الغاز. ورغم قتامة الصورة في معظم أجزائها، إلا أنها لا تخلو من نقاط مضيئة تتمثل في جهد دؤوب لثلة من الرجال الوطنيين، الذين يعملون ليل نهار للخروج بليبيا من النفق المظلم إلى برِّ الأمان.

البقية في الجزء الثاني

***

د. الحسين الشيخ العلوي ـ باحث وجامعي موريتاني مهتم بالشأن المغاربي وقضايا الساحل.

_______________

مواد ذات علاقة