بقلم عبدالرزاق مختار عبدالقادر

إن أي تطور حقيقي ينشده بلد من البلدان لا يمكن له أن يتحقق هكذا بشكل سحري أو عبر خيالات وأوهام وتصورات أو شعارات جوفاء لا علاقة لها بالواقع دونما أن يكون هذا الطموح وذلك النشدان مرتكزين على محفزات و منظومات واقعية متجاوبة مع محيطها ومستجيبة لمتطلباته العاجلة والآجلة.

ولعله في مقدمة هذه المحفزات والمنظومات منظومة القوانينالتي من خلالها تمارس مؤسسات الدولة أعمالها وتحقق أهدافها.

وحين نتابع مسيرة البلدان التي استطاعت أن تحقق نهضة حقيقية وطفرة اقتصادية نجدها تلك التي اتخذت إجراءات جذرية فيما يتعلق بمدونة القوانين لديها .

فقامت بمراجعات جريئة لها فعززت ما من شأنه الدفع بعجلة التنمية والاقتصاد إلى الأمام وأزاحت تلك المتاريس القانونية المتكلسة التي رأت أنها ستعيق حركة تقدمها الطموحة وستجرها إلى الخلف وستعطل اندفاعها الإيجابي وستحبط مشاريعها الكبرى والصغرى على حد سواء .

كما استصدرت قوانين جديدة فاعلة ومؤثرة ومحفزة على التطور وإحداث النقلة الحقيقية في مسيرة الوطن والمواطنين على حد سواء .
أريد أن أعبُر من خلال هذه المقدمة إلى واقع عديد القوانين والمؤسسات الرقابية في ليبيا، والتي لن نحتاج إلى بذل جهد أو وقت لنكتشف كم هي مكبلة (بكسر الباء) ومعرقلة لكل طموح يشرئب ويتطلع إليه المواطن في ليبيا بعد أن أحكم الإحباط قبضته عليه.

وبدلاً من أن تصبح تلك القوانين والمؤسسات الرقابية عوناً ودافعاً أصبحت حجر عثرة كأداء يصطدم بصلادتها وتحجرها كل طموح و تطلع إيجابي .
إن بلدان العالم وهي تسابق الوقت والزمن حتى تكتمل نهضتها لا تتوقف عن مراجعة قوانينها وتشريعاتها ولا تتردد في متابعة أعمال مؤسساتها الرقابية لمعرفة هل هي حافز للإنجاز على أكمل وجه أم أنها تحولت إلى قيود وأغلال ؟! فمثلاً في مشروع إقامة وحدات سكنية لا يتجاوز إنجازه السبعة أشهر، نجد الإجراءات التي تحتمها القوانين والجهات الرقابية تصل إلى ضعف هذه المدة أو أكثر .

ولعلنا نسمع في دول العالم ـ لا نقول المتقدمة بل النامية ـ عن ما يعرف بسياسة الشبّاك الواحد وهو الذي يختصر ويختزل جميع المعاملات أمام جهة واحدة تملك صلاحية الاعتماد وإعطاء التصاريح ومنح الأذونات بسرعة قياسية.
هنا في ليبيا تجتهد الجهات الرقابيةديوان المحاسبة والرقابة الإداريةوتبذل جهوداً مضاعفة كي تعرقل وتكبل وتعسر وتستغرق الوقت الطويل من المدة المخصصة لتنفيذ مشروع و تتدخل في تفاصيل عطاءات ومشاريع وفي ممارسة رقابية سابقة وئدت كثيرا من المشروعات قبل أن ترى النور وقبرت كثيرا ً من الطموحات قبل أن يجني ثمارها الناس .

لسنا ضد هذه المؤسسات الرقابية فدورها حيوي وواجب للحفاظ على المال العام وتحقيق الشفافية ومواجهة الفساد ولكن لا يعني هذا أن تتغول هذه المؤسسات وتتحول إلى مقبرة كبرى تدفن فيها المشاريع التنموية بأنواعها كافة ومشاريع المؤسسات والوزارات والشركات و الأفراد، على المدى القصير والبعيد.

كثير من المؤسسات تأثرت سلباً بسبب هذه القوانين المكبلة إضافةً إلى الإجراءات السابقة وليست اللاحقة لديوان المحاسبة والرقابة الإدارية ومن هذه المؤسسات مصرف ليبيا المركزي والمحافظ الاستثمارية والمصارف التجارية ومؤسسة النفط .

