طبقاً للسابق فإنه يمكن القول إنه لا يوجد في تاريخ الثلاث بلدان السابق: مصر والإمارات والسعودية إبان حكم الملك عبدالله، قضية مشتركة تلاقوا فيها مثل مسألة مواجهة النفوذ القطري في منظومة دول مجلس التعاون،
وكذا النفوذ التركي القطري– الإخواني ومحاصرته منذ 2011 وحتى 2015، ليس فقط على الصعيد السياسي والاقتصادي سواء في منطقة الخليج أو على امتداد مناطق الحروب بالوكالة من سوريا إلى ليبيا، ولكن امتد أيضاً للصعيد العسكري في مناطق الحروب المشتعلة من سوريا إلى ليبيا مروراً باليمن،
ولكن مع ملاحظة جوهرية أن سلوك الإمارات في الساحات السابقة تجاوز أولويات وأجندة أهداف الحلفاء إلى استثمار وخلق فرص نحو بلورة مرتكزات إستراتيجية وفق أولويات أبو ظبي الخاصة التي قد تتقاطع وقد تتنافر مع أولويات حلفائها السابق ذكرهم.
ليبيا
في هذا السياق يرى المحلل السياسي للمجلس الأوربي للعلاقات الخارجية أندرو هاموند، في مقال له نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية سبتمبر 2014، أن الخلاف حول الإسلام السياسي بين دول المنطقة ودول الخليج على وجه الخصوص أفضى إلى نتيجة أولية مفادها صعود الإمارات كقوة إقليمية هامة،
ليس فقط بشراكتها خليجيًّا مع السعودية في التصدي للإخوان ومحاصرة قطر الخصم الاقتصادي للإمارات، ولكن على مستوى المنطقة بتعاونها مع مصر، فشكلا سويًّا ذراعًا عسكرية طويلة لإدارة معركة في ليبيا بين محوري: (قطر–تركيا–الإخوان) و(مصر– الإمارات–السعودية)، ليس بالوكالة فقط عن طريق دعم الوطنيين الليبيين ضد الإسلاميين، ولكن بتدخلهم المباشر،
والذي كان آخره الغارات الجوية في محيط مطار طرابلس أواخر أغسطس من نفس العام .
ويضيف هاموند “ليبيا كانت اختبار استعراض عضلات دول الخليج حتى قبل الغارات الجوية الأخيرة، فاستجابتهم الأولية للانتفاضات العربية تمثلت في تحالف الإمارات وقطر مع حلف الأطلسي في الغطاء الجوي دعمًا للثوار الليبيين الذي أنهوا نظام القذافي في 2011،
ولكن تورط الإمارات في ذلك الوقت كان محدودًا ومؤطراً في خطاب لاقى قبول مواطني العالم، وذلك في الوقت الذي واصلت فيه قطر دعم وتمويل الجماعات الإسلامية بتوفير الأموال ووسائل الإعلام”.
وخلص هاموند إلى قول إن “التغيرات التي تعصف بالشرق الأوسط في السنوات الأخيرة أجبرت الإماراتيين إلى اتخاذ جانب أحد أطراف الصراع الإقليمي الكبير مع حلفائها من المصريين والسعوديين.
فقطر عملت على زعزعة استقرار الأنظمة السياسية، سواء بالانتخابات أو بالعنف خارج حدودها الإقليمية، وهو ما حدا بالإمارات إلى اتخاذ مواقف مبادرة وجذرية تجاه الدوحة؛ ليتناسب ذلك مع الطموح الإماراتي المجبرة عليه أبو ظبي”.
من جانبه رأى الكاتب والباحث المتخصص في شئون الخليج العربي سايمون هندرسون أن الإمارات تسعى لتأكيد دورها الأساسي في المحور الثلاثي الساعي إلى محاربة الإسلام السياسي، وأن الضربات الجوية في ليبيا تشير إلى الشعور بالإحباط في القاهرة وأبو ظبي من عدم اتخاذ الولايات المتحدة إجراءات لتحقيق الاستقرار في ليبيا.
من اللافت تدخل الإمارات بقوة في هذا الشأن، والذي كان من الممكن أن تتولاه القاهرة وحدها، ولكن بسبب عدم تمكن النظام المصري الجديد من كامل أدواته الخارجية، وتذبذب علاقته مع واشنطن، فإنه فضل أن تنفذ الضربة الجوية في ليبيا بشراكة مصرية خليجية سواء من السعودية أو الإمارات، وبالفعل قامت الأخيرة بهذا الدور بطائراتها، والتي انطلقت من المطارات المصرية، لتبرهن الإمارات أنها أضحت قوة إقليمية كبيرة، ليس فقط اقتصادياً وإعلامياً، ولكن سياسيًّا أيضاً، وربما في المستقبل القريب يصبح لها رؤيتها الخارجية الخاصة بعيداً عن الارتباط بالرؤية السعودية.
اليمن
مشاركة الإمارات في الحرب على اليمن هي الأبرز والأهم في مسار تحولات النفوذ العسكري الخارجي للإمارات، ناهيك عن كونها الحرب الرسمية الأولى لأبوظبي، لكن أهمية الحرب في اليمن من الزاوية السابقة لا تقف عند المشاركة ضمن تحالف تقوده السعودية رسمياً، بل مشاركة فاعلة ميدانياً وليس شرفياً أو محدودة مثل معظم دول التحالف السعودي،
بل أنه يمكن القول أن معارك جنوب اليمن والاستيلاء على عدن كان الفضل والفصل فيها للقوات الإماراتية سواء النظامية أو المرتزقة الذين جلبتهم الإمارات من مختلف شركات الخدمات الأمنية أو من أميركا الجنوبية.
