بقلم أنور بوخرص
بعد أكثر من ست سنوات من إطاحة الرئيس زين العابدين بن علي، لاتزال المناطق الحدودية في تونس مرتعاً للسخط الاجتماعي والاضطرابات. فالشبان المغبونون يُعبّرون على نحو مُطّرد عن غضبهم من خلال احتجاجات ساخنة ومتقدة، وعنف في الشوارع، وفي بعض الحالات التطرُّف العنيف.
ورداً على الإرهاب والقلاقل المتواصلة، طوّرت الحكومة التونسية سياسات أمنية مُتشدّدة، غالباً ما تؤدي مضاعفاتها إلى مفاقمة التوترات الاجتماعية، والعنف السياسي، والتطرُّف. وهذه حلقة مفرغة ليس بالمستطاع كسرها سوى من خلال قيام الحكومة التونسية بإعادة النظر في مقاربتها الراهنة حيال المناطق الحدودية.
الحدود الهشّة للدولة التونسية
-
العديد من اليافعين في المناطق الحدودية التونسية فقدوا الثقة بعملية الانتقال الديمقراطي، وتنامت لديهم مشاعر لاهبة من الإحباط العميق، والحنق، والعداء لسلطة الدولة.
-
أدّت سنوات من الاحتجاجات المتّصلة إلى تصعيد وتصليب المطالب المُتمحورة حول عقد اجتماعي جديد يمكن أن يُسفر عن إعادة توزيع أكثر عدالة لموارد الدولة، وعن عملية إدماج تكون في آن شفافة وشاملة للجميع في مجال إدارة الموارد الطبيعية للبلاد.
-
ساهم عجز الدولة، أو عدم استعدادها، لإصلاح أنماط الحوكمة– وأيضاً نزوعها إلى مهاجمة المُحتجين ووصمهم بأنهم مُثيرو شغب ومُهرّبون وإرهابيون– في رفع وتائر التسييس والتطرف لدى الشبان.
-
يُعتبر الانقطاع المطوّل بين الدولة وبين المناطق المُهمّشة مسألة خطرة، تُهدِّد بإغراق البلاد في لجج عنف قد تدفعها إلى الارتداد ثانية إلى الحكم السلطوي القمعي.
توصيات إلى السلطات التونسية والمجتمع الدولي
-
ضرورة الاعتراف بتجارب المناطق الحدودية المريرة مع التمييز الاجتماعي– الاقتصادي والعسف السياسي على مدى عقود كاملة، وكذلك الإقرار بمكانة الشخصيات التاريخية، والرموز، والانجازات التي قدّمتها هذه المناطق إلى تونس. وإذا ما ترافق ذلك مع برنامج تنمية جهوية حقيقية، فقد تساهم مثل هذه اللفتات في مصالحة الأطراف المحرومة والمغبونة مع الساحل المتوسطي الشرقي المُهمين على البلاد.
-
دعم الاستراتيجيات التي ترفع من وتائر القدرة التنافسية الزراعية، وتُصلح ملكية الأراضي، وتُحسِّن إدارة الموارد الطبيعية. إن استثمار قسط عادل من الأرباح المتأتية من الموارد المحلية في مشاريع لصالح هذه المناطق، يمكن أن يُحسِّن معيشة سكانها ويدفعها قدماً إلى الأمام.
-
إصلاح أجهزة الأمن الداخلي وقطاع العدالة الجنائية، ووضع برامج إعادة تأهيل وإدماج لمئات المقاتلين التونسيين العائدين من ساحات الحروب الخارجية.
-
دعم وتمكين نشاطات الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ولجنة الحقيقة والكرامة. إن تقليص الفساد، واستعادة العدالة، وتوفير التعويض لضحايا القمع، كل هذا من شأنه تعزيز استقرار مُستدام.
مقدّمة
تُعمِّق كلٌ من ظاهرتي التفاوت الاجتماعي وعدم التناظر الجهوي، الصدع بين المناطق الطَرْفِية المُتململة والمُضطربة وبين المناطق الساحلية في شرق المتوسط، مايُهدِّد بتقويض المرحلة الانتقالية الديمقراطية في البلاد. وتخشى النخب الساحلية التونسية، كما تُسيء فهم، السخط المرير الذي يغشى المجتمعات المحلية الحدودية، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان تحصين البلاد من التهديدات الإرهابية المُتصاعدة. ولايجب أن ننسى هنا أن الجماعات الإرهابية العنيفة في هذه المجتمعات، تتغذّى من خيبات الأمل من عملية الانتقال الديمقراطي هذه، وتتصيّد مشاعر العجز والإقصاء المتفاقمة في صفوف الشبان التونسيين.