ولدى هذه المؤسسات والجهات بحسب علمنا النية والقدرة على إقامة عديد المشروعات الطموحة التي من شأنها أن تخفف من معاناة الناس وأن تخرجهم من دائرة الإحباط بعد أن يئسوا أن يروا بوارق أمل في الأفق .

هذه المؤسسات والجهات التي أشرنا إليها اصطدمت بجبل من القوانين المعرقلة العقيمة و بصخرة من الإجراءات السابقة عن التنفيذ للرقابة الإدارية و ديوان المحاسبة فتعطلت المشاريع الطموحة التي كانت تعتزم إقامتها والتي ينتظر مثلها المواطن بفارغ الصبر .
إن استنزاف مزيد من الوقت والجهد من خلال هذه الأكداس القانونية المعرقلة والإجراءات الرقابية المكبلة لن يقود إلا إلى مزيد من اليأس والإحباط والمعاناة لدى الناس في ليبيا .
إننا إذا كنا نريد الخروج من هذا الواقع المتردي وإن كنا جادين في التخفيف من معاناة المواطن وإحداث طفرة اقتصادية، علينا أن نسارع بإعادة النظر في جميع القوانين والتشريعات المعمول بها والتي سُنّت وصِيغت وصَدرت في عهد القذافي.

فمن المفارقات أن الليبيين ثاروا على القذافي لكنهم أبقوا على جميع القوانين التي سنها ولم يفكِّروا في إلغائها أو مراجعتها أو إعادة النظر فيها وهم يدركون أنها وليدة مرحلة تغولت فيها الدكتاتورية وطُوعت فيها القوانين والتشريعات لخدمة وتثبيت واستمرار ذلك النظام الدكتاتوري.

لكن للأسف ثار الليبيون على هذه الدكتاتورية ومات القذافي موتاً بيولوجياً لكنه قانونيا ً وتشريعياً لا يزال حياً وموجوداً وبقوة من خلال أكداس القوانين التي صاغها والتي لا تزال تُحكِم قبضتها على سائر مؤسسات الدولة وتشكل المرجعية وتعيق حركة المجتمع.
إن الجهات التشريعية في ليبيا، التي خوّلها القانون ذلك بموجب اتفاق الصخيرات، مطالبة بأخذ زمام المبادرة وتشكيل لجنة وطنية لإعادة النظر في مدونة القوانين والتشريعات الليبية التي صدرت إبان حكم النظام السابق لاستصدار قوانين جديدة تستجيب لمتطلبات مرحلة مابعد الثورة و تتسق مع استحقاقات الحقبة التاريخية التي يعيشها الليبيون والتي تستدعي قوانين متطورة محفزة ودافعة للتطور وللتقدم وليست معرقلة ومعيقة.

كما ينبغي أن تتم مراجعة جميع القوانين المنظمة لعمل بعض المؤسسات، خاصةً ديوان المحاسبة وجهاز الرقابة الإدارية، بحيث يتم استحداث قوانين محفزة ودافعة للأمام، مع التعجيل بتطوير آليات عمل ديوان المحاسبة وجهاز الرقابة الإدارية وإعادة النظر في القوانين المنظمة لعملهما بحيث يصبحان عاملي تحفيز و دفع لعجلة الاقتصاد دون الإخلال بمهامهما التي خولها لهما المشرع .

و أن يكون عملهما لاحقا وليس سابقا ومساهما في إحداث التنمية المنشودة وليس العكس.
إن الأوضاع التي يعاني منها الوطن ويكابدها المواطنون تستدعي منا جميعا دون تراخ أن نفعل ونعتمد كل ما من شأنه إحداث نقلة اقتصادية حقيقية وأن نطلق يد الجهات والمؤسسات التي لديها الرغبة في الإسهام بقوة في إقامة مشاريع كبرى ومهمة وفق تشريعات مرنة وليست مخلة، بل محفزة وليست متهاونة، وبآليات عمل سريعة منجزة .
حفظ الله ليبيا و أهلها ورفع عنهما كل إحباط ويأس .
***
عبدالرزاق مختار عبدالقادر ـ سفير ليبيا في تركيا

___________

مواد ذات علاقة