وهي بذلك فيما يخص المعارك البرية فاقت حتى الرياض التي من المفترض أنها تقود التحالف، وساهم ذلك في محاولات أخذ أبو ظبي لزمام المبادرة في جنوب اليمن ميدانياً وربما سياسياً، وأفضى إلى تباين علني بين السعودية والإمارات على مستوى الرؤية العامة للحرب والمعارك والأولويات الميدانية خاصة وأن الكُلفة الميدانية للإمارات وخسائرها على المستوى البشري وفي المعدات والأسلحة بمختلف أنواعها يفوق في بعض التقديرات الخسائر السعودية.
وهو ما انعكس بالضرورة على الصعيد السياسي فأصبح هناك بين مسئولي نظام هادي منصور موالين للرياض وموالين للإمارات، وهو ما تواجد أيضاً على مستوى الجنوب اليمني ومكوناته السياسية والاجتماعية.
وأخيراً أصبح الانحياز الأميركي للرؤية الإماراتية في اليمن على حساب العشوائية والتخبط السعودي.
بوادر ذلك الفصل الذي تحدث عنه هندرسون أعلاه بين سياسات أبو ظبي والرياض الخارجيتين تحقق بالفعل في أكثر من ساحة، فمع طول أمد الحرب على اليمن تضاربت الأولويات السياسية والميدانية بين الرياض وأبو ظبي، وما جرى في مسار معارك الجنوب اليمني ومدى اختلاف الرؤى بين الاثنين الذي تطلب انحيازاً أميركياً لأبوظبي ضد العشوائية السعودية هناك،
فقد وصل إلى ثقة البنتاجون في الرؤية والتكتيك العسكري الميداني للإمارات والسعي لتطويره بالشراكة الميدانية والتنسيق العسكري والاستخباراتي المأسس في وسط وجنوب اليمن، فيما توقع مراقبون أن تتجاوز هذه المرحلة الجديدة من الشراكة بين واشنطن وأبوظبي الساحة اليمنية إلى ساحات أخرى في المنطقة على رأسها سوريا ومن مدخل يتسق مع الأولويات الإماراتية المتباينة مع “الحليف” السعودي المتماهي بالكامل في الساحة السورية منذ 2015 مع أنقرة.
سوريا
وبالفعل بدأت أبوظبي بإشراف من واشنطن بفتح قنوات تعاون أمني وعسكري مع «قوات سوريا الديمقراطية» ومناطق الإدارة الذاتية لأكراد سوريا «روج آفا»، اللذان يعدان خصم رئيسي لتركيا المتحالفة بحكم الضرورة مع السعودية بعد استدارة الأخيرة البادئة منذ 2015؛
حيث رصد نشاط عسكري واستخباراتي إماراتي في سوريا على تخوم الحدود التركية يقوض سياسات أنقرة في سوريا وبالتعاون مع واشنطن المتحفظة على المطالبات التركية من منطقة عازلة وخلافة،
وبالتالي كان طبيعياً أن يستثنى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الإمارات من جولته الخليجية الأخيرة.
ويرى مراقبون أن التمدد العسكري الإماراتي في سوريا بمثابة نقوس خطر لتركيا حيث تعمل الإمارات –بخلاف فتح قنوات مع الجهتين السابق ذكرهما– على لجم عود العشائر العربية والكردية المتواجدة في مناطق الحدود بين سوريا وتركيا، بالإضافة لتعزيز النفوذ الإماراتي سياساً وعسكرياً في أوساط الفصائل المسلحة الكردية والعربية المناوئة بدرجات مختلفة لأنقرة، وعلى رأسها ما يعرف بـ «جيش الثوار» الذي شُكل في منتصف 2015 بعد اندماج سبع مجموعات مسلحة، وأعلان هذا الفصيل انضمامه إلى تحالف «قوات سوريا الديموقراطية» ومن أبرز مناطق سيطرته حالياً: منطقة مطارمنج في ريف حلب الشمال.
الملاحظ هنا أن في كل من الحالة الليبية والسورية وبداية اليمنية كان مشاركة الإمارات فيها على أرضية المصالح المشتركة للحلفاء، مع مسايرة أبو ظبي لأولويات القاهرة والرياض على أساس وحدة الموقف تجاه قضايا معينة مثل مجابهة نفوذ المحور القطري التركي،
ولكن التباينات التي حدثت على سبيل المثال بين الرياض وأبو ظبي تجاه القضية السابقة بداية من 2015 فرضت تغييراً في نهج الأخيرة انعكس على توسع مجهودها المشارك في مساعي الأولى سواء في اليمن وسوريا وصولاً إلى إرهاصات تنافس بين البلدين حول التوسع خارج النطاق الجغرافي والحيوي في الخليج، الذي تغلقه أمامهم إيران جغرافياً وتاريخياً ومن حيث توازنات القوى.
***
إسلام أبو العز ـ باحث متخصص في شئون الشرق الأوسط
___________