بقلم محمد نورالدين
بدت زيارة قائد الجيش الليبي اللواء خليفة حفتر إلى موسكو، واجتماعه بوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، لافتة في توقيتها في ذروة الصراع في ليبيا، وتقدم القوات الموالية لحفتر. لكن الأهم في الزيارة هو في المكان الذي تتوجه إليه، أي إلى روسيا تحديداً.

والكل يعرف أن انفجار الوضع في ليبيا، والإطاحة لاحقاً بالقذافي، كان نقطة تحول في تغيير خريطة التوازنات الإقليمية والدولية بالنسبة لروسيا.

ذلك أن روسيا اعتبرت أن تدخل حلف شمال الأطلسي العسكري في أحداث ليبيا كان تجاوزاً للتفويض الذي منحه قرار مجلس الأمن بشأن ليبيا في بداية الأحداث. فالحلف تدخل من دون العودة لمجلس الأمن، وهي الخطوة التي اعتبرتها روسيا انتهاكاً للقرار. وشعرت روسيا بأنها مستهدفة بهذا التدخل العسكري، خصوصاً أن ليبيا كانت من أواخر مراكز النفوذ السياسي والاستراتيجي لها في البحر المتوسط. ووصفت روسيا التحرك الأطلسي بالخديعة والمؤامرة.

وعلى قاعدة «رب ضارة نافعة» بدأت روسيا بزعامة فلاديمير بوتين تنتهج سياسة أكثر من شكاكة، وحذرة تجاه أي مشروع قرار يقدم لمجلس الأمن.
باتت روسيا بوتين تدقق في كل كلمة ونقطة وحرف وفاصلة. فما جرى معها في ليبيا كان ضربة استراتيجية كبيرة بحيث لم يبق لها في كل حوض المتوسط سوى ساحل بري واحد هو سوريا.

والوصول إلى المياه الدافئة كان دائماً هدفا للبحرية الروسية، ولكل السياسة الروسية، لذلك كانت مثلاً مسألة المرور في المضائق التركية في البوسفور والدردنيل مثار حروب وتوترات لا تنتهي بين روسيا القيصرية والشيوعية، وتركيا العثمانية والجمهورية.

وبعد سقوط القذافي تراجع النفوذ الروسي في المتوسط، لكن بوتين لم يكن يتصرف على أن كل شيء انتهى، ونظر إلى الموضوع على أنه نكسة كبيرة، لكنه ليس نهاية المطاف.

لقد كان ذلك مدعاة لكي تعيد روسيا دراسة طريقة تعاملها مع أزمات المنطقة. مع ذلك فإنها لم تبادر إلى تغييرات دراماتيكية في مناطق أخرى مثل سوريا، إذ استمرت في قصر دعمها للنظام السوري من بعد، لكنها في لحظة ما، وعندما شعرت بالخطر المحدق على المصالح الروسية كانت روسيا تتدخل عسكرياً للمرة الأولى منذ أزمة أفغانستان عام 1980 خارج الحدود السوفيتيةالروسية.

وهذا كان دليلاً على الخطر الاستراتيجي من جراء احتمال فقدان سوريا، كما كان يعكس تصميماً على تغيير في التكتيكات والاستراتيجيات المعتمدة إلى صيف 2015 تاريخ التدخل العسكري الروسي في سوريا.

التغيير الروسي لم يقتصر على الناحية العسكرية. فقد كانت الخطوات الدبلوماسية تحمي التوجه الروسي الجديد، وقد كانت خديعة الغرب لروسيا في ليبيا نقطة التحول. من حينها لم توافق روسيا على أي قرار يمكن أن يشكل منفذاً لتبرير أي تدخل عسكري رسمي للغرب في سوريا وإسقاط النظام فيها. استعملت حق النقض «الفيتو» مرات عدة وساعدتها الصين في ذلك.

وقد نجحت روسيا في المبدأ، لكن إلى حد كبير في تعويم وجودها في سوريا، والأهم في تعزيز هذا النفوذ قياساً على ما كان عليه من قبل، بحيث لم يعد مطروحاً ولا بأي شكل، إخراج روسيا من سوريا.

أكثر من ذلك، نجحت روسيا في نسج خطوط اتصال مع كل الأطراف المتقاتلة، والمتعارضة، طبعاً باستثناء «داعش»، و«جبهة النصرة». كان لها علاقات مع تركيا وإيران ومصر والسعودية وقطر و«إسرائيل» والولايات المتحدة، ومع النظام السوري والجيش الحر وقوات الحماية الكردية وفريق المعارضة السورية. كانت الوحيدة التي لها صلات بكل هذه الأطراف مجتمعة، لذلك نجد أن المظلة الروسية لا الأمريكية هي التي تظلل مسار أستانا كما مسار جنيف.

اليوم مع زيارة اللواء خليفة حفتر إلى روسيا يكتمل النجاح الكبير للدبلوماسية الروسية. وهذا يرشح روسيا لمزيد من استعادة النفوذ ومن الأدوار المساهمة في تعزيز فرص التوصل إلى حل في ليبيا يكون مثالاً لحلول في مناطق التوتر الأخرى في الشرق الأوسط، والمنطقة العربية.

______________

مواد ذات علاقة