والحال أن التركيز ضيّق الأفق للحكومة التونسية على مكافحة الإيديولوجيا المتطرفة، يحرف الانتباه عن معالجة البواعث الحقيقية للتطرّف، على رغم أن الدراسات الأخيرة أظهرت أن جاذبية الجماعات المتطرفة العنيفة، على غرار الدولة الإسلامية المُعلنة ذاتيا، تستند في الدرجة الأولى إلى وعد التمكين واستعادة الكرامة، أكثر من اعتمادها على الإيديولوجيا أو الإيمان الديني.
لقد اختبرت تونس منذ ثورة 2011 مروحة واسعة من التهديدات الأمنية، خاصة على طول حدودها الهشّة. وستعمد هذه الدراسة إلى تقييم مقاربات تونس المتمحورة حول الأمن والسيطرة على الحدود، كما ستطرح توصيات واقتراحات حول معالجة الفجوة الخطرة بين شبان المناطق الحدودية وبين الدولة.
ديناميكيات التطرُّف
كانت الحكومة التونسية، منذ نهاية العهد السلطوي للرئيس السابق زين العابدين بن علي في كانون الثاني/يناير 2011، تجهد لجبه الخطر الإرهابي الذي يغيّر جلده باستمرار، بعد أن كانت الثورة التونسية زعزعت في البداية المشهد الأمني، وأصابته بالوهن السياسي والاضطراب الجهوي. علاوةً على ذلك، وفّرت حقبة مابعد الثورة لمختلف فصائل الجماعات السلفية الفرص السانحة لزرع بذور حركة ثورية أخرى في تربة البيئات الفقيرة، كما سمحت لها بقطف ثمار خيبات الأمل المتفشية بين الشبان، خصوصاً في المناطق الحدودية.
وهكذا، تقدّم السلفيون من كل الألوان والمشارب الصفوف، وكان أكثر من أفاد بينهم من عملية الانتقال السياسي، من يُسمون السلفيين الجهاديين. فقد شهدت قوة هؤلاء طفرة واضحة، بعد إطلاق سراح المئات منهم من السجون، وبعد عودة العديد من مشايخهم البارزين إلى تونس من ملاذاتهم في أوروبا الغربية، حيث طفقوا يمدّون جذورهم في الأحياء الفقيرة والمهمّشة التي تغيب عنها سلطة الدولة.
إحدى التحديات التي واجهت السلفيين، كمنت في كيفية تحويل الشبكات السلفية الجهادية المُتباينة إلى بنية هيكلية ثابتة تتمتع بسلطة مركزية وقيادة مُحدّدة. وقد التفّ العديد من السلفيين المتطرفين حول جماعة أنصار الشريعة المُتشدّدة التي أسّسها السجين السابق سيف الله بن حسين، المعروف باسم أبو عياض، في أواخر نيسان/أبريل 2011. أعطى أبو عياض هذا الأولوية للسيطرة المركزية بدل التركيز على تنامي السلفية الجهادية، لأنه خشي أن تؤدي التوجهات السلبية إلى إلحاق الضرر بالحركة.
والواقع أن هذه المخاوف سرعان ماتحققت على أرض الواقع، حين غرقت الحركة في لجج الخلافات حول مسألة العنف ضد معارض الفن، والأضرحة، ومحال بيع الخمور. وعلى رغم ادعاءات أبو عياض بأن تونس لم تعد أرض جهاد، إلا أن الدعوة السلفية وخطابها العنيف باتا على نحو مطّرد حادين ضد باقي التونسيين الذين يرفض السلفيون أسلوب حياتهم.
تصاعُد أعمال العنف وصل إلى ذراه في أيلول/سبتمبر 2012، حين أشعلت دهماء هائجة النيران في السفارة الأميركية وفي المدرسة التعاونية الأميركية بتونس. وهكذا أثبتت السلفية التي تحاول فرض قوانينها الخاصة أنها مُدمّرة لهذا التيار، خاصة حين تشدّد الطرف الإسلامي الرئيس، حزب النهضة، الذي تزعّم إئتلافاً حاكماً في الفترة بين تشرين الأول/أكتوبر 2011 وكانون الثاني/يناير 2014، في مقاربته الأمنية، واستهدف هيئات أنصار الشريعة ومنظماتها الجماهيرية ونشاطاتها الاجتماعية.
هذا الموقف المُتشدّد حفز السلفيين الجهاديين على تحويل اهتمامهم بعيداً عن الدعوة المُتطرفة، وأحياناً العنيفة، والتركيز بدل ذلك على تحدّي سلطة الدولة وشن الهجمات على مؤسساتها الرئيسة. كان السلفيون يأملون بهز صدقية أجهزة أمن الدولة، عبر الإثبات للتونسيين الساخطين بأن حكومتهم عاجزة عن وقف هجمات السلفيين الجهاديين.
