بقلم أنور بوخرص

بعد أكثر من ست سنوات من إطاحة الرئيس زين العابدين بن علي، لاتزال المناطق الحدودية في تونس مرتعاً للسخط الاجتماعي والاضطرابات. فالشبان المغبونون يُعبّرون على نحو مُطّرد عن غضبهم من خلال احتجاجات ساخنة ومتقدة، وعنف في الشوارع، وفي بعض الحالات التطرُّف العنيف.

.

ركائز ودعائم التطرُّف

يمكن القول إن مقاربة الحكومة الراهنة للإرهاب قمينة بأن تُشعل فتيل المزيد من التطرُّف والنزعات الراديكالية. من جانبه، يحب الرئيس باجي قائد السبسي أن ينحّي جانباً التطرّف العنفي بصفته بربرية متعصّبة مُوحى بها من الخارج. بيد أن هذه المقاربة المتمحورة حول الإيديولوجيا تتجاهل الدوافع الكامنة وراء هذا التطرّف، كما أنها تحد من قدرة الحكومة على تقدير حجم ومدى وعمق التهديد بطريقة منهجية. ثم أن الخطوات الحكومية التي تتجاهل المقومات الاجتماعية والاقتصادية والجهوية للتطرّف، ستؤثّر على مسارات ومسالك الإرهاب في تونس.

والواقع أن سهام التقديرات المُتجردة لمشاكل تونس مع التطرُّف، تنصب مباشرة على العوامل الاجتماعية والاقتصادية والمناطقية، أكثر من مسائل الأصوليات الدينية. وتُظهر الدراسات النادرة التي أُجريت، أن معظم الشبان التونسيين الأكثر تعاطفاً مع أنصار الشريعة يتحدرون من بيئات فقيرة وكانوا سابقاً الأقل التزاماً بتطبيق الشعائر الدينية. كما تُظهر أن الشبان المغبونين والمُضطهدين يتعاطفون مع الجهاديين، لأنهم يتشاطرون معهم الخلفيات الاجتماعيةالاقتصادية البائسة نفسها، ويقطنون في الأحياء المتداعية ذاتها.

بالطبع، الإيديولوجيات المتطرّفة يمكن أن تتأثر بالسياقات الإقليمية والتظلّمات الجيوسياسية، لكنها تكون أيضاً تعبيراً عن بيئاتها المحلية. وهذا صحيح على وجه الخصوص بالنسبة إلى الجيل الأخير من المتطرفين التونسيين، الذين لم يكونوا موجودين في الموجة الأولى من المعارك في أفغانستان في ثمانينيات القرن العشرين، كما كانوا يافعين في الجولة الثانية من المعارك الرئيسة التي بدأت بعد 11 أيلول/سبتمبر 2001 على إثر الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة والتي تصاعدت مع الغزو الأميركي للعراق العام 2003.

يُعبّر أفضل تعبير عن الجيل الثالث من المتطرفين الذين نضجوا مع الثورة التونسية في 2011-2012، أولئك الذين ارتكبوا الهجمات الإرهابية الدراماتيكية التي ضربت تونس العام 2015: فهم وُلدوا في التسعينيات، وتذوّقوا مرارة الحكم القمعي لبن علي، ثم انضموا إلى سياسة التمرّد التي وضعت نهاية لهذا الحكم التعسفي. بيد أنهم أصيبوا بالخيبة جراء عجز حكومات مابعد الثورة عن تحقيق مطالبهم، ولذا قاموا بتنحية الحماسة الثورية جانباً بسرعة وعانقوا السلفية الجهادية بوصفها الأداة الرئيسة للمقاومة.

واليوم، يُعتبر الشبان الذين أصبحوا متطرفين أفضل تعليماً من أقرانهم المواطنين الآخرين، لكنهم عاطلون كلياً أو جزئياً عن العمل. تتراوح أعمار هؤلاء بين سن الثامنة عشرة والرابعة والعشرين والعديد منهم، بمن فيهم الثلاثة الذين ارتبكوا الهجومين في باردو وسوسة، ويأتون من خلفيات مُفقرة ومناطق مُهمّشة. علاوةً على ذلك، تسمح مشاعر الزهادة وقلة الأهمية في ضواحي العاصمة أو على مشارف ولاية القصرين للجماعات المتطرّفة بأن تدمج بين النشاطات الدعوية والاجتماعية لتسهيل تعبئة الدعم لها على حساب الدولة. فقبل هزيمة أنصار الشريعة، كان الانضمام إلى هذه الجماعة الأخيرة موازٍ للانخراط في حركة ثورية قادرة على تمزيق النظام المؤسسي والجيلي (من جيل). ولذا، كانت هذه الحركة ملاذاً ملائماً لأولئك المُهمشين في المجتمع الباحثين عن وسيلة للتنفيس عن إحباطاتهم وتحطّم آمالهم من عملية الانتقال الديمقراطي.

ولّد فشل عملية الانتقال الديمقراطي في تحسين الظروف الاقتصادية للشبان التونسيين شعوراً بأن النظام مُوجّه ضدهم. وقد وجد تقرير للبنك الدولي العام 2014 حول كيفية إزالة العقبات أمام إدماج الشباب، أن 68 في المئة من اليافعين المدينيين و91 في المئة من الشبان الريفيين لايمحضون النظام السياسي ثقتهم. أما القادة السياسيون فمازالوا إلى حد كبير طاعنين في السن، وفرانكوفونيين، وينتمون إلى الطبقة الوسطى، فيما غالبية التونسيين شباناً يافعين، ويتحدثون العربية، ومحرومين.

بالطبع، معالجة المحصلات المُخيّبة للآمال تختلف من فرد إلى آخر. لكن التجربة التونسية تشي بأن الحنق والغضب من تواصل الإقصاء الاجتماعي والتباينات الجهوية، جنباً إلى جنب مع التعرُّض إلى مؤثرات خطاب الدعاة السلفيين، هي عوامل مهمة لفهم أسباب نزوع الشبان إلى التطرُّف.

فمع تصاعد وتائر الإحباط، يصبح بعض الأشخاص أكثر ميلاً إلى العدمية، كما تدل على ذلك المعدلات المرتفعة لعمليات الانتحار وإحراق الذات في أكثر الأحياء والمناطق إفقارا. هذا في حين يصبح آخرون منجذبين إلى المفاتن البطولية للمقاتلين الجهاديين في ساحات المعارك السورية والليبية، أو في جبل الشعانبي قرب القصرين، الذي يقع على مرمى حجر من الحدود الجزائرية.

التحدي الماثل أمام المسؤولين الحكوميين التونسيين هو فهم ظاهرة تمرّد الشباب هذه. ذلك أن اعتبار الأصولية الإسلامية الدافع الرئيس للتطرّف، يسىء تشخيص المشكلة: ففي كل حين يقع هجوم إرهابي، تشنّ الدولة حملة على المُشتبه بأنهم مُتشدّدين. ويشتكي السلفيون من المعاملة الإذلالية، والغارات غير القانونية، والاعتقالات التعسفية، والمضايقات القانونية. كما تشتكي عائلات المُشتبه بهم والمقاتلين العائدين إلى الوطن من الاضطهاد والعسف المنهجي للشرطة. وفي غياب برامج نزع التطرف أو سياسة إعادة الإدماج الاجتماعي، تُصبح هذه المقاربة الأمنية ثقيلة الوطأة وعكسية النتائج. لا بل ثمة ما هو أسوأ: إنها تدفع الناس إلى الإرهاب، كما يقول رضا رضاوي المؤلّف المشارك لتقرير أخير حول الإرهاب في تونس نشره المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية.

هذه المخاوف نفسها طرحتها منظمات حقوق دولية، حين حذّرت من أن العُسف باسم الأمن، لايفعل شيئاً سوى تعقيد التهديدات الأمنية التي تواجهها البلاد.

علاوةً على ذلك، باتت السجون التونسية، بسمعتها السيئة واكتظاظها والمصارف الصحية البائسة فيها، بيئة ممتازة لترعرع التطرُّف. وهذا ما أثبته على نحو فاقع التحوّل الدراماتيكي لمغني راب في ربيعه الخامس والعشرين إلى مقاتل في صفوف الدولة الإسلامية. كان هذا المغني، وهو مروان الدويري، المعروف باسم أمينو، زير نساء ويعشق نشر صوره الخاصة قبالة سيارات السباق إلى جانب نساء غير محتشمات البتة. لكن، بعد ثمانية أشهر في غياهب السجون بتهمة حيازة الحشيش، تغيّر أسلوب حياته بشكل جذري وسريع.

ففي غضون سنة واحدة، تخلى عن الراب، وغيّر ملابسه، وأعلن ولاءه للدولة الإسلامية عبر فايسبوك في آذار/مارس 2015. كان مروان قبيل تحوّله إلى التطرّف في السجن قد انتقد عنف الشرطة ضد الشبان التونسيين، وجادل محاميه السابق غازي المرابط بأن مثل هذا العنف مسؤول عن انتقال أمينو إلى السلفية المتطرفة.

وهكذا، يؤدي الإمتهان المتواصل للمجتمعات المحلية المُفقرة، والصدمة الناجمة عن ممارسات الشرطة العنفية والتطفلية، إلى خلق مشاعر إذلال عميقة في نفوس الشبان، وإثارة أحاسيس المرارة لديهم ضد سلطة الدولة. ويُعبَّر غالباً عن هذا الإحباط في الاحتجاجات، والعنف في الشوارع، والتطرُّف العنيف، خاصة في المناطق الحدودية التي طالما عانت من الإهمال، والتي تتحمّل جُل وطأة سياسة القبضة الحديدية التي تمارسها الحكومة.

***

أنور بوخرص ـ باحث غير مقيم في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط. وهو أستاذ مشارك في العلاقات الدولية في كلية ماكدانيل في وستمنستر، ميريلاند.

______________

مواد ذات علاقة