تصاعدت استراتيجية الاستنزاف هذه العام 2013، وطفت على السطح حلقة مفرغة من الاستفزاز، والرد الانتقامي، والقمع. حينها، أنحى رئيس الوزراء الإسلامي آنذاك علي العريض باللائمة على جماعة أنصار الشريعة لاغتيال شخصيتين سياسيتين تونسيتين، وإرداء العديد من أفراد قوات الأمن قتلى. وقد أدّت الحملات الشاملة في البلاد ضد مخابىء وملاذات المُشتبه بهم من المُتشددين إلى اكتشاف مخازن أسلحة كانت مُعدّة لهجمات مستقبلية.
وفي خضم وطيس الحرب المتصاعدة بين الدولة وبين أنصار الشريعة، عمدت منظمات صغيرة مُتشدّدة وعنيفة على ارتباط بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، إلى تصعيد الموقف في المناطق الغربية المحاذية للجزائر. وبعد تصنيف أنصار الشريعة كمنظمة إرهابية، وما تلا ذلك من شن حملة أمنية واسعة النطاق عليها وعلى أنصارها، تموضعت جماعات على غرار كتيبة عقبة بن نافع (وهي فرع من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب) كحاجز ضد سياسة الدولة القائمة على تجريم السلفية وقمع الاعتراض. وهي فعلت ذلك على وجه الخصوص في أكثر الأحياء والمناطق حرماناً في البلاد.
أدّت هزيمة أنصار الشريعة إلى تسريع تفكّك المشهد التونسي المُتشدّد، إذ لفظت هذه الجماعة أنفاسها في أواخر 2014 بفعل الهجمات المتواصلة للقوات المسلحة الحكومية. وهذا خلّف وراءه فراغاً إيديولوجياً وقواعد شعبية كبيرة ساخطة، لجأ بعض أعضائها إلى الاستكانة مؤقتاً والعمل السرّي عبر دمج الشبكات بعضها ببعض وإقامة روابط اجتماعية في بن قردان قرب الحدود مع ليبيا، فيما انضمّ أعضاء آخرون إلى مسرحي العمليات العسكرية في سورية وليبيا. بيد أن فريقاً ثالثاً من السلفيين واصل القتال ضد “الحكومة الطاغية” من خلال الارتباط بكتيبة عقبة بن نافع قرب الحدود الجزائرية.
كان تركيز الحركة السلفية– الجهادية، إلى حين أحاقت الهزيمة بأنصار الشريعة، ينصّب على زعزعة استقرار مؤسسات الدولة، فيما هي تنشط لتعبئة جحافل من التونسيين المُستائين من عملية الانتقال الديمقراطي. لكن فشل هذه الاستراتيجية أسفر عن تحوّل جذري في المقاربة التي كانت قد حبّذت ضرب المدنيين كما الأهداف العسكرية.
وكانت هذه الاستراتيجية الجديدة شهدت تنامياً ضخماً بفعل النشاط المتمدِّد والعميق للدولة الإسلامية في ليبيا. ففي العام 2015 وحده، ادّعى تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن ثلاثة هجمات: في متحف باردو الوطني في العاصمة تونس (22 قتيلا)، وفي منتجع ساحلي في سوسة (38 قتيلا) وضد باص ينقل الحرس الرئاسي التونسي في العاصمة (12 قتيلا). وفي آذار/مارس 2016، شنّ عشرات من أفراد خلايا نائمة درّبتها الدولة الإسلامية هجوماً دراماتيكياً على قوات الأمن التونسية في بن قردان.
صدّت قوات الأمن التونسية بنجاح هذا الهجوم الأخير الذي استهدف السيطرة على بن قردان، بهدف تشجيع السكان المحليين الساخطين على التمرّد علنا. بيد أن حجم هذه المحاولة وتواطؤ بعض سكان بن قردان، أماط اللثام عن أن الجماعات المُتطرفة قادرة بالفعل على التمدّد والانتشار في مناطق الحدود. مثل هذا التطوّر يتطلّب من الحكومة التونسية أن تتبنّى مقاربة جديدة لاتكون محدودة بإنفاذ الأمن والنظام وتطبيق إجراءات عسكرية، بل تستند أساساً إلى تحليل مخاطر التطرّف في السياقات والبيئات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي ظهرت فيها. إذ في تونس، تُعتبر المُثيرات الاجتماعية– الاقتصادية (التنفير والانسلاخ، والتمييز، والوسم بالعار) والتباينات الجهوية، مؤشرات مهمة تُنبئ بآفاق عنف الشباب ونزعات التطرف، خاصة في المناطق الحدودية.
***
أنور بوخرص ـ باحث غير مقيم في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط. وهو أستاذ مشارك في العلاقات الدولية في كلية ماكدانيل في وستمنستر، ميريلاند.